يعيش الإنسان من أهل هذا الجيل في عالم مضطرب التفكير، مضطرب الأعصاب، مضطرب العقيدة، لا قرار له إلى رأي في الحياة، وما يجب أن تكون عليه، واسع الخيال مع ذلك فيما يستطيع أن يجنيه من هذه الحياة طولًا وعرضًا.

كنا ولا نزال نؤمن بما آمن به آباؤنا من أن لكل أجل كتابًا، وأن الموت غاية كل حي. وكنا ولا نزال ننتظر هذه الغاية، ولا ندري متى تكون، فمن الناس من يُتَوَفَّى، ومنهم من يُرَدُّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا حتى تدركه منيته. أما أبناء اليوم فيقول علماؤهم: إن الشيخوخة تفاعل كيمائي يمكن التغلب عليه، ويمكن لذلك إطالة الحياة إلى غير نهاية. ولست أدري أيتمنى الناس أن يجيء ذلك اليوم الذي لا يموتون فيه — إن أمكن أن يجيء — أم يقولون كما كان الشاعر القديم يقول:

ولقد سئمت من الحياة وطولها

وسؤال هذا الناس كيف لبيد

أنا أُحس أن أبناء جيلنا لا يرضون بهذه الحياة التي لا تنتهي، وأنهم مطمئنون إلى أن ذلك لن يكون. فإذا أمكن المستحيل وكان، فلن يكون قبل أن نستوفي أجلنا ويختارنا الله إلى جواره. وأنا أشفق أن يصح ما يقال عن حياة لا تنتهي. نعم، أشفق على هؤلاء الذين يطول بهم العمر ثم لا يكون عندهم الأمل المحسن في لقاء الله.

وكنا نقرأ لبعض الشعراء أيام شبابنا أن أسعد الناس من وُلد وعاش ومات تحت سقف واحد. وها أولاء نرى هذه السعادة تفر من أيدي الناس، ويبلغ من فرارها أن تتألف هيئة في أمريكا تريد أن تبيع للناس أرضًا في القمر، وكأنَّا لم يكفِنا أن صرنا ننتقل في أقل من أربع وعشرين ساعة من مصر إلى نيويورك أو من إنجلترا إلى الهند. ومن يدري! فلعل هذه السياحة إلى القمر تكون مقدمة لسياحات أوسع مدًى إلى كواكب أعظم وأعجب.

وكنا وما نزال على رأي آبائنا في أن الانتحار جريمة خلقية، وأن الإجهاض جريمة يعاقب عليها القانون. وها نحن نقرأ أن حكومة السوفييت في روسيا أصدرت قانونًا يبيح الإجهاض على أن يتم ذلك في عيادات طبية رسمية. وأغلب ظني أن التفكير في إباحة الإجهاض نتيجة من نتائج التفكير في تحديد النسل. هذا وقد كان تحديد النسل معتبرًا فيما مضى معارضة لمشيئة الله، ثم أصبحوا يقولون اليوم: إنه ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصادية لرفع مستوى المعيشة.

ألا يدل هذا كله على أننا نعيش في عالم مضطرب التفكير، مضطرب الأعصاب، مزعزع العقيدة باسم الإيمان بالعلم الذي استطاع أن يفتت الذرة بعد أن كنا نؤمن بأنها أصغر ما في الحياة، وأن تفتيتها مستحيل.

يرحم الله أينشتاين يوم سُئل في شيخوخته عن الطريق الذي يسلكه في الحياة لو أنه رُدَّ شابًّا فقال: لو أن ذلك كان لآثرت أن أكون إسكافيًّا على أن أكون عالمًا رياضيًّا.

ويرحم الله الإنسانية من هذا الاضطراب الذي تعانيه، ولا قدر لها أن تعيش حياة لا تنتهي، حياة يُحرَم الناس فيها حتى من الأمل المحسن في لقاء الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.