صنع الله للشعب المصري، فقد أخذته الكوارث من كل وجه، وجاءته النوائب من كل صوب؛ حتى أصبح لا يدري كيف يتَّقيها ولا كيف يثبُت لها ولا كيف يخلص منها. كان إلى أمس القريب شقيًّا بهذه الآفات التي تصيب الشعوب حين لا تأخذ بحظها الموفور من الحضارة، فيفتك بها البؤس على اختلاف مظاهره البشعة من فقر وجهل ومرض. وكان من أجل ذلك يشقى في سياسته وحريته واقتصاده أبشع الشقاء وأشنعه. وكانت الأمم المتحضرة تتخذه مثلًا يُضرب لسوء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي جميعًا. ولكن الأيام لم تَقنَع بما صُبَّ عليه من هذا البلاء العظيم المتصل، فصَبَّت عليه في هذه الأشهر الأخيرة ألوانًا أخرى من الشرِّ، وامتحنته ضروبًا أخرى من الامتحان. خذلان في السياسة، وإخفاق في الاقتصاد يوشِك أن يَبلُغ الإفلاس، وفتنة في الحرية توشِك أن تبلغ الاستعباد. ثم لم تكتفِ الأيام بهذا كله فسلطت عليه الوباء، يشيع في مدنه وقراه، ويلتهم أبناءه التهامًا، لا بالعشرات بل بالمئات في كل يوم وبالألوف في كل أسبوع؛ حتى أصبحت حياته كلها معرَّضة للخطر المنكر الذي لا يشبهه خطر، والذي لا يَعرِف الآن كيف يدفعه أو يرفعه أو يجِد لنفسه منه مخرجًا.

ثم لا تكتفي الأيام بهذا كله، وإنما تَصُب عليه نكرًا آخر لعله أن يكون أشد من آلامه جميعًا إيذاءً للنفوس وتمزيقًا للقلوب وتفطيرًا للأكباد. فالشعب فيما يظهر هو المسئول عن كل هذه الآلام التي تُصَبُّ عليه، وعن كل هذه الآثام التي تُساق إليه، وعن كل هذه المنكرات التي تُفسِد عليه حياته إفسادًا، وتجعله بين الشعوب الحية مضرِب المثل فيما يجب أن يتقي من الشر ويتجنب من العدوى. فلبنان يقطع المواصلات بينه وبين الشعب المصري مخافةَ أن تصيبه العدوى ويلم به الوباء. والعراق يصنع صنيع لبنان أو ما يشبه هذا الصنيع. واليونان تصنع صنيع العراق ولبنان أو ما يشبه صنيعهما. والدول الكبرى تضيق ما بينها وبين مصر من أسباب الاتصال، وتحتاط في إرسال أبنائها إلى مصر، وفي تلقي أبناء مصر في بلادها مخافة أن يصيبها الوباء.

وما من شك في أن هذه الدول كلها معذورة في كل ما تفعل. فحياة الناس أقوم من أن يضحَّى بها في سبيل المجاملات الدولية. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعب المصري قد أصبح شعبًا أجرب، لا ينبغي أن تتصل الأسباب بينه وبين الشعوب الأخرى؛ مخافة أن ينتقل إليها الجرب أو تنتقل إليها الكوليرا التي هي شرٌّ من الجرب وأسوأ منه عاقبةً وأبغض منه أثرًا.

وقد أصبحت مصر الجميلة التي كانت تروق الشعوب وتشوقها سجنًا يُحصر فيه أبناؤها جميعها، فلا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن، ولا يطرأ عليهم أحدٌ إلا بإذن. ثم قُسِّم هذا السجن الكبير إلى سجون صغار، لا يجوز لأهلها أن يتواصَلُوا أو أن يلتقوا إلا بعد كثير من التحرُّج والتشدُّد، وفي كثير من الإشفاق والخوف. والظاهر أن الشعب المصري هو المسئول عن هذا كله. فلولا جهله وإمعانُه في الجهل لما ألمَّت به المحن ولا نزلت بساحته الخطوب. هؤلاء الذين يَفِرُّونَ بمرضهم من الطبيب، ويفلتون من الحصار المضروب حول مدنهم وقُرَاهُم، وينقلون الوباء إلى غيرهم من المواطنين؛ مسئولون بالطبع عن هذا الفرار وعن آثاره المنكَرة، فلو لم يكونوا جُهَّالًا مُمْعِنِين في الجهل لما فرُّوا من الطب ولما أشاعوا الوباء في الأصحاء.

وأنت تستطيع أن تقرأ أحاديث الوزراء والمشرفين على شئون الصحة، فسترى أن نصيب الشعب من التبِعة أعظم جدًّا من نصيب الحكومة ومن نصيب الأطباء، حتى حين يُقصِّر رجال الشرطة أو الجيش في أداء واجبهم؛ ففي هذه الظروف لا يقع اللوم على الحكومة ولا على قادة الشرطة والجيش، وإنما يقع على هذا الشعب الجاهل الذي أفسد الجهلُ خُلُقَه وضميره، وألغى من نفسه كل شعور بالواجب وكل تقدير للتبِعة، وحبب إليه أن يُحصِّل المال من أي طريق، وألَّا يتردد في تمكين الهاربين من الهرب ما دام ذلك يغل عليه كثيرًا أو قليلًا من المال.

فالشعب هو المسئول أولًا، والشعب هو المسئول آخرًا، والشعب هو الآثم قبل كل شيء وبعد كل شيء. وهذا العذاب الذي يصب على الشعب إنما يصب عليه جزاء لما اقترف من سيئات وما قارف من آثام. لقد أحب الجهل فليذُقْ عاقبة الجهل. ولقد آثر الفقر فليستمتع بمغبة الفقر. ولقد رضِيَ المرض فلينعم بفنون المرض التي تفتنَّ في إرساله إلى الموت، تبطئ بذلك حينًا وتسرع به أحيانًا. والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم. فليس على هذا الشعب المصري إلا أن يَظَلَّ في شقائه وبلائه ووبائه، أو يغير ما هو فيه من جهل وفقر ومرض؛ ليُكشف عنه الضر، ويُذاد عنه الشقاء والبلاء والوباء.

نعم، كذلك يتحدث المثقفون وأشباه المثقفين، وكذلك يتحدث الساسة وأشباه الساسة. وأولئك وهؤلاء يعتقدون أنهم أشقياء بهذا الشعب الجاهل الغافل الفقير المريض. وبأنهم يائسون يبذلون ما يملكون من جهد، ويحتملون أكثر ممَّا يطيقون من المشقة والعناء لحماية هذا الشعب من نفسه، ولكنهم لا يبلغون ما يريدون ولا بعض ما يريدون؛ لأن الله قد امتحنهم بهذه المحنة المنكرة البغيضة، وهي أن يسوسوا شعبًا جاهلًا فقيرًا مريضًا، لا يريد أن يخلص من جهله وفقره ومرضه، كأن بينه وبينه هذه الآفات أسبابًا من المَوَدَّةِ والحب ليس إلى قطعها من سبيل.

فالمثقَّفُون وأشباه المثقفين والساسة وأشباه الساسة والسادة وأشباه السادة؛ جديرون بالرحمة خليقون بالرثاء لأن الله ابتلاهم بهذا الشعب الذي لا سبيل إلى إصلاحه … لا يحب الإصلاح ولا يبتغيه.

نعم، بهذه الأحاديث الآثمة تجري الألسنة، وإلى هذه الأحاديث الآثمة تُصغي الآذان، وفي هذه الأحاديث الآثمة تجد القلوب والضمائر والنفوس كثيرًا من الراحة والرَّوْح والعزاء. والغريب أن شيئًا من الحياء ولو قليلًا لا يصِل إلى نفوس هؤلاء المثقفين وأشباه المثقفين، ولا إلى قلوب الساسة وأشباه الساسة، وإلى ضمائر السادة وأشباه السادة. فالحياء فيما يظهر ليس من الخصال التي تُتاح للممتازين وأشباه الممتازين، وإنما هو من الخصال التي تُتاح للدهماء، وأين الخاصة من الدهماء.

ويُخيَّل إليَّ أن مصر البائسة قد شبعت من البؤس حتى أصابتها التخمة التي ليس وراءها إلا ما نرى من هذا الوباء الذي أخذ يريحها من آلامها وآثامها، ويريح صرعاه من آلام وطنهم وآثامه. ويخيل إليَّ كذلك أن قد آنَ لمصر أن تأخذ أمرهم بالجِدِّ والحزم، وأن تراجع نفسها وضميرها عمَّا قدَّمتْ، وأن تسأل نفسها وضميرها عمَّا أعدت لمستقبل أيامها. أمستعدة هي للانتحار؟ فليس عليها إذن إلا أن تمضي فيما مضت فيه إلى الآن، فقد بلغ الكتاب أجلَه، وأخذ المنتحر يعالج سكرات الموت. فليس تهافُت أبناء مصر في الموت الآن كما تتهافت الفراش في النار إلا أول الانتحار العام. أم حريصة هي على أن تحيا وعلى أن تحيا حياة لها حظٌّ من قوة وصحة وعافية، فسبيلها إلى هذه الحياة هي أن تغيِّر ما في نفسها ليغيِّر الله ما بها.

وقد آنَ للمثقَّفِين وأشباه المثقفين وللساسة وأشباه الساسة وللسادة وأشباه السادة أن يجِدُّوا منذ الآن؛ فإن الهزل قد أشرف بهم وبوطنهم على الموت والفَنَاء. ولست أستعمل هاتين الكلمتين استعمالًا مجازيًّا كما كُنَّا كلنا نصنع إلى وقت قريب، وإنما أدلُّ بهما على معناهما الحقيقي الذي نشهده في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. فالمصريون يموتون مئات في اليوم وألوفًا في الأسبوع وعشرات من الألوف في الشهر، ولم يستطِع المثقَّفُون والساسة والسادة أن يقِفوا الوباء إلى الآن.

فليسأل المثقفون والساسة والسادة أنفسَهم عن جهل الشعب وفقره ومرضه؛ فالشعب لم يلتمِسْ لنفسه الفقر والجهل والمرض، وإنما تركه سادته وقادته وساسته يتورط في هذه الآفات. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أنهم قد نعِموا بالكلام الفارغ أعوامًا وأعوامًا، وأن لهم أن يعملوا ولا يتكلموا. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أن الاستقلال والدستور والحكم كلها وسائل لا غايات، وهي وسائل إلى تمكين الشعب من أن يحيا حياةً سعيدة فيها شيء من النعمة والعزة والرخاء. ولتعلم الأحزاب السياسية كلها أن ظروف الحياة قد تغيَّرت، وأن الواجب يُحَتِّم عليها أن تسلك طريقًا غير الطرق التي سلكتها إلى الآن، وأن تأخذ نفسها قبل كل شيء حين تحكم وحين تعمل، بعيدة عن الحكم بإنقاذ الشعب من الجهل والفقر والمرض. بإنقاذه إنقاذًا محقَّقًا لا بكلام تجري به الألسنة وتنشره الصحف ويُخدع به المغرورون، كل حزب يتولَّى الحكم أو يريد أن يتولى الحكم، ثم لا يجعل من أغراضه الأولى تعميم التعليم في جميع طبقات الشعب بغير أجر قليل أو كثير؛ فهو حزب آثم لا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يطمع فيه ولا أن يُعان عليه. وكل حزب يتولى الحكم أو يريد أن يتولاه يجب أن يجعل من أغراضه الأساسية محاربة البؤس بالعمل لا بالقول ومحاربة المرض بالعمل لا بالقول، فإن لم يفعل فلا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يُعان على الوصول إليه.

إن الصحف الأجنبية تتحدث الآن في جميع أقطار الأرض بأن هذا الوباء سيلفت المصريين إلى الإصلاح الاجتماعي الذي أهملوه، فيجب أن نلقي هذا الدرس على أنفسنا قبل أن تلقيه علينا الأمم الأخرى. فصحة مصر لا تعني وحدها ولكنها تعني العالم كله لمكان مصر بين الشرق والغرب.

فليفكر المثقفون والساسة والقادة والسادة، وليستقبلوا أمرهم في حزم وفي كثير من الإسراع والجد؛ فإنهم إن أبطَئوا أو تهاونوا لم يُتَحْ لهم التفكير، وهم خليقون أن ينظروا ذات يوم، فإذا العالم الخارجي يفرض على مصر سلطانه لينقذها من الوباء مخلِّصًا في ذلك أو متكلِّفًا. أليس العالم الخارجي قد فرض سلطانه على مصر لينقذها فيما زعم من الألمان والإيطاليين … فما يمنعه إن قصَّرنا أن يتدخل لينقذ مصر ولينقذ نفسه من الوباء الذي ليس هو أقل شرًّا ونكرًا من هتلرية الألمان وفاشية الإيطاليين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.