أكانت الأفريكان ورلد على ضآلة قدرها، وصغر شأنها، تحلم بأن تعنى الصحف المصرية بما تكتب مثل هذه العناية التي ظهرت صباح اليوم في السياسة والأهرام …؟

سخر الكوكب أمس مما كتبته الأفريكان ورلد، وتحدث عن رأيها في الوزارة الائتلافية على أنه حلم من أحلام رئيس الوزراء، وأمنية من هذه الأماني التي تعبث برأس الرجل الضعيف، ولا سيما حين يستريح في ظل الأهرام؛ حيث تكثر الصور والأشباح التي تُؤرِّق قومًا، وترسل الأحلام إلى آخرين! ولكن السياسة والأهرام لم تسخرا مما كتبته الأفريكان ورلد!

فأما السياسة فالظاهر أنها حرصت على أن تعيد للناس ما لم يشك أحد فيه من أن الأحرار الدستوريين أكرم على أنفسهم، وأحرص على مبادئهم من أن يشتركوا مع صدقي باشا في احتمال تبعات الحكم مهما تكن الظروف.

وأما الأهرام فيظهر أنها نظرت إلى مقال الأفريكان ورلد نظرة عناية وجدٍّ، تعلم الأهرام حق العلم أن هذه الصحيفة لا تستحقها، ومن يدري لعل الأفريكان ورلد إنما اتخذت وسيلة إلى إعادة الكلام في الائتلاف والوزارة القومية، ولعل الذين ألم بهم في اليقظة أو في النوم طيف هذا الائتلاف مع رئيس الوزراء هم الذين أوحوا إلى الأفريكان ورلد، وهم الذين تقدموا إلى الأهرام في أن تُعلِّق على ما كتبت الأفريكان ورلد، والظاهر أن في الجو المصري الآن روحًا يطوف حول جماعة من الناس هو روح الائتلاف مع رئيس الوزراء …! فقد خابت التجربة، وأخفقت المحاولات، وظهر أن الترقيع جهد ضائع، ولم تبقَ إلا محاولة واحدة، وهي أن يستقيل رئيس الوزراء مرة ثانية، ويجدد تأليف الوزارة، على أن يكون الائتلاف أوسع مما هو الآن! فيشمل قومًا آخرين غير الاتحاديين والشعبيين … كما قالت بعض الصحف الإنجليزية منذ أيام.

ما أقدر رئيس الوزراء رغم مرضه على سعة الآمال وبعد الخيال! كأن رئيس الوزراء يظن أن زملاءه وأعوانه هم مصدر ضعفه وإخفاقه في الحكم، فهو يريد أن يدع الترقيع إلى التجديد! وكأن رئيس الوزراء لم يتبين إلى الآن أن زملاءه وأعوانه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا مصدر ضعفه؛ لأنهم لم يكونوا في يوم من الأيام مصدر قوته! وإنما هو نفسه مصدر الضعف الذي يجده ويريد أن يتخلص منه! ولو اعتدلت آمال رئيس الوزراء، واقتصد خياله بعض الشيء؛ لعرف أن الوسيلة الوحيدة التي تخلصه من هذا الضعف الذي يشكوه إنما هي أن يتعظ بقول الشاعر القديم:

إذا لم تستطع شيئًا فدعه

وجاوزه إلى ما تستطيع

وقد ثبت ألف مرة ومرة أن رئيس الوزراء لا يستطيع الحكم، وإنما يستطيع الراحة، فما له لا يدع ما لا يستطيع إلى ما يستطيع؟ فيستقيل ويفرغ لصحته ويستريح ويريح!

ولكن آمال رئيس الوزراء أوسع من قوته، وخيال رئيس الوزراء أبعد من طاقته، وكثيرًا ما شقي الناس بسعة الآمال وبُعد الخيال!

على أن من الغريب ألا يتعظ الإنجليز وفريق من المصريين بالتجارب، ولا يعتبروا بالحوادث، وأن يمضوا مع الآمال كما يمضي رئيس الوزراء، ويستسلموا للخيال كما يستسلم رئيس الوزراء، ويقدر كل واحد منهم أن المسألة المصرية لم تزل من المسائل التي يمكن أن تلتمس لها الحلول العرجاء، أو تسلك إليها الطرق الملتوية! فقد طالما لجأ الإنجليز ومعهم فريقٌ من المصريين إلى الحلول العرجاء، فلم يظفروا بشيءٍ، وطالما سلك الإنجليز ومعهم فريق من المصريين هذه الطرق الملتوية، فلم ينتهوا إلى شيءٍ!

أستغفر الله، بل انتهوا إلى الفشل والإخفاق، واضطروا إلى أن يستأنفوا السعي وكأنهم لم يسعوا، ويجدوا في التماس الحل وكأنهم لم يلتمسوه من قبل! ومصدر هذا الاضطراب والتورط في هذه المحاولات العقيمة أن الإنجليز وأعوانهم من المصريين لا يريدون أو لا يستطيعون أن يعترفوا بالحقيقة الواقعة، وهي أن الأمة المصرية موجودة حقًّا، شاعرة بوجودها حقًّا، جادة في طلب استقلالها حقًّا، متنبهة لما يراد بها من الكيد حقًّا، فهي لا تؤخذ على غرة، ولا تخدع بالأماني والآمال، وهي لا تؤخذ بقوةٍ ولا بعنفٍ، ولا تقبل إلا ما ترضاه هي لا ما يراد لها.

وإذن فلن يكون لما بينها وبين الإنجليز حل صحيح منتج إلا أن تشترك هي في هذا الحل، وإذن فالدوران حولها لا يفيد، ولا خير في هذه المحاولات التي جربت مرات منذ كانت الحركة الوطنية، فلم تنته إلا إلى ما أرادت الأمة نفسها. نعم، إن مذاق هذه الأمة مُرٌّ على الإنجليز، ولكنهم مضطرون إلى أن يحتملوا هذه المرارة، وإلا فالأمر باقٍ على ما هو عليه، وهم مهما يفعلوا فلن يزيدوا على تأجيل اليوم الذي يذوقون فيه هذه المرارة، ويعترفون بأن أمور مصر يجب أن ترد إلى مصر، وبأن الاتفاق يجب أن يكون مع الأمة المصرية.

نعم، إنَّ من المصريين من يحبون الحكم، ويتعجلون الوصول إليه، ويظنون كما يظن الإنجليز أن خداع هذه الأمة أمرٌ يسير، وأن من الممكن أن تزين لها الألفاظ فتغرها وترضيها بما لا ترضى، ولكن هؤلاء المصريين قد رأوا وزارات قامت على هذا الخداع فلم تصنع شيئًا، وهم يرون الآن وزارة تقوم على تزيين الألفاظ حينًا، وعلى العنف والعسف حينًا آخر، فلا تصنع شيئًا رغم البقاء الطويل والتأييد القوي المتصل …

إن الزمن لا يمضي عبثًا، ولا يذهب سدًى، ولعل خير ما أنتجه مرُّ الغداة وكرُّ العشي في هذه الأيام عندنا هو أنه لم يبق أمل ما لرجل له حظ من العقل والتفكير في أن يأخذ مصر بغير ما تريد. فما أجدر الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين أن يواجهوا هذه الحقيقة الواقعة في شجاعة وحزم وزهدٍ فيما يغرُّ ويخدع من الأماني والأحلام!

يذكرون الائتلاف، فعلام يقوم هذا الائتلاف؟ وبين مَن يكون هذا الائتلاف؟ وأي طريق تسلك إلى تحقيق هذا الائتلاف؟ وعمن تصدر الرغبة في هذا الائتلاف؟ أيقوم الائتلاف على حل الأزمة الاقتصادية! ولكن هناك أزمة سياسية يجب أن تحل، وهي معقدة شديدة التعقيد تتصل بعلاقاتنا مع الإنجليز، وتتصل بالدستور ونظام الحكم. وإذن فهل يقوم هذا الائتلاف على الاقتصاد دون السياسة؟ ولعل الأزمة السياسية عندنا هي أكبر المؤثرات في الأزمة الاقتصادية.

فإن قام الائتلاف على حل الأزمة السياسية، فبأي الأزمتين يراد الابتداء؟ أبالأزمة الخارجية بحيث يحل ما بيننا وبين الإنجليز قبل كل شيءٍ؟ أم بالأزمة الداخلية بحيث يرد إلى البلاد دستورها قبل كل شيءٍ؟ وعلى كلتا الحالين فممَّن يكون الائتلاف؟ أمن الأقليات المختلفة التي تمثلها الأحزاب المتباينة بحيث تحكم القلة، وتقف الكثرة موقف المعارضة كما هي الحال الآن؟ وإذن فأي شيء تغير؟ وماذا يصنع المؤتلفون؟ ومتى كان الحكم للقلة والمعارضة للكثرة؟ أم تأتلف القلة والكثرة فلا يكون هناك حكام ومعارضون؟ وإذن فمن أين تصدر الرغبة في هذا الائتلاف؟ أمن المصريين أنفسهم؟ وإذن فيجب أن تسمع في ذلك كلمة للكثرة قبل أن تسمع أي كلمة أخرى، أم تصدر هذه الرغبة من الإنجليز، فيملي علينا الائتلاف منهم إملاء! وإذن فأين تكون الكرامة القومية؟ ومن ذا الذي زعم أن للأجنبي أن يُكوِّن الوزارات مؤتلفة أو غير مؤتلفة في البلاد المستقلة؟

كل هذه مسائل يجب أن يدرسها الذين يفكرون في الوزارة الائتلافية أو في الوزارة القومية، وهم إن فكروا فيها عرفوا أن هناك شرطًا لا بد منه قبل الكلام في وزارة ائتلافية أو قومية، وهي أن ترد لمصر حريتها، فتستقيل الوزارة القائمة وتعود الحياة النيابية الحرة. يومئذٍ، ويومئذ فحسب، يمكن التفكير الجدي الصادق في الائتلاف. يومئذ تصدر الرغبة في الائتلاف عن الشعب المصري الحر، وتصدر هذه الرغبة في وضح النهار، وتحت أعين الناس جميعًا، لا يوصي به أحد، ولا يمليها أحد، ولا تصدر في ناحية من الأنحاء.

وإلى أن يأتي هذا اليوم الذي تستطيع مصر أن تفكر فيه حرة كريمة مستقلة الرأي، يجب أن تجتمع كلمة المصريين على مقاومة الوزارة القائمة والذين يؤيدونها من الإنجليز.

سيقولون: ولكن الائتلاف هو الوسيلة إلى إسقاط الوزارة والتخلص من ثقلها. فمن الذي يشترط هذا الشرط ويلح فيه، أهم الإنجليز؟ وإذن فلندعهم وما يشاءون حتى يجدوا أنفسهم في المأزق الذي لا مخرج منه إلا بالنزول عند إرادة الأمة.

قد يكون هذا طويلًا، وقد تحتمل فيه الآلام، ولكن الجهاد السياسي ليس عبثًا ولا لعبًا، ومن لم يعرف الصبر، واحتمال الألم، وطول الانتظار خليقٌ أن لا يتورط في سياسة الشعوب.

لست أكره الائتلاف ولا الوزارة القومية، ولعلي أحبهما وأتمناهما، ولكني أحب ائتلافًا يصدر عن إيمان الأمة ورغبتها، أحب ائتلافًا يصعد من الشعب ولا يهبط عليه. وما رأيُ أنصار الائتلاف حلٌّ أرى أنه العدل الذي لا حيف فيه، والقصد الذي لا يتعرض لشكٍّ ولا يحتمل تأويلًا. ما رأيهم في أن تستقيل الوزارة القائمة قبل كل شيء، وفي أن يُمهَّد لانتخاب حر بعد ذلك، وفي أن يكون الائتلاف والوزارة القومية موضوع الانتخاب؟

ويتقدم أنصار الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا، ويتقدم خصوم الائتلاف والوزارة القومية إلى المصريين برأيهم هذا، فأي الفريقين انتصر في الانتخاب الحر الشريف؛ فإليه أمور مصر كلها في حدود الدستور يقضي فيها دون أن يتعرض لريبة أو شكٍّ أو اتِّهامٍ.

أظن أن عرض المسألة على هذا النحو خليق أن يزيل الخلاف حول الائتلاف، وأن يجمع كلمة الذين يحرصون على أن يكون حل المسألة المصرية معتمدًا قبل كل شيءٍ، وبعد كل شيءٍ، وفوق كل شيءٍ، على إرادة الأمة خالصة من كل شائبة، بريئة من كل شبهة، آمنة من كل تأثير.

فليتعاون خصوم الوزارة بالصبر والصدق في الجهاد والمقاومة حتى يكشف الله ضرها عن مصر، ثم ليحتكموا بعد ذلك إلى الأمة في الوزارة التي تحل مشكلاتها الكبرى؛ أهي الوزارة الحزبية أم الوزارة القومية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.