هو هذا الجهد العنيف إلى أقصى غايات العُنف المُمْتِع إلى أبعد حدود الإمتاع، الذي بذله الدكتور عبد الرحمن بدوي حول كتاب الشعر لأرسطاطاليس.

وأقول: إنَّ هذا الجهد عنيف إلى أبعد غايات العنف؛ فقد ترجم هذا الكتاب في القرن الرابع الهجري إلى اللغة العربية، وعسى أن يكون قد تُرجم قبل ذلك في القرن الثالث، ولكن ترجمة القرن الرابع هي التي وصلت إلينا، وهي سَقيمة مُمْعِنَةٌ في السُّقم، لا تُصور كتاب أرسطاطاليس كما هو، بل لا تُصَوِّره تَصويرًا مُقاربًا، وفيها من الخلط والاضطراب شيء كثير.

وعلى هذه الترجمة وترجمة أخرى ظهرت في القرن الرابع أيضًا ولم تَصل إلينا، اعتمدْ الفلاسفة المسلمون حين لخصوا هذا اللون من علم أرسطاطاليس، فكان علم العرب والمسلمين بهذا القسم من علم أرسطاطاليس مُشوهًا مَنقوصًا، ثم عُرف النَّص اليُوناني لهذا الكتاب في أوائل عَصر النَّهضة؛ ففرغ له جماعة من العلماء الإيطاليين في ذلك العصر مُترجمين ونَاقِدينَ، وشَارحين ومُحَلِّلين، ولم يلبث الكتاب أنْ تجاوز إيطاليا إلى غيرها من أوروبا الغربية، فعُرف في إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا، واشتدت عِنَاية النُّقَّاد والعُلماء به كما كانت عِنَايتهم تَشْتَدُّ بكل ما كان يصل إليهم من آثار اليونانيين عامة، ومن آثار المعلم الأول بوجه خاص.

وما زالت هذه العناية مُتصلة إلى الآن، ثم لم يلبث الكتاب أن تجاوز بيئة العلماء والنُّقَّاد إلى بيئات الأدباء والشعراء منهم خاصة، فتأثرت به فنون الشعر في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، ولم ينصرف الأدباء عن التأثر به إلا حين ظهرت حركة الرومنتيكيين في القرن التاسع عشر.

فقد مَرَّ الكِتَابُ إذن في العالم الإسلامي القديم كما تَمُرُّ سَحَابَةُ الصَّيف لم يعرف منه فلاسفتنا إلا أطرافًا، لم يحققوها ولم يقنعوا بها، وإنما ألمُّوا بها إلمامًا في كُتب المَنْطِق ليُحْصُوا ما وصل إليهم من فلسفة أرسطاطاليس. وكان تأثر العالم العربي بكتاب الخَطابة لأرسطاطاليس أقوى وأعمق، ظهر ذلك في النقد الأدبي منذ عهد الجاحظ، ثم تمثل تمثيلًا قويًّا واضحًا في فنون البلاغة منذ عبد القاهر إلى الآن.

ولكن أثر الكتاب في أوروبا كان عظيم الخطر جدًّا، فهو كما رأيتَ لم تقف العِنَايةُ به عِنْدَ المُخْتَصِّين مِنَ العُلَمَاءِ والنُّقَّاد، بل تَجَاوَزتهم إلى الشُّعراء وأصحاب التمثيل منهم خاصة.

وكان نقصًا خطيرًا في حياتنا الأدبية أَلَّا نَعْرِفَ من هذا الكتابِ إلا اسمه، وإلا هذه الأسطر التي توجد في أواخر كتب المنطق، وكان مما يزيد خطورة هذا النقص أنَّ المحدثين قد جهلوا حتى ما عرفه القدماء من هذا الكتاب، فهم لم يعرفوا الترجمة العربية القديمة، ولم يعرف تلخيص الفلاسفة لهذه الترجمة إلا المتخصصون الذين يمكن إحصاؤهم من أساتذة الجامعات في القاهرة والإسكندرية.

ولم يكنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يكمل هذا النقص في ثقافتنا الأدبية العربية، ويُمْحى عنها هذا العيب، وسبيل ذلك إحياء الترجمة القديمة، وتلخيص الفلاسفة لها من جهة، وترجمة الكتاب نفسه ترجمة صحيحة دقيقة من جهة أخرى.

وهذا الجهد العنيف الممتع هو الذي فرغ له الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بدوي فوُفِّق فيه أحسن التوفيق.

وإني لأفرغ بين حين وحين إلى هذا الكتاب الذي أهداه إليَّ صاحبُهُ منذ أسابيع؛ فأجدُ من الرِّضا والغِبْطَة ومن العَناء والمشقَّة ما لا أجده إلا قليلًا جدًّا حين أخلو إلى ما يُهدَى إليَّ في هذه الأعوام الأخيرة من الكتب.

فأمَّا الرضا والغبطة فمصدرهما أنَّ أُستاذًا مِصْرِيًّا، من أساتذة إحدى جامعاتنا، قد استطاع أن يستخلص من وقته ومن حياته هذه المُعاصرة، التي تزدحم عليها الأحداث وتكتنفها الخطوب، جزءًا يفرغ فيه لكتاب من كتب أرسطاطاليس، وما أنفق القدماء والمُحدثون من جهود مُتصلة ليترجموه ويُلخِّصوه، وليفهموه وينقدوه، وليُقرِّبوه آخر الأمر إلى الشُّعراء يجدون فيه أصول فنهم كما عرضها زعيم الفلاسفة منذ ثلاثة وعشرين قرنًا.

هذا إذن أستاذ مصري مُعاصر لم يكد يتجاوز الشباب بعدُ، ولم ينسَ نصيبه من الحياة المُعاصرة بما فيها من خير وشر، ولكنه على ذلك، بل من أجل ذلك يَحتمل العناء كل العناء، وينفق الجهد كل الجهد ليدرس كتابًا في أصول الشعر أُلِّفَ مُنذ ثلاثة وعشرين قرنًا، ونُقل إلى العربية منذ عشرة قرون، وشُغِل الأوروبيون به منذ خمسة قرون، لم ينصرف عنه لأنه قديم مُسرف في القدم، ولم يُعرض عنه لأنه ليس من هذه الأعمال التي تتصل بالمنفعة القريبة المادية، ولم يضق به لأنَّه كتاب لا يُعنى به إلا قليل جدًّا من المثقفين، وإنما أحب الكتاب لهذه الخصال كلها، وأقبل عليه مشغوفًا به أشد الشغف، حريصًا أعظم الحرص؛ على أن يمتع به أمثاله من مواطنيه ومن طلاب الثقافة والعلم، الذين يقرءون اللغة العربية.

وهو قد استحيا لنفسه ولقومه من أن ينفق المستشرقون الإنجليز والنمساويون الجهود العنيفة في الأعوام المُتصلة لدَرْسِ هذا النوع منَ التراث الإسلامي العربي، ونحن عنه غافلون لا نَكادُ نَعلمُ به، فضلًا عن أن نشارك فيه.

هو إذن يحب هذا النوع من البحث؛ لأنه يجدُ فيه متعة لنفسه، وثروة للغته، وتعليمًا لمُواطنيه، لا يصدُّه عنه قِدَمُه، بل يُرَغِّبه فيه، ولا يَصْرِفهُ عنه عسره، بل يُغْرِيه به، ثم هو ينفق ما أنفق من الجهد، ويبلغ ما بلغ من التوفيق، دونَ أنْ يَتكثر أو يستطيل، وإنما يشجعه هذا التوفيق على أن يستقبل من البحث ألوانًا ليست أقل قدمًا ولا عُسرًا من هذا اللون الذي فرغ منه.

فالأستاذ عبد الرحمن بدوي غارقٌ في علم أرسطاطاليس إلى أذنيه. لقد كنتُ أشدَّ الناس حرصًا على أن يفرغ المُتخصصون من فلاسفتنا للترجمة العربية القديمة لمنطق أرسطاطاليس؛ فقد كان يجبُ أنْ تحيا هذه الترجمة التي عاش عليها قدماؤنا، ونبغ فيها وبها فلاسفتنا.

وقد وقف الدكتور عبد الرحمن بدوي مقدارًا عظيمًا من وقته وجهده وماله على إحياء هذه الترجمة؛ فنشر منها ما نشر حتى إذا بلغ الشعر، ووجد الترجمة القديمة قليلة الغناء أحياها فيما أحيا، ولكنه لم يكتفِ بها، وإنما أقبل على كتاب أرسطاطاليس نفسه فترجمه ترجمة جديدة دقيقة.

وجمع لنا في هذا السفر الذي أتحدث عنه ترجمته هذه، وترجمة أبي بشر متَّى بن يونس، وتلخيص الفارابي، وابن سينا، وابن رشد لهذه الترجمة، وقدَّم بين يدي هذا كله درسًا مُفصلًا لتاريخ هذا الكتاب في العالم العربي القديم، وفي العالم الأوروبي الحديث، وفي بيئات المُستشرقين.

أليس هذا كله خَليقًا أنْ يُثير الرضا والغِبْطة، وأكثر من الرضا والغبطة في نفس من يُحِبُّ لمِصْرَ أنْ يُشْغَل أبناؤها بحقائق الثقافة ولبابها، لا بظواهرها وقشورها، وبصريح العلم وحده لا بما هو أقرب إلى البهرج والتمويه منه إلى أي شيء آخر؟

أليس مما يُثير الرضا والغبطة أنْ نَجِدَ بين الشباب المصريين من يُحبُّون العِلم؛ لأنَّه العِلم، ويُقبلون عليه؛ لأنهم يجدون في الإقبال عليه والإنتاج فيه هذه اللذة العليا التي لا تذوقها ولا تستحبها إلا النفوس المصفاة؟

أليس مما يُثير الرِّضا والغِبطة أن نَجِدَ بين الشباب المصريين من يقبلون على العلم لا لأنهم ينتظرون منه منفعة قريبة؛ بلْ لأنهم يَجِدُون فيه لذة خَالِصَةً مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ، ويَجِدُون في الإنتاج فيه أخذًا بأسباب الثقافة الصحيحة التي يقوم عليها مجد الشعوب؟

بلى، ومما يزيد الرِّضا والغِبطة أنَّ الأستاذ عبد الرحمن بدوي ليس وحيدًا في هذا النحو من حب العِلم والإقبال عليه بين مواطنيه، ولكنَّ له في جامعتنا المصرية المظلومة لداتٍ وأقرانًا، يُقبلون مثله على العِلم الخالص، ويُنتجون مثله في العلم الخالص، ويبذلون مثله هذه الجهود التي تمتع أصحابها، وتمتع الذين يقرءون آثارهم، ولكنها لا تكسب أصحابها شهرة ولا مالًا؛ لأنَّ العلم الصحيح لم يكسب أصحابه الشهرة إلا بآخرة، وهو لم يكسب أصحابه المال، وإنما كان مصدر ثروة للناشرين.

وقد قلت: إن جامعاتنا مظلومة، وما لِيَ لا أقول ذلك ونحنُ لا نسمع في هذه الأيام إلا أنَّ جامعاتنا قد أخفقت ولم تُؤدِّ ما أنشئت لتأديته من المهام، أو لم تؤدِّ رِسَالتها، كما يُقال في هذا العصر الذي اختلط فيه كل شيء؟ كلا، لم تُخفِق جامِعَاتنا ما دامت تخرج بين حين وحين الدكتور عبد الرحمن بدوي وإخوانه، الذين يعملون وينتجون وينشئون ثقافتنا الحديثة الصَّادقة في غير تكثر ولا ضجيج ولا عجيج.

وقد ذكرت آنفًا أني أفرغُ لهذا الكتاب، فلا أجدُ في الفراغ له الرِّضا والغِبطة فحسب، وإنَّما أجدُ المَشَقَّة والعَناء أيضًا؛ فليست قراءة أرسطاطاليس وترجمته القديمة وتلخيص الفلاسفة المُسلمين له هينة يسيرة كقراءة القصص المُمتعة، أو هذا الأدب اليسير الذي يغرقنا في هذه الأيام، وإنما هي قراءة تحتاج إلى الأناة كل الأناة، وإلى التفكير الذي يستغرق فيه صاحبه أشد الاستغراق. ولعمري ما حبب الحياة الأدبية إليَّ إلا أنها تُتيح لي بين حين وحين هذه الكتب التي أقرؤها مُستأنيًا بقراءتها، مُشاركًا لأصحابها فيما بذلوا من جهد، وما احتملوا من مشقة. وهل الأدب الصحيح إلا مُشاركة خصبة بين الكُتَّاب والقُرَّاء؟

ليتقبل الدكتور عبد الرحمن بدوي مني أصدَقَ الشكر وأخلصه وأصفاه؛ لأنَّه أرضاني حين عني بآثار أرسطاطاليس هذه العناية القيمة، ولأنه وإخوانه جعلوا للثقافة العربية المُعاصرة قيمةً أيَّ قيمةٍ، وغَناءً أيَّ غناء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.