من بين المنتجات التي اشتملت عليها مجاميع الشعر الإنجليزي الحديث التي أشرنا إليها في الأسبوع الماضي قصائد تنفرد وحدها بلون خاص، يتَّسِم به ناظمها ولا يشركه فيه شاعر آخر، وأظهر هذه القصائد ما كان من نظم «دافيد هربرت لورنس» الشاعر القاصِّ المصور المؤرخ الناقد المجترئ على العرف الإنجليزي بما لم يجترئ بمثله أديب في زمانه.

هذه القصائد لا تناقض النزعة الشائعة في الجيل الحديث، ولكنها تتميز وحدها بوسم وعلامة يبرز فيهما الطابع الشخصي فوق بروز الطابع العصري والروح العامة المشتركة بين عناصر الأدب كله؛ فهي كالجدول المنفصل من النهر الكبير، مذاقه كمذاقه وماؤه من مائه وينبوعه من ينبوعه، ولكنه يتعرَّج في أرض غير الأرض، وبين نبات غير النبات، وعلى هندسة غير هندسة الجداول الأخرى في العلوِّ والهبوط.

وهكذا كان «لورنس» فيما نظم وقصَّ ورسم، نمطًا لا يشتبِه بالأنماط، ونحوًا لا يختلط بالأنحاء، وإن كان له نصيب وافٍ من عصره، وكان لعصره منه نصيب وافٍ.

بين المعالم البارزة في كتابة هذا الأديب وَلَعُه بالحيوان في شعره ورواياته؛ فبطل إحدى هذه الروايات حصان، وصاحب الوحي الملهم في رواية أخرى ديك، ومن قصائده قصيدة عن وطواط، وثانيةٌ عن الطائر الطنَّان، وثالثة عن الكنغر، ورابعة عن الحية، وهذا غير ما يتخلل به الكتب والفصول من تمثيل دائم بالأحياء ورمز دائم إلى المعاني النفسية بصور من عالم الحيوان.

ويطول بنا الاستقصاء لو ترجمنا كل ما يدخل في هذا المطلب، فحسبنا قصيدة واحدة تدل على سائر هذه القصائد، وهي قصيدة الحية في بعض أنحاء صقلية، وهذه ترجمتها.

***

أقبلت الحية على حوض الماء

في يوم قائظ، جد قائظ، لم أحمل فيه على جسدي غير مباذل النوم

أقبلت للشرب

وانحدرت أنا على الدرج في ظل شجرة الخرنوب الحالك، ورياه العجيب، ومعي الجرة أملؤها

ولا مناص من الانتظار. نعم لا مناصَ من الوقوف والانتظار هناك؛ لأنها سبقتني إلى المورد، وتلك شريعة الورود

لقد هبطَتْ من شق مظلم في سفح الهضبة تجرجر ذلك البطء الشاحب، على بطنها الناعم، إلى حافة الصخرة التي تنفرج عن حوض الماء

ثم أراحت حلقها على قرار تلك الصخرة حيث يتقاطر الماء من الصنبور في صفاء ضيق النطاق، وأخذت تترشف الماء بفمها المستقيم، وأخذ ما ترشفه يسري الهوينا من حلقومها إلى جسدها البطيء المديد في سكوت!

سبقني سابق إلى حوض مائي فوجب عليَّ — وأنا التالي — أن ألبث في الانتظار

ثم رفعت رأسها كما تفعل الماشية على مشرب الماء

ونظرت إليَّ في شيء من الغموض، كما تنظر الماشية كذاك! … وأخرجت لسانها المشقوق من شفتيها، وتأمَّلت هنيهة ثم أطرقت وترشفت كرَّة أخرى

يا لها من سليلة تراب تلمع كما تلمع أحشاء الأرض المحترقة

وفوقها دخان البركان في رَمْضاء صقلية نافث في الهواء

صاح بي صوت «التعليم» القديم: اقتلها!

إن الأفاعي السود في صقلية لسليمة، أما هذه الأفعى المذهبة ففيها السم المميت

وصاحت بي أصداء شتى: إن كنت رجلًا فدونك عصاك فاهشمها بها واقضِ عليها

إلا أنني أبوح ولا أكتم أنني استظرفتها!

وإنني حمدت لها أنها استضافتني وشربت من حوضي

ووددت أن تفارقني مريحة مستريحة غير شاكرة!

راجعة إلى أحشاء التراب

أكان جبنًا ذاك الذي لوى يدي عن قتلها؟

أكان نكولًا إلى الماضي الدابر أنني اشتقت أن أتحدث إليها؟

أكان تواضعًا لأن الاستضافة تشريف؟

أجل هي تشريف

وعادت الأصوات تقول: لو لم تكن خائفًا لقتلتها

والحق أنني خومرت يومئذ بخوف

إلا أنه لم يحجب ما داخَلَني من شعور بتشريف

إن كان إلى حظيرتي مسعاها للضيافة

من بواطن الأرض الخفية

وشربت ملء جوفها

ورفعت رأسها حالمة كمن ساورته نشوة

وأرسلت لسانها في الهواء، ويا له من سواد قُدَّ من ليل!

وبدت كأنها تلعق شفتيها

ونظرت حولها نظرة من لا يرى

وأدارت رأسها رويدًا في تثاقل وهينة

وأنشأت تسحب طولها بطيئة، جد بطيئة، كأنها في منام من باطن منام من باطن منام

وتسربت كرة أخرى إلى حجرها المشقوق

وإنها لتضع رأسها في مكمنها

وإنها لتزحف بكتفها وتوغل بجسدها

إذا بانقباض الاشمئزاز يتولاني كأنه احتجاج على رجعتها طائعة إلى جحرها الأسود

احتجاج على إصرارها أن تعاود ظلامها وتثوب على مهل إلى أغوارها

تولاني الآن إذ أدارت لي ظهرها، وراحت تتوارى

نظرت حولي ووضعت جرتي

وتناولت خشبة شائهة فرجمتها بها

وسمعت على الحوض جَلَبتها

ما أحسب الخشبة أصابتها

إلا أن بقية من جسدها تخلَّفت وراءها

قد تشنَّجت في سرعة لا وقار فيها

وتحوت كالبرق الخاطف، ولاذت بالخفاء

ذهبت إلى جحرها المترب الشفاه

فأَتْأَرْتُ النظر فيه مذهولًا، ولبثت كذلك في هجعة الظهيرة ولهيبها

وخالجني الندم على الأثر

ما أخس وما أحقر، وما أشبه بصنيع الطغام

لقد ازدريت نفسي وازدريت تلك الأصوات الملعونة التي ورثتها من تعليم الآدمية

وذكرت طوائر الأساطير

ووددت لو تعود حيتي الذاهبة!

إذ لاحت لي كأنها مليكة في المنفى

مليكة أضاعت تاجها في أحشاء الثرى

وحق لها أن تستعيده الآن

وكذاك ضاعت فرصتي مع سليلة عريقة من سليلات الحياة

وأعقبت منها ما لا غنى له عن التكفير والغفران

ذلك هو الصَّغار.

***

هذه القصيدة لا جناس فيها، ولا معنى من معاني «التركيبات» الملفَّقة والألاعيب المختلفة، ولكن الجناس وما إليه من تلفيق واختلاق ليس بشعر … إنما الشعر تخيل واستيعاب حس، وتجاوب بين نبض الشاعر ونبض الحياة عامة، وهذه الخصال هي التي جعلت قصيدة «الحية» شعرًا لا يقوى على اللمام به ألف ناظم من ناظمي الجناس والألاعيب اللفظية أو المعنوية؛ لأن صاحب تلك القصيدة قد أحسَّ بالحية وأحس معها وأحس بما حولها وغاص في ماضيها وفي ظلام أغوارها، واستوفاها تخيلًا وشعورًا ومعاطفة، وحَسْبه أن يفعل ذلك ليكون شاعرًا حقًّا وترجمانًا صادقًا لنبض ذلك القلب الكبير المسمى بالوجود.

وأكثر قراء الإنجليزية عندنا يذكرون «لورنس» بغير شعره ونقده وآرائه في الفنون: يذكرونه برواياته الممنوعة وفي طليعتها رواية «عشيق السيدة شاترلي»؛ لأن مَنعها أثار الضجة حولها في البيئات الأدبية وغير الأدبية، فأقبَلتْ على نشرها مطابع فرنسا وألمانيا وبعض أمم القارة الأوروبية بعد مصادرتها في البلاد الإنجليزية، ولسنا نحن من رَأْيِ لورنس في إباحة الوصف الجنسي هذه الإباحة، فإنه ليغلو في وصفه غلوًّا تهون إلى جانبه مقذعات ألف ليلة وليلة، وإن كان يفعل ذلك لغرض غير إثارة الشهوات وترويج البضاعة؛ إذ كان يخسر بذلك ولا يربح في البلاد الإنجليزية التي عرفت بصرامة الرقابة على أشباه هذه الموضوعات.

لسنا نحن من رأيه وليست رواياته مقصدًا لنا في هذا المقال. وأما قصدنا إلى إظهار العلاقة بين هذه النزعة في رواياته وبين ذلك الولع بالحيوان والهوام في شعره، فهل بينهما من علاقة قريبة على ما يبدو من تباعد الموضوعين واختلاف العنوانين؟

نعم بينهما أقرب العلاقات، وهو الإيمان بالجسد والهرب من الأمثلة العليا التي دعا إليها محقرو الجسد في الآداب القديمة.

ولا يُفهم من الإيمان بالجسد أنه رديف الإيمان بالطعام والشراب ولذَّات الحيوان ومجون الخلاعة، وما شابه ذلك من شواغل الإباحيين المتهالكين على المتع والشهوات.

كلا، ليس هذا هو المقصود بكتابة لورنس في المسائل الجنسية ولا بأوصافه للأحياء العجماء والحشرات الأرضية … بل المقصود هو الإيمان بقوى الكون التي تكفَّلت للجسد بأسرار الغرائز ووحي البداهة، وساقته في صواب التكوين السرمدي خلال الظلمات والمجاهل سَوْقًا أهدى وأصدق من رشاد العقل والتفكير.

المقصود به أن يعود الإنسان إلى أحضان الوجود الغامض كأنه الجنين في أحشاء أمه يخلص إليه غذاؤه من عروقها؛ لأنه جزء منها، وبضعة من لحمها ودمها.

وهكذا عاش الإنسان بين أسرار الأكوان يوم أن عاش أسرابًا أسرابًا كل سرب منها كأنه قطعة واحدة مدمجة الجوانح لا عازل بين شعور أفرادها، ولا عازل بين الأسراب جميعًا وبين وشائج الكون وعروقه، فهي تلهمه وتحييه وتمده وترعاه، وهو يستخلص منها الحياة التي هي هي الحياة وليست حواشي لها يسميها التأمل والتفكير … وما التأمل والتفكير المعزولَيْن عن وشائج الخليقة الجسدية إلا شرودًا وضلالة من ضلالات «التطور» سيق إليها الإنسان في رأي لورنس ضرورةً وكرهًا أثناء كفاحه ومحاولاته بين أعدائه من الضواري، وهرب إليها كما يهرب المقاتل إلى منحرف الطريق، ثم ينبغي أن يعود إلى مستواه.

أفيرى الكاتب إذن أن نُلغِيَ العقل والتفكير؟

ولا هذا!

إنما المقصود إلغاؤه العقل والتفكير بمعزل عن نوابض الحياة ودوافع الإحساس.

وإنما المقصود إلغاؤه العقل والتفكير في الدهماء التي خلقت لتشعر بكمالها واستيفائها وهي مدمجة في أسرابها وجماعاتها، فلا تنعزل عن الأسراب والجماعات إلا شعرت بالنقص والتعاسة وأصبحت شذرات مبددة لا تستوفي وجودها، ولا تزال في حسد وملاحاة وبغضاء وتمرُّد وانكسار.

أما النفوس التي تشعر بالاستيفاء إذا انعزلت أفرادًا وخرجت من الأسراب، فتلك «طبقة النبلاء والسادة» في عنصر الإنسان كما يسميها لورنس، وهذه لا ضير عليها من العقل والتفكير، ولا من النزعة الفردية، ولا من فلسفة نكران الذات وإلغاء الجسد أو فلسفة إثبات الذات والإيمان بالجسد، فإنها تربط وشائجها بالكون رأسًا، ولا حاجة بها إلى المدد من ينبوع الأسراب ومن أحشاء البنية الاجتماعية.

ومقاصد لورنس من الصراحة في المسائل الجنسية يرجع بعضها إلى فلسفته في أصول الحياة وبعضها إلى فلسفته في شئون الاجتماع.

فأما فلسفته في أصول الحياة فخلاصتها ما تقدم مع الحيطة للنقائص والمستثنيات التي تشيع في كتابة الرجل لما يعتورها من الإبهام والاقتضاب.

وأما فلسفته في شئون الاجتماع، فمن رأيه أن شقاء الناس في التنافس على المال لا ينشأ من حرب الطبقات كما يزعم الاشتراكيون، ولا من قوانين الاقتصاد التي يذيعها بعض الباحثين، ولكنه ينشأ من «الكبت المريض» والعسف العقيم في سياسة الشئون الجنسية.

لأن الرجل يطلب المال ليشتري به السرور والمتعة، ولا ينجح في شراء السرور والمتعة بالمال إلا لأن العلاقات بين النساء والرجال في المجتمع المدني لا تقوم على المزايا الطبيعية والمحاسن الفطرية، ولو أنها قامت على هذه المزايا والمحاسن وزالت القيود التي تعوقها عن وجهتها لبطل التنافس على المال، أو بطلت أسباب كثيرة من أسباب التنافس عليه والتناحر في تحصيله.

فمذهب لورنس هو بمثابة الحكم برد الاعتبار للجسد، وليس بمثابة الرخصة في الموبقات والشهوات، وشعاره أنه لا يسوِّغ الشرَّ ولا يعظ بالخير، ولكنه ينادي «بالبراءة»، وهي سابقة للشر والخير على السواء.

وفي هذه العقيدة الوسطى يلتمس الناقد ملتقى رواياته وأشعاره أو ملتقى قصيدة الحية وعشيق السيدة شاترلي، أو ملتقى الولع بالحيوان والإيمان بالفطرة في آداب الاجتماع!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.