يمكن أن يقال: إن الانتخابات البريطانية شغلت العالم أشهرًا متصلة كما شغلته أحداث الحرب الجسام … وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة، فلبريطانيا العظمى مكانتها الممتازة بين أمم الأرض، وإمبراطوريتها العظيمة وكلمتها المسموعة في كل مشكلة من مشكلات السياسة العالمية، بل لبريطانيا العظمى آثارها التي تختلف قوةً وضعفًا في السياسة الداخلية والخارجية لكثير من الأمم المستقلة، أو التي تشبه أن تكون مستقلة … فإذا حدث في بريطانيا العظمى ما من شأنه أن يغير سياستها قليلًا أو كثيرًا، فمن الطبيعي أن يتساءل العالم، وأن تتساءل الأمم المتأثرة بهذه السياسة عن طبيعة هذا التغيير، وعمَّا يمكن أن ينتهي إليه من الآماد، وأن يترتب عليه من النتائج.

وقد كانت الحرب الانتخابية في بريطانيا العظمى مثار اختلافات كثيرة عنيفة في التفسير والتقدير، لا في بلاد الإنجليز وحدها، بل في كثيرٍ جدًّا من بلاد الأرض. فكانت الحرب نفسها عنيفة جدًّا بين المحافظين والعمال … وكان الناس يقرءون خطب الزعماء المختصمين في كثير من التلهف والتشوق … وكانوا يعجبون إعجابًا شديدًا بأن هذه الخصومة العنيفة وتلك الحرب — التي كانت بالقياس إلى الحزبين حرب حياة أو موت — لم تمنع الحزبين من التعاون والتناصر، ومن أن يشدَّ أحدُهما أزْرَ صاحبه حين يَجدُّ الجد في أمور السياسة الخارجية.

فلم يكد مستر إيدن يعلن في مجلس العموم البريطاني قبيل حله مأساة سوريا وموقف بريطانيا العظمى منها حتى وقف زعيم العمال فأعلن تأييد حزبه لمسلك الحكومة، ثم لم يكد يتقرر اجتماع الرؤساء الثلاثة في بوتسدام حتى أعلن مستر تشرشل في مجلس العموم أنه طلب إلى خصمه وصديقه المستر إتلي أن يصحبه في هذا الاجتماع الخطير؛ ليثق العالم بأن البريطانيين مهما يختلفوا في السياسة الداخلية فهم متفقون في كل ما يتصل بسياسة العالم بعد انتهاء الحرب، وبأن بريطانيا العظمى لن تغيِّر موقفها في السياسة العالمية بتغير حكوماتها، أو بانتقال السلطان فيها من حزب إلى حزب.

كان الناس يقرءون هذا كله ويعجبون به، ويكبرون هذه الديمقراطية البريطانية التي تعرف ما تريد، وتعرف كيف تسعى إلى ما تريد، وكيف تبلغ ما تريد. وكانوا في الوقت نفسه يختلفون في نتائج الحرب الانتخابية، وكان أكثرهم يرى أن المحافظين سيظفرون بالفوز، وسيتفوقون على خصومهم ولو بكثرة ضئيلة، يبنون ذلك على ما للمستر تشرشل من مكانة ممتازة في نفوس الشعب البريطاني خاصةً، وفي نفوس الناس جميعًا خارج بريطانيا العظمى بعد أن أنقذ وطنه من كوارث لم يكد أحد يشك في أنها واقعة، وبعد أن ثبت وحمل مواطنيه على أن يثبتوا لهذه الخطوب الهائلة المروعة التي لم يعرف التاريخ مثلها في عصر من العصور، وبعدما بذل من جهود لا يكاد يتصورها العقل، واحتمل من عناء لا يكاد يحتمله الناس. فسافر في البر والبحر والجو في غير أوقات السفر، وعرض نفسه لأخطار جسام على تقدمه في السن، وعلى اعتلال صحته كلما تعرضت لهذه الأعراض التي تنشأ عن التنقل السريع إلى الأقطار النائية مهما يكن من اختلاف الفصول.

وكان قليل من الناس ينتظرون فوز العمَّال، يبنون ذلك على اتجاهات إنسانية هي التي اضطربت لها أوروبا بين الحربين، وهي التي ثارت لها الحرب العالمية الثانية، وهي التي تتصل بالصراع بين نوعين من نظام الحكم، وتدبير أمر الشعوب؛ أحدهما: النظام الديمقراطي السمح الطلق، والآخر نظام الدكتاتورية أو ما يشبهها من هذه الديمقراطيات المقيدة المتحرجة.

وقد انتهت الحرب الانتخابية في بريطانيا بفوز العمَّال، فلم يكد هذا الفوز يعلن إلى الناس حتى أخذوا يختلفون في نتائجه القريبة والبعيدة، وهم الآن ماضون في هذا الاختلاف، يرى بعضهم أن هذه النتائج ستقتصر على السياسة الداخلية البريطانية؛ فتحكم بريطانيا العظمى حكمًا اشتراكيًّا يمعن في الاشتراكية إمعانًا قويًّا أو ضعيفًا، وتمضي السياسة الخارجية على أساليبها التقليدية لينة في هذا المكان، شديدة في ذاك، مرنة بالقياس إلى بعض الأمم، صلبة بالقياس إلى بعضها الآخر، باسطة للنفوذ البريطاني على كل حال.

ولم يحدث قط أن اهتم العالم لنتائج الانتخابات في بريطانيا العظمى كما اهتم لها في هذه المرة؛ فبريطانيا العظمى دولة منتصرة قد شاركت في سحق ألمانيا وإيطاليا، وفي تحرير أوروبا من تسلط الألمانيين، ولا يكاد قطر من أقطار الأرض في الشرق والغرب يخلو من قوة بريطانية تستقر فيه، أو تسعى إلى دخوله والاستقرار فيه استقرارًا طويلًا أو قصيرًا، لا نستثني من ذلك إلَّا أمريكا، فتغير السياسة البريطانية من طبيعته أن يحمل هذه الأقطار كلها على أن تتساءل ما عسى أن يكون لهذا التغير من أثر في حياته الحاضرة أو المستقبلة.

ومهما يكن من الحق أن جوهر السياسة الخارجية في بريطانيا العظمى واحد لا يتغير بتغير الأحزاب الحاكمة، وأن غاية السياسة البريطانية واحدة لا تتغير، وهي بسط النفوذ البريطاني في كل مكان؛ فإن أساليب هذه السياسة تتغير من غير شك بتغير الأحزاب التي تنفذها، وتختلف باختلاف الأشخاص الذين يرعونها ويقومون عليها. وليس من شك عندي في أن أهم الأسباب التي دعت إلى هزيمة المحافظين أنهم غلوا في المصانعة داخل بريطانيا العظمى وخارجها حين كانت المحنة شديدة شاقة، فترفقوا بالشعب البريطاني إلى أبعد حدود الترفق، وتقربوا إلى العمال تقربًا شديدًا، واستعاروا من الاشتراكية نظمًا كثيرة اقتضتها الحرب، ثم وعدوا وغلوا في الوعد حتى اعتقد البريطانيون أنفسهم — واعتقد الأجانب — أن بريطانيا العظمى صائرة إلى الاشتراكية الخالصة.

وهم في الوقت نفسه توددوا إلى حلفائهم وأنصارهم، وإلى الأمم المحايدة، وغلوا في هذا التودد، ونثروا وعودهم نثرًا، وجلوا أمام الإنسانية وأمام الأمم الضعيفة خاصةً آمالًا خلَّابة، حتى لم تشك أمة من الأمم الخاضعة لنفوذ هذه الدولة أو تلك أنها ستظفر بالحرية والاستقلال متى أصبح النصر شيئًا محققًا.

وشارك الأمريكيون حلفاءهم البريطانيين في هذا التودد الخارجي، وفي هذه الوعود المبذولة للأمم الضعيفة، فنشر ميثاق الأطلنطي وميثاق الأمم المتحدة وكلام كثير كله وعد، وكله تزيين للآمال والأماني، ولكن الحرب لم تكد تدنو من غايتها في أوروبا حتى استرد المحافظون تقاليدهم القديمة، واستأنفوا سيرتهم الأولى داخل بريطانيا العظمى وخارجها على السواء.

ولم ينس الناس بعدُ كيف تخلَّص المحافظون في لباقة ورشاقة من مشروع الأستاذ بيفردج، مع أنه كان معتدلًا شديد الاعتدال، ولم ينس الناس بعدُ كيف عاد المحافظون إلى سياستهم التقليدية في الخارج؛ فأيدوا أحزاب اليمين وناهضوا أحزاب اليسار، ولم يتحرجوا من أن يعمدوا إلى القوة أحيانًا في هذا التأييد، وظهر الخلاف بينهم وبين الروسيين في شئون بولندا والبلقان وفي شئون إسبانيا، كما اشتد تأثيرهم في سياسة إيطاليا وبلجيكا حتى قال بعض العمال للمستر تشرشل ذات يوم: إنه يسرف في تأييد الملوك وتملُّقهم.

ونتج عن هذا الرجوع إلى السياسة التقليدية للمحافظين أن خابت الآمال في السياسة البريطانية داخل بريطانيا العظمى وخارجها، فأمَّا الشعب البريطاني فقد أحس شيئًا يشبه أن يكون خداعًا، وكره أن يذعن لهذا الخداع، وهو قد ذاق أثناء الحرب ألوانًا من الجهد والضيق، وذاق في الوقت نفسه ألوانًا من العدل الاجتماعي الذي اقتضته الظروف، وذاق بنوع خاص حلاوة تلك الوعود؛ فصمَّم على ألَّا يُخدع، وصمَّم على ألَّا يفلت منه ما ظفر به، وصمَّم على ألَّا تكذبه الوعود.

وأمَّا العالم الخارجي، فقد أصبح ذات يوم وإذا السياسة البريطانية تؤيد الديمقراطيات المعتدلة أحيانًا، والديمقراطيات المزيفة أحيانًا أخرى، وربما أيدت الأقليات في غير تردد؛ فضاق بهذا الانحراف عن الوعود قبل أن يبعد بها العهد، وعن المواثيق قبل أن يجف الحبر الذي كُتِبت به.

وتعرضت سمعة السياسة البريطانية لكثيرٍ جدًّا من الشك وسوء الظن. والواقع أن المستر تشرشل قد أسرف في سياسة انتهاز الفرص، ولم يحسن تدبير حرصه على تثبيت قوة الإمبراطورية وبسط نفوذها، وإنما اندفع في ذلك اندفاع المنتصر الذي لا يحفل بشيء، ولا يلوي على شيء؛ لأنه واثق بالقدرة على كل شيء.

من أجل هذا كله كان مركز المستر تشرشل منذ أواخر الصيف الماضي ظاهر القوة، خفي الضعف، وأخذ خصومه في بريطانيا العظمى يجمجمون فيما بينهم وبين أنفسهم أولًا، ثم في مجلس العموم ثانيًا، ثم يصرحون بالمعارضة القوية آخر الأمر، ثم انتهى الأمر بالعمَّال إلى مقاطعته؛ فتصدع الائتلاف، واضطر مستر تشرشل إلى استفتاء الشعب.

وكان العمال يودون لو مدت لهم الأسباب وجرت الحرب الانتخابية هادئة وادعة في وقت طويل، وقد توسلوا في ذلك إلى المستر تشرشل، ولكنه خدع عن أمره وتعجل الفوز الذي كان واثقًا به، وتعلل بأن الحكومة البريطانية يجب أن تكون مستقرة قوية لا يشك العالم الخارجي في قوتها. وقبِل العمَّال كارهين هذا التحدي الذي وصفوه بأنه بغيض، وأُتيح لهم الفوز، وأشرفوا على السياسة البريطانية تؤيدهم كثرة لم يظفروا بمثلها من قبل.

ومهما يكن اختلاف الآراء في نتائج هذه الانتخابات، فإن هناك حقائق ثلاثًا هي التي لا تتعرض للشك؛ الأولى: أن الشعب البريطاني قد أثبت أنه يفهم الديمقراطية فهمًا دقيقًا، ويحرص على أن يستمتع بها استمتاعًا كاملًا، ويريد أن يدبر الشعب أمر نفسه بنفسه لنفسه مهما تكن الظروف، الثانية: أن هذه النتيجة قد أزالت التناقض الذي تورط فيه المنتصرون برجوع المحافظين إلى سياستهم التقليدية؛ فقد ثارت الحرب العالمية الثانية لتأييد الديمقراطية بأوسع معانيها، فكان من الطبيعي أن تخطو الديمقراطية البريطانية إلى أمام لا إلى وراء، وأن يشعر العالم الخارجي بشيءٍ من الحرية يمكِّن الشعوب لا أقول في تقرير مصيرها، بل من الأمل في تقرير مصيرها، وانتصار العمال يحقق هذين الغرضين، فيقدم الديمقراطية البريطانية نحو الاشتراكية، ويرد إلى الشعوب الضعيفة والمحررة شيئًا من الأمل.

وقد ظهرت النتائج السريعة لهذه الخطوة، فضعف أمل ملك بلجيكا في العودة إلى وطنه، وضعف مركز الملكيين في اليونان وفي إيطاليا، واستطاع بعض أعضاء الجمعية الاستشارية في فرنسا أن يصيحوا في وجه الجنرال دي جول بسقوط الدكتاتورية، مع أن الجنرال ليس من الدكتاتورية في شيء.

وكذلك بدأت الشعوب في أوروبا تتنفس؛ لأنها استيقنت أن وزارة العمال لن تؤيد أحزاب اليمين، ولن تناصر حكومات الأقليات.

الحقيقة الثالثة هي: أن الشعوب التي تنتظر حريتها واستقلالها واستمتاعها بالعدل الاجتماعي من انهزام المحافظين، وانتصار العمَّال في بريطانيا العظمى ليست خليقة بالحرية، ولا بالاستقلال، ولا بالعدل الاجتماعي.

فهذه كلها أمور لا تُعطى، وإنما تؤخذ، ولا تأتي من الخارج، وإنما تصدر عن قلوب المواطنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.