في جو المفاوضات ألوان من العبث تملأ قلوب المصريين حزنًا، وترسم على ثغورهم أحيانًا هذه الابتسامات التي تصور السخرية المرة، وتدل على اليأس والقنوط. فقد سمع المصريون ألف مرة ومرة، وقرءوا ألف مرة ومرة أن المفاوضات ستجري بين شعبين حرين على أساس من المساواة، ستكون مفاوضة الند للند، لا يستعلي فيها فريقٌ على فريق، ولا يمتاز بالقوة فيها فريقٌ على فريقٍ.

سمع المصريون ذلك وسيسمعونه، وقرءوا ذلك وسيقرءونه، ثم عاد كل واحد منهم إلى نفسه ليسأل عن هذه المساواة بين الشعبين المتفاوضين: أحق هي أم خيال؟ أجد هي أم هزل؟ فلم يستطع إلَّا أن يرسم على ثغره هذا الابتسام الشاحبة التي تصور السخرية المرة، وتدفع إلى اليأس والقنوط. ذلك؛ لأنه لا يكاد يخطو خطوة في القاهرة أو في الإسكندرية أو في غيرهما من المدن المصرية الكبرى إلَّا رأى الجنود البريطانيين يسعون في كل مكان فرحين مرحين، مستيقنين بأنهم أصحاب الحَوْل والطَّوْل، وأولو القوة والبأس، والقادرون على البطش حين يحتاجون إلى البطش، والمقبلون على السلم والأمن؛ لأنهم يريدون السلم والأمن.

ولا يعلم المصري أن له جنودًا يسعون في لندرة وليفربول كما يسعى الجنود البريطانيون في القاهرة والإسكندرية، ولا يعلم المصري أن له قوة في بريطانيا العظمى تحتل هذا المكان أو ذاك، وتستطيع أن تُظْهِر بأسًا أو تُقْدِم على بطشٍ أو تُؤثِر سلامًا وأمنًا. فإذا قيل له إن المفاوضات ستجري بين شعبين نِدَّيْن، وستقوم على أساس من الإنصاف والمساواة، لم يستطع إلَّا أن يرفع كتفيه ويهز رأسه، ويرسم على ثغره هذه الابتسامة الشاحبة التي تصور السخرية المرة، وتدل على اليأس والقنوط. فهو يرى بعينه ويسمع بأذنه ويلمس بيده، ويجد في أعماق ضميره أن مصر ليست ندًّا لبريطانيا العظمى بالفعل، وأن المفاوضة لن تجري بين ندَّين، ولن تقوم على أساس من المساواة، وأن مثل المصريين حين يفاوضون البريطانيين كمثل الرجل الضعيف صرعه الرجل القوي وجلس على صدره وفي يده سيف مسلول، وقال له لِتَجْرِ بينك وبيني مفاوضة الند للند، ولتقُم هذه المفاوضة على أساس من المساواة، تريد أن أقوم عن صدرك وأن أرد سيفي إلى غمدي، وأن أبعد عنك حتى لا تتعرض لأن تُصرَع مرة أخرى، وحتى لا يخيفك بريق هذا السيف، فأنزل لي عن كذا وكذا من حقك، وإلَّا سأظل جاثمًا على صدرك، وسيظل سيفي مسلولًا يملأ حدُّه قلبَك خوفًا، ويخطف بريقُه بصرَك خطفًا. فاختر لنفسك إن شئت أن تختار، فالمفاوضة بيننا كما ترى حرة تجري بين الند والند، وتقوم على أساس من المساواة!

ونية أصدقائنا البريطانيين خالصة ما في ذلك شك، نقية ما في ذلك رَيْب. فهم يريدون مفاوضة حرة بين ندين، وهم يقيمون هذه المفاوضة على أساس من المساواة، وهم يبرئونها من السيطرة، ويخلصونها من الاستعلاء. ولكنهم لا يُمَهِّدون لهذه المفاوضات الحرة الكريمة بما يدل على صفاء النية وخلوص الضمير؛ فجنودهم ما يزالون في القاهرة والإسكندرية وغيرهما من المدن كعهدهم قبل أن تُذكَر المفاوضات، بل كعهدهم حين كانت الحرب قائمة على قدم وساق، فإذا دل هذا على شيء في نفس المصري الساذج البسيط — فضلًا عن المصري المثقف الخبير — فإنما يدل على أن مفاوضة الند للند، وإقامة المفاوضات على أساس من المساواة والعدل، ودخول المفاوضات في ظل الحرية المطلقة، كل هذا كلام لا يدل على شيء، وإنما يرسم على الشفاه هذه الابتسامة الشاحبة التي تصور السخرية المرة وتدل على اليأس والقنوط.

والغريب أن أصدقاءنا البريطانيين كانوا ينكرون على حلفائهم الروس أشد الإنكار أن يفاوضوا إيران وجيوشهم تحتل أرض إيران. يرون في هذا الاحتلال ضغطًا يفسد المفاوضة، ويُكْرِه إيران على ما لا تريد. وهم مع ذلك يحتلون مصر احتلالًا شرًّا من احتلال الروسيين لإيران، وهم مع ذلك يفاوضون مصر ويرون أن احتلالهم لا يفسد المفاوضة ولا يُكْرِه مصر على ما لا تريد. كأن هناك فرقًا بين مصر وإيران، وكأن هنا فرقًا بين احتلال بريطاني واحتلال روسي! فهذا لون من العبث الذي يثير الحزن والسخرية جميعًا.

ولون آخر من العبث يجري في السودان هناك؛ حيث أقام البريطانيون حكومة بريطانية تستأثر بالأمر كله من دون المصريين ومن دون السودانيين. هناك حيث تقوم هذه الحكومة بما شاءت من المناورات، تمهد بها للمفاوضات الحرة الكريمة التي ستجري بين الندين، وستقوم على أساس من المساواة، هناك حيث تمخض السودان مخضًا كما تُمخَض القربة لتستخلص من هذا المخض العنيف ما تحب هي وما يحب الإنجليز، لا ما تحب مصر ولا ما يحب السودان. هناك حيث تضرب بعض السودانيين ببعض، وتُغْري بعضهم ببعض، وتحرض بعضهم على بعض، وتفرق بينهم أشنع التفريق لينقسموا في الرأي ولتفترق أهواؤهم، وليكون بينهم من الفرقة والانشقاق مثل ما كان في مصر منذ كانت الحركة الوطنية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

لقد ألَّف السودانيون وفدًا؛ فيجب أن ينشق هذا الوفد كما كان الانشقاق في الوفد المصري، ويجب أن يدبَّ الخلاف بين السودانيين وأن يُجعَل بعضهم لبعض عدوًّا كما دب الخلاف بين المصريين وجُعِل بعضهم لبعضٍ عدوًّا.

ولن تكون الحكومة السودانية في الخرطوم أقل براعةً من دار المندوب السامي القديمة في القاهرة.

وأبدع من هذا كله أن هذه الحكومة التي تستمد سلطانها من الشعبين الندين اللذين سيتفاوضان تسير بالقياس إلى مصر سيرة الحكومة المستقلة، فلا تشاورها ولا تؤامرها، وإنما تدعو أعضاء الوفد البريطاني لزيارة السودان، ولا تفكر في أن تدعو أعضاء الوفد المصري للمفاوضات إلى زيارة السودان. فمن مصلحة السودان أن يزوره الإنجليز، ومن الخطر على السودان أن يزوره المصريون. والمفاوضة مع ذلك بين أولئك وهؤلاء ستجري بين ندين، وستقوم على أساس من المساواة.

فهذا لون آخر من ألوان العبث التي تثير الحزن والسخرية جميعًا.

ولون ثالث من ألوان العبث له روعته وله ترويعه، له جمالٌ بشعٌ قد يلهم الشعراء إن كان فينا شعراء، ولكنه يملأ القلوب حفيظةً وغيظًا، ويملأ النفوس موجدةً واشمئزازًا.

يكفي مصر أن يجلس أصدقاؤها الإنجليز على صدورها وفي أيديهم أسلحتهم النافذة؛ ليفاوضوها مفاوضةَ الندِّ للندِّ. وإنما يجب أن يغلها المصريون بأيديهم حتى لا تستطيع حراكًا، وأن يكمم المصريون فمها بأيديهم حتى لا تستطيع كلامًا، وأن يقول لها المصريون نحن سادتك وقادتك، نعرف من مصالحك ما لا تعرفين، ونحن الذين سنفاوض باسمك مفاوضة الند للند، فاسمعي لنا وأطيعي، وأريحي نفسك من المقاومة، فإن لم تسمعي ولم تطيعي، ولم تؤثري الراحة؛ فلن تَجِدي إلى المقاومةِ سبيلًا. لقد غللناك فلا تستطيعين حراكًا، وكممنا فاك فلا تستطيعين كلامًا، وجلس حلفاؤك البريطانيون على صدرك فلا تستطيعين التنفس إلَّا في جهدٍ شديدٍ. فاصبري أو لا تصبري، فسنفاوض هؤلاء الجالسين على صدرك مفاوضة الند للند، وسنقيم هذه المفاوضات لك على أساس من المساواة.

ولكن يريد الإنجليز أن يفاوضونا مفاوضة حرة، ولكنهم لا يمهدون لهذه المفاوضات بالتزحزح قيد أنملة عن موقفهم البغيض، ويريدون أن يفاوضونا مفاوضة حرة. ولكنهم يفسدون الأمر في السودان ويتحكمون فيه كما يشتهون، ويهيئون للمستقبل الذي يريدونه هم لا الذي نريده نحن ولا الذي يريده السودانيون، وكذلك يريد صدقي باشا أن يهيئ جوًّا صالحًا للمفاوضات، ينتهي بها إلى النجح، فلا يكون أشد توفيقًا من الإنجليز، وإنما يفسد جو المفاوضات ما استطاع إلى إفساده سبيلًا. يقيد الحرية ما استطاع تقييدها، ويهيئ لها أغلالًا لم تكن من قبل، ويغري بعض المصريين على بعض، ويؤلب بعض المصريين على بعض، ويذيع مع هذا كله أن بعض المصريين يكيدون للمفاوضات، ويريدون لها الشر ويتمنون لها الإخفاق. فأي الناس رأى شعبًا يقيده أصدقاؤه الإنجليز بالجلوس على صدره، ويقيده أبناؤه المصريون بمنعه من الحركة والكلام، ويُقال له بعد ذلك — أو مع ذلك — أنه شعبٌ حرٌّ كريمٌ، سيفاوض الإنجليز مفاوضةَ الندِّ للندِّ، وستقوم الأمور بينه وبين الإنجليز على أساس من الحرية والعدل والمساواة؟!

هذه هي حال الشعب المصري في هذه الأيام السعيدة بعد انتصار الديمقراطية من جهة، وفي ظل العهد الجديد لصدقي باشا من جهة أخرى. فليس ينبغي أن ننسى أننا في ظل عهد جديد لصدقي باشا مخالف كل المخالفة لعهد صدقي باشا القديم، ليس فيه حَجْرٌ على الحريات، وليس فيه تضييق على الصحف، وليس فيه عبث بالانتخابات. ولكننا مع ذلك نشعر بأن شيئًا لم يتغير، ونكاد نحس أن الزمن قد ردَّنا إلى وراء ستة عشر عامًا، ومصدر ذلك أننا نحن لم نتغير، وإنما تغير صدقي باشا نفسه، أصبح نصيرًا للحرية التي لا تشبهها حرية، والعدل الذي لا يُقاس إليه عدل، وظللنا نحن حيث كنَّا لا نستحق حريةً ولا عدلًا، بل لا نستطيع أن نذوق ولا أن نسيغ ما يُقدِّم إلينا صدقي باشا في كل صباح وفي كل مساء من الحرية والعدل، ومن الإنصاف والمساواة.

إن المصريين الذين يريدون أن يريحوا أنفسهم من الحزن الممض الذي يملأ القلوب، والسخرية المرة التي ترسم على الثغور هذه الابتسامة الشاحبة يجب أن يلتمسوا هذه الراحة في أحلام الليل أو في الهجرة إلى أوطان أخرى. فأمَّا حياتهم اليقظة الواعية في وطنهم العزيز الكريم، فستُرسَم دائمًا أمام عيونهم، وستجري دائمًا على ألسنتهم، وستُردِّد دائمًا في قلوبهم البيت اللاذع الذي قاله أبو الطيب منذ أكثر من ألف عام:

وكم ذا بمصر من المضحكات

ولكنه ضحك كالبكا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.