عزيزي الأستاذ ميرزا بك

قرأت بعظيم العناية خطابك في المأدبة التي أقامتها أسرة تقلا باشا ترحيبًا بصاحب جريدة «شيكاغو تريبيون»، واطمأنت نفسي لما نمَّ عنه هذا الخطاب النفيس من نزعة محمودة وفكر ناضج حري بالتقدير، جدير بالتأمل والنظر. لقد أبرزت في أحسن تصوير ما تكنه النفسية العربية بخاصة والشرقية بعامة حيال الحضارة الغربية الراهنة، فهي في نظر العروبة أزمة الإنسان المتمرد على القيم الأصلية؛ ففقد بذلك وحدته الداخلية وتماسكه النفسي، وأصبح يتلمسها من مادية لا تقي من الحيرة والقلق.

وفي الحق، إن جفوة مخيفة موحشة تقوم الآن بين الحضارة الحالية والتوجيهات السماوية، وإن تنافرًا متزايدًا يقع بين مطالب هذه الحضارة المادية ومطالب الروح ونزعاتها السامية المطمئنة، وإن الغرب الذي يتولى مكان القيادة البشرية قد يجر الأمم والشعوب إلى الهاوية ما لم يلتمس هدايته من إيمانه القديم بالقيم الروحية العليا.

لقد بدا ﻟ «جان جاك روسو» أن المدنية تبعد الناس عن سلامة الطبع ونزعة الخير، وتغري أكثر حاجاتها ومظاهرها بشهوات وضيعة، وتنأى بالبشر عن الفطرة القويمة. وقد استهجن روسو في بعض كتاباته ألوانًا من الفنون والمألوفات الاجتماعية رأى فيها تزييفًا للقيم الرفيعة وغضًّا من مكانتها، فلقي ما كتب تأييدًا من المفكرين وتقديرًا، وها هي ذي الأيام تحقق ما ذهب إليه هذا الفيلسوف.

والآن قد يدعو الداعون من قادة الرأي إلى معاودة الإيمان بالتراث المعنوي القديم، سواء أكان مستمدًّا من ثقافات أصيلة أم من رسالات دينية، مما يدل على أن العنصر الفطري الأساسي في النفس البشرية يستلهم مصدرًا واحدًا هو الروح.

على أن هذه الدعوة ما زالت في حاجة إلى غيرة أصحاب الفكر وصدق عونهم على تطهير الأقلام، والترفع بها إلى ما يسمو بمستوى النفوس والأهداف.

وعندي أن تعميم الدعوة إلى مراعاة القيم الروحية في حاجة شديدة إلى تدبير وتدبير من هيئة اليونسكو التي تطمع في أن توجه الإنسانية إلى ثقافة مثالية مقبلة، وعندي كذلك أن المبادئ الروحية لو أنها تغلغلت بجوهرها النقي في الناس، لأفسحت لهم حرية صافية من التفكير والعمل من شأنها أن تغني أصحاب السلطان عن الإسراف في التشريعات والتوجيهات؛ إذ يصبح وازع الوجدان في الأفراد والجماعات أقوى وأفعل من وازع القانون والسلطان.

هذه خواطر أيقظها في نفسي ما قرأت لك — أيها الأخ الكريم — من قول قيِّم وجهته إلى الضيف الأمريكي الصحفي الكبير في الحفلة التي أقمتموها له في هذا الأسبوع، ولم يمنعكم تكريمكم للضيف من أن تذكروا للعروبة كنوز معنوياتها. ولعلكم أردتم أن تحذروا العرب من غلو الاندفاع وراء عجلة الغرب في طوره المادي الرهيب. ولقد حفزني ما قرأته لكم من هذه المعاني إلى أن أوجه إليكم هذه الكلمة؛ حامدًا لوجهتكم، مؤيدًا لنظرتكم، داعيًا إلى المزيد منها بقلمكم الحساس في جريدتكم القيمة الواسعة الانتشار، مستعينين ما استطعتم بأقلام المؤمنين بهذه الروح العالية، والتي نخشى عليها الاندثار من كثرة ما يغشانا من زيف الحضارة الراهنة، وقد بلغ انقيادنا لها مبلغ الخطر، حتى لكدنا ننسى جوهر أنفسنا الشرقية ومعنويات حضارتنا الدينية إسلامية كانت أو مسيحية.

ولا كاشف لهذه المحن التي تحيق بالإنسان إلا أن تستعيد الإنسانية روحها الربانية العليا في الجماعات وفي الأفراد.

فإلى الكفاح في هذا السبيل.

والسلام عليكم ورحمة الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.