لست أدري مِمَّ يغضب المصريون ويُسرفون في الغضب؟! لأنَّ مُوظفًا واحدًا أو موظفين اثنين، أو موظفين كثيرين آثروا أنفسهم بالمنفعة واختصوها بالمزايا في ظِلِّ هذا العهد النقي السعيد، بل لست أدري مِمَّ يغضب المصريون حين يقرءون في الصحف أو يسمعون من الوزراء والنواب أنَّ أرض الدولة كانت نهبًا مُقسمًا لجماعة من رجال الدولة، يزدحمون عليها ويختصمون فيها، ويأخذ كل منهم لنفسه أو لأهله منها ما يستطيع أن يبسط يده عليه؟!

فهذا كله شيءٌ طَبِيعِيٌّ مَأْلُوف لا جُنَاحَ فيه، ولا حَرَجَ على مُقْتَرِفيهِ؛ لِأَنَّه يتصل بلون من ألوانِ الحياة التي عرفها الناسُ وكلفوا بها، وعاشوا عليها قرونًا وقرونًا، وكانوا يَرَوْنَهَا مُلَائِمَةً أَشَدَّ المُلاءمة، مُوافِقَةً أَصْدَقَ المُوافَقَة لأُصُولِ ما كان يُسمَّى في ذلك الوقت حقًّا وعدلًا وعرفًا؛ وهو عهد الإقطاع.

فمن المؤكد — فيما يقول العلماء على الأقل — أن الحق والعدل والإنصاف والمساواة أمور إضافية تتغير بتغير الظروف والعصور والأشخاص، وليست أمورًا مُطلقة مُسْتَعْصِية على التَّغيير والتَّبديل.

وَمَا دَامَ الإقطاع كان أَمْرًا سَائِغًا يُقِرُّه الحَقُّ والْعَدْلُ في بعض الظروف وفي بعض العصور، فمن يَدْرِي لَعَلَّ العصر الذي نعيش فيه، والظروف التي تُحِيطُ بنا والأشخاص الذين قد مَنَّ الله بهم علينا لتصريف أمورنا، لعل هذا كله يقتضي أن يكون نظام الإقطاع هو النظام الذي يُلائم حاجاتنا وطاقاتنا واستعدادنا للحياة السياسية في هذه الأيام.

ومن يدري؟! لعل «المورننج بوست» وغَيْرَها من الصُّحف الاستعمارية أنْ تكون صادقة، فيما تردد بين حين وحين من أنَّ النظم الديمقراطية الحديثة لم تُخلَق لمصر وإنما خُلِقَتْ للغرب، وللغرب وحده! ومن يدري؟! لعلنا نحن جميعًا أن نكون مُخطئين فيما نزعم لأَنْفُسِنَا مِنَ الحَقِّ في أَنْ نَعِيشَ أَحْرَارًا، كَمَا يَعِيشُ الغَرْبِيُّون في هذا العصر الحديث!

كل هذا ممكن ما دُمْنَا نرى ونسمع ما نرى ونسمع في هذه الأيام، فلو كنا خليقين بالحياة الحُرَّة الديمقراطية حقًّا كما نزعم؛ لما حدثت بيننا هذه الحوادث التي نجد في ترديدها ما نجد من الألم، ولكننا ندفع دائمًا إلى ترديدها كأنما نجد فيه لذة، وكأنَّما نجد به اغتباطًا؛ فإنَّ الأحرار لا يستطيعون أن يحتملوا ما نحتمل نحنُ من هذا الفساد، ولا يَسْتَطِيعون أنْ يتنفسوا ما نتنفس نحن من هذا الهواء الموبوء، ولا يستطيعون أن يعيشوا كما نعيش نحن مضطربين في أمورنا العادية مُعالجين لأحداث الحياة كأنما يجري كل شيء عندنا على ما يلائم الحق والعدل والكرامة والمساواة.

تقص علينا حكاية هذا الموظف الذي عبث بأموال الدولة مرات ودار واحتال وسلك طرقًا مُختلفة من الغش والاحتيال حتى أخذ من أرض الدولة ما كان يُريد أن يأخذ مُستهزئًا بالقانون، مُستهزئًا بالنظام مُستهزئًا بالناس جميعًا مُستعينًا على ذلك كله بنُظَرَائِهِ ومرءوسيه، يُحابي أولئك ويُخوِّف هؤلاء، فننكر في أول الأمر، ثم يستحيل إنكارنا إلى عجب، ثم يستحيل عجبنا إلى لذة وإغراق في الحديث، وإلى تندر بالموظفين، وتفكه إلى ما يأتيه بعضهم من المُخزيات، ثم ننفق في ذلك الساعات والساعات، ثم نفترق فإذا التقينا استأنفنا الحديث كأننا لم نشبع منه ولم نزهد فيه.

وتقص علينا حكاية هذا الموظف الآخر الذي استعان بسلطان الدولة على أن يجلي ستًّا وتسعين أسرة يبلغ أعضاؤها المئات عن أرض أقاموا فيها واستغلوها واستثمروها وأكرهوها على أن تنبت لهم من ألوان الزرع والنخيل ما عاشوا عليه عشرات من السنين، فلما جاء هذا الموظف رغبت نفسه في هذه الأرض لا ليستغلها هو بل ليبيعها لمن يستغلها؛ فأقدم على ذلك لا مُترددًا ولا مُستخذيًا، ولا حاسبًا حسابًا لضميره ولا لضمير الناس ولا لسُلْطَان الدَّولة، نستغفر الله بل هو استعان بسلطان الدولة على تحقيق ما كان يريد. وأخذتْ هذه الأُسر تشكو وتضج بالشكوى، وتستغيث وتلح في الاستغاثة، فلا يحفل بها أحد ولا يسمع لها أحد، فإذا هَمَّ وزيرٌ أنْ يلتفت إليها أو يأخذها بِشَيءٍ مِنَ الإِنْصَافِ والرَّحْمَةِ، أَقْبَلَ رَئيسُ الوزراء فرَدَّها إلى العذاب وأخذها بالنقمة، وقبل أن يُسخِّر جند الدولة لإجلاء هؤلاء البائسين عن أرضهم إلى حيث يعيشون عيشة الشقاء والإعدام، ويزيدون جيش المعوزين والبائسين، ثم تُسلَّم هذه الأرض لهذا الموظف، فلا تبقى في يده يومًا وبعض يوم حتى تُسلَّم إلى رجل آخر كان قد أرصد لشرائها أرصادًا، وحتى يأخذ هذا الموظف آلاف الجنيهات فيشتري بها الأرض التي كان يُحب أن يشتريها ويحرص على أن تخلص له.

تقص علينا هذه الحكاية، فندهش وننكر ونمضي في الدهش والإنكار، ثم يستحيل هذا كله إلى سمر وفكاهة، نستعين بهما على إنفاق الوقت ونتلهى بهما عن أثقال الحياة، ثم نأوي إلى مضاجعنا راضين مطمئنين، ثم ننام ملء جفوننا، ثم نستيقظ وقد مَلَأَنَا النَّشاط للخوض في مثل هذا الحديث، ثم يُقَالُ لنا إِنَّ هناك موظفين آخرين قد فعلوا مثل ما فعل هذان الموظفان، فنطالب بأن نعرف هؤلاء الموظفين، ونتبين أخبارهم وأسرارهم ليُضاف حديث إلى حديث، وسمر إلى سمر، ومتاع إلى متاع.

وكذلك أصبحتْ أَحَادِيثُ العبث والفساد لهوًا لنا تُغني الذين يُحبون القراءة منا عن أنْ يَقرءوا، وتُرضي حاجات الذين لا يقرءون، وتجعل مجالسنا ناطقة لاغطة، يكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها النزاع والحوار، وتنتهي دائمًا بالإغراق في الضحك، والاعتماد على الله.

وأغرب من هذا أن يخطر للوزراء أن يعالجوا هذا الفساد فيدرسوا ويحققوا، فإذا أرادوا العقاب بعد أن يتبين لهم وجه الحق بحثوا عنه وأطالوا البَحْثَ ثم انتهوا إلى المُكافأة والمثوبة والتشجيع، فاكتفوا بإحالة المُفسدين على المعاش ولم يُفَكِّروا لا في التَّأديب، ولا في النِّيابة، ولا في مَحَاكِم الجِنَايَاتِ.

وأَظْرَفُ من هذا وذاك أنَّ النواب يخطر لهم أن يسألوا عن هذا الفساد، ثم أن يستجوبوا فيه، فيقول النواب كلامًا كثيرًا، ويقول الوزراء كلامًا كثيرًا، وتختلط الأمور اختلاطًا كثيرًا، ثم يتفرق النواب والوزراء وكأنهم لم يقولوا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، وكأنهم تحدثوا في نادٍ من الأندية فقص بعضهم على بعض قصصًا، وحكى بعضهم لبعض حكايات، حتى إذا انتهى المجلس تفرقوا راضين مطمئنين؛ فآووا إلى المضاجع وناموا ملء الجفون.

وأظرف من هذا كله ألف مرة ومرة أنْ يَنْهَضَ في مجلس النواب رجلٌ كصدقي باشا له حظه من الجرأة، وله حظه من القوة، وله حظه من احتمال ما لا يُحتمَل وقول ما لا يُقَال، والصبر على ما لا يُصبَر عليه، فيلُوم الوزراء ويلوم النواب لأَنَّهُم يخوضون في هذه الأحاديث ويظهرون هذه المخزيات، ويمكنون رئيس الوفد من أنْ يُعْلِنَ في حزم وعزم واعتماد على الحق أن هذا العهد عهد مُخزيات وسيئات، بعد أنْ كان صدقي باشا وأصحابه يصفون عهد الوَفْد بِأَنَّهُ عهد الفوضى والاضطراب، ويزعمون أَنَّهُم أقبلوا فأنقذوا مصر من الفوضى والاضطراب.

ثم يمكنون «المورننج بوست» من أن تُغير رأيها في هذا العهد السعيد فتذكر انتشار الفساد فيه، بعد أن كانت منذ أشهر تحمده وتثني عليه.

وصدقي باشا يلوم الوزراء والنواب على هذا ويُذكِّرهم بأنهم هم رجال هذا العهد، ظهروا بفضله وترعرعوا فيه، فما كان ينبغي لهم أنْ يظهروا سيئاته أو أن يعينوا خصومه عليه.

إلى هذا الحد انتهينا وإلى هذه الغاية بلغنا؟! قوم يلون بالمُخزيات، وقوم يُنكرون إظهار المُخزيات، ويودون لو ظلَّتْ مستورة سواء أكانت صحيحة أم غير صحيحة.

نستغفرُ الله! بل نحن عَدَوْنا هذا الحدَّ وتجاوزنا هذه الغاية، ووصلنا إلى حدود وغايات ما كنا نَحْلُم بأنْ نبلغها أو ننتهي إليها. فصدقي باشا يشكو خصومه إلى النيابة، وصدقي باشا يظهر نفسه في مظهر المظلوم الذي يحتاج إلى أن يحميه السلطان من المعتدين، وصدقي باشا يواجه مجلس النواب ورئيس الوزراء، وزملاءه السابقين بالدفاع والتصريح الجريء عن سيرته واللوم الصريح الجريء لخصومه، وصدقي باشا يجد بين النواب من يطلب إلى المجلس أنْ يُعلن أنَّ سِيرَته لا مَطْعَن فيها ولا غبار عليها، بل صدقي باشا يجد بين النواب من يطلب إلى الوزارة أن تَقِفَ التحقيق في فضائح الاستبدالات؛ لأنَّ المُضي في هذا التحقيق يسيء إلى سمعة مصر، ويغري بها خصومها، ويغري بهذا العهد السعيد النقي رئيس الوفد وأنصاره المعارضين.

أرأيت أني لم أخطئ حين قلت إن من الممكن جدًّا أن لا نكون خليقين بما يستمتع به الأحرار في الغرب من الحياة الحرة الديمقراطية وأن يكون نظام الإقطاع هو أشد النظم ملاءمة لما نستحق من الحياة؟! فالذين يصلون إلى المناصب الكبرى ليسوا خُدَّامًا للشعب، كما ينبغي أن يكونوا وإنما هم سادة ومتسلطون كما كانت الحال منذ قرون، والذين يصلون إلى المناصب الكُبْرَى لَيْسُوا أُمَنَاء على مصالح الشَّعب، يُحاسَبون حسابًا دقيقًا على ما يفعلون، ويُعاقَبون عقابًا صارمًا على ما يقترفون، وإنما هم موالٍ للشعب يسومونه الخسف ويُذيقونه العذاب، ينتزعون طعامه لا من يده بل من فمه، ثم لا ينبغي أن يُلاموا، ثم لا ينبغي أن يُسأَلوا، ثم لا ينبغي أن تُذكَر آثامهم؛ لأنَّ ذلك يُسيء إلى سُمْعَةِ مِصْرَ ويُغْرِي بها خصومها، ولأَنَّ ذلك يُسِيءُ إلى هذا العهد السعيد ويُغري به رئيس الوفد وأنصاره المعارضين.

كلا كلا، ليس الذين يَصِلون إلى المناصب الكبرى خدامًا للشعب ولا أمناء على مصالحه وإنما هم سادته ومواليه، يحتكمون فيه وفي أرضه وماله ومنافعه كلها، يصرفونها كما يحبون ويدبرونها كما يشتهون، فمن حاسبهم على ذلك أو ناقشهم فيه سواء أكانوا مُسَيْطِرينَ على الأَمْرِ بالفِعْلِ أو بعيدين عن السيطرة فهو الذي يتعرض للسؤال والتحقيق، وهو الذي يتعرض للعقاب والبطش، وهو الذي تُؤخَذ عليه سُبُل القول، وتُقطَع عليه طرق النشاط، ويُكرَه على أن يعيش عيشة الأذلاء المستضعفين؛ لأنه خرج على سادته، وفكَّر في حساب مواليه.

ونحن مع ذلك نعيش في القرن العشرين، ونحنُ مع ذلك نعيش على أرض لم تَبْقَ جزءًا من أفريقيا، وإنما أصبحت جزءًا من أوروبا، ونحنُ مع ذلك نعيش في ظل الدستور والقانون، ونحن مع ذلك نستمتع بالحرية والعدل والمساواة، ونحن مع ذلك مُسْتَقِلُّون، فإن أنكرنا شيئًا من ذلك؛ فمن يدري ماذا يلم بنا من المكروه، وماذا ينتظرنا من النوائب والأحداث؟!

أعترف بأنَّ في حياتنا شيئًا غامضًا لا أستطيع أن أفهمه، وهو احتمالنا لهذا النفاق السياسي، وإعراضنا عن الصراحة، وصدنا عن الاعتراف بالحق الذي لا مراء فيه؛ وهو أنَّ بلدنا غريب في هذا القرن، قد تأخر عن العهد الذي ينبغي أن يعيش فيه، يعيش في القرن العشرين بعادات وأخلاق وسِيَر لا تليق إلا بالقرن الثاني عشر أو الثالث عشر!

متى يبرئنا الله من هذا النفاق؟! متى يفتح الله قلوبنا للصراحة؟! متى نعترف بأننا غُرَبَاء في هذا العصر الذي نعيش فيه؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.