حرية العبقرية

العبقرية قوة سامية تتسم بالخلق والإبداع، ولكنها لا تحيا إلا في جو الحرية المطلق، ولا يعني هذا أنها لا تعرف القوانين، ولكنَّ قانونها مستمد من ذاتها.

وقد قرأتُ أخيرًا كلمةً لصحافيٍّ شابٍّ وجهها إلى الأستاذ العقاد، يريد منه أن يعدل عن الكتابة في «العبقريات» إلى ما هو أحق بعنايته في نظره، ورد الأستاذ عليه فقال: الرأي الصواب المعقول في هذا الموضوع هو أن الكاتب غيرُ مطالب إلا بالتوفر على إحسان الموضوع الذي يختاره.

والواقع أنه من التعسف الذميم أن نطالب الكاتب بمعالجة ما نحب من الموضوعات؛ فهو حر فيما يكتب، والقارئ حُرٌّ فيما يقرأ، إلا أن حرية الكاتب — كما قلنا — لها قانونها الذاتي، فهو يتلقى بحواسه التيارات التي تعمل في المجتمع الذي يعيش فيه ما ظهر منها وما بطن، وهو يستهدي بحواسَّ حرةٍ في اختيار موضوعاته، فتأتي معبرةً عن واقع بيئته أو آمالها أو أحلامها البعيدة المنوط تحقيقها بالمستقبل البعيد.

ورُبَّ قارئ يسأل: هل ثمة دواع حقًّا تستوجب تاريخ عبقريات محمد وأبي بكر وعمر وعليٍّ في هذا الظرف من حياتنا؟!

فأقول: إن هذه الموضوعات ليست غريبة بحالٍ عما يختلج في صدر مجتمعنا، ولا أتكلم هنا عن قيمتها الدينية أو أهميتها الإنسانية، ولكني أشير خاصةً إلى ما يربطها «بوعي» الأمة العربية، وقد دبت فيه يقظة شاملة تحوط جذورها في الماضي الغابر، وأضاءت آمالها في الأفق المحيط، ثم أُنَبِّهُ إلى ما يؤاخي بين روحها وبين بعض مظاهر نهضتنا الحديثة، فأصحاب العبقريات هم الخلفاء الراشدون، وهم الولاة الذين وجد الإسلام في عهودهم خير معبِّر عن روحه، وأعني بروحه تلك النزعة الشريفة نحو البساطة والمساواة، أو ما يسمونه باشتراكية الإسلام.

والاشتراكية مذهبُ اجتماعي حديث العهد بمصر، ولم يُهيَّأ له بعدُ حزبٌ ينافح عن مبادئه، ولكنه يضطرم في أفئدةِ كثيرٍ من الشبان.

فجملة القول إن الحرية للعبقرية واجبةٌ، وإنها تستهدي بقوانينها الخاصة، وإنها لا تضل سبيلها …

مخاوف كاتب

كتب كاتب في مجلة الثقافة يحذِّر من الأخذ بمبادئ الاشتراكية؛ لأنها في رأيه لا تتحقق إلا بسفك الدماء، ولأنها تهدد الفكر!

والواقع أن الاشتراكية أبعد ما تكون عن هاتين التهمتين، فالاشتراكية تعتمد كل الاعتماد على التطور … لا الثورة كما هو الحال في الشيوعية، وكثير من زعماء الاشتراكية من المفكرين المعروفين بخدمة قضية السلام، وليس أبعد عن ذهن الاشتراكي من التفكير في سفك الدماء.

واعتماد الاشتراكية على التطور يكفي لدَحْض الأوهام التي ترى فيها مُهَدِّدًا للفكر البشري، فالتطور يقتضي الاعتماد على الدعاية والإقناع في حدود النظام النيابي، وإذا بلغت الاشتراكية سلطانها في حدود النظام النيابي، فلن تفكر في إلغائه، ولن يتغير احترامها للفكر وحريته.

ونحن نُسائل هؤلاء المُتَخَوِّفين: هل من تناقض بين الفكر وبين العدل الاجتماعي؟! ألَا يمكن أن تنتج علمًا وفَنًّا إلا في مجتمع مُشَوهٍ بالفقر والجهل والمرض؟!

ينبغي أن يُفَرِّق الكُتَّابُ بين ديكتاتورية الشيوعية والاشتراكية الديموقراطية، فالشيوعية — لتوَسُّلها بالثورة — تحمي نفسها بالدكتاتورية، ولا تسمح بالوجود إلا لحزب واحدٍ ورأيٍ واحد، وتمحو ما يخالفها من الأحزاب والآراء، فيرسف الفكر في دولتها بالأغلال، أما الاشتراكية فلا تعرف الثورةَ ولا الدكتاتورية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.