‏كل عاطفة كريمة، كل إحساس شريف، كل باعث نبيل، لا بد أن يعدو عليه شوقي بك ويُمرِّغه في الأوحال ويلوثه، ويبدل صاحبه منه خِسَّة ونذالة ولؤمًا، وقد سبق مثال أو مثالان من هذا، ولكنَّا في هذا الفصل سنتقصَّى ما في الرواية، ونرفعه قِبَل العيون، وليحكم القُرَّاء بعد ذلك على الروح التي يصدر عنها أمير الشعراء، ونوع الوحي الذي ينزل عليه:

‏نتيتاس في فاتحة الرواية تُباهِي مُجِيبةً نفريت بأنها تؤثر الوطن على نفسها وتُضحِّي لتفديه:

أتيتُ لمصلحةِ الآخرين

وجِئتُ لشأنٍ جليلِ العِظَمْ

أَتيتُ لأفدي بِنَفسِي البلادَ

وأدفعُ عن مِصْرَ شرَّ العَجَمْ

فإنَّك إِنْ ترفُضِي يزحَفُوا

كزحفِ الذِّئابِ ونحنُ الغَنَمْ

‏وتقول لفرعون:

جِئتُ أُفدي وطنِي من

سيفِ قمبيزَ ونَارِه

جِئتُ أفدِي وطني من

دنس الفتح وعَارِه

ثم تقول مُفاخِرةً:

وما لي لا أُعطِي الحياة إِذا دعت

بلادي، حياتي للبلاد ومالِي

‏ولكنَّها في الفصل الثاني تناجي بنفسها بما ينقض هذا كله، ومهما يكن ما تظهره فالنجوى أصدقُ وأدلُّ على ما تُبطِن، وإذا كان الصحيح ما تعلنه وتجرب به لسانها على مسمع من الناس؛ فقد كان الواجب على شوقي بك أن لا يجعلها تُحدِّث نفسها بمثل هذا الكلام:

‏‏يا ظَالمًا أُحبُّه

جهد الهَوى وإِنْ غَدَر

ومن هجرت وطني

لأجلِهِ حينَ هَجَر

‏وهذا صريح في أنها ما سافرت إلى فارس وزُفَّت إلى ملكها لتفدي وطنًا أو لتدفع عنه غارة غازٍ مخوف الغضب، بل لأنها لم تعد تطيق الحياة في مصر بعد أن حول تاسو قلبه عنها إلى نفريت، ولهذا اغتنمت فرصة الرفض من جانب نفريت فتقدمت، وبديهي بعد ذلك أنها أرادت أن تصيب عصفورين بحجر: تتزوج ملكًا قويًّا مرهوب الجانب، وتنأى عن البلد الذي صارت حياتها فيه شقية، وهي بعد ذلك تعاشر زوجًا تبطن له الاحتقار والمقت، وتقول في وصفه لوصيفتها «النمر الفرس الخشن» وتزدري أصوله وقومه:

ولكن متى يا تتا دُلِّهَتْ

بنات الفراعين بالأجنبي؟

وما نلتَقِي في جلالِ الجدُود

ولا في العقيدةِ والمذهبِ

وتشتمه وتسبه في وجهه وهي ثائرة:

‏الملك:

كيف أدعوك يا عروس؟
‏الملكة:
بما شئتَ، بشر الأسماء والألقاب

بالذي أنت أهله من بذاء

والذي أنت أهله من سباب

وتتملَّقه في العادة وتنافق له وتلقاه بتحية العبد للسيد:

الملك في مقصورتي

يا مرحبًا يا مرحبًا

سلامٌ سيدَ الأرضِ

سلامٌ حيدرَ البِيدِ

ومن دانت له الدنيا

وألقت بالمقاليد

ومع ذلك تضمر في أثناء ذلك كله حبًّا لتاسو الغادر وتقول «في نفسها» على حد تعبير شوقي بك:

ذنبك لا يُغفَر إلا

أن قلبي قد غفر

إِن غبتَ عن عيني فأنت

في سوارح الفكر

يا ليت شعري كيف أنت

ما تجيء ما تذر

‏فإخلاصها لوطنها دعوى زائفة ووفاؤها لزوجها رياء ونفاق، ويصف شوقي بك — في الفصل الأول — أخلاق المصريين على لسان واحد من وفد فارس؛ فيقول:

ولم أرَ مثل صناعاتهم

سموًا وبعدًا على المنتقد

ولا مثل أخلاقهم مبلغًا

من الفضل أو من خلال الرَّشَد

إذا مرَّ يافعهم في الطريق

بشيخ تنحى له أو سجد

‏ولكنه في الفصل الثالث يجعل لفيفًا من الرجال المصريين يحيطون بعجوز يسخرون منها ويعبثون؛ «تُقبل امرأة مصرية عجوز» فيقول أحدهم:

وهذه دوباره

آخر:

الشيخة الثرثارة
الأول:

هلمي يا دوباره

هاتي اذكري الأخبارا

دوباره:

لا تسألوني ما الخبر

مصر تَرَى اليوم العِبَر

لكن صَهٍ حَذارِ

لا يَدرِينَّ دارِ

عارضني الساعة في طريقي

فتى مليح الحسن والبريق

أحدهم:
من الجنود؟
العجوز:
لا من القواد

عالي المكان

ظاهر الميلاد

وما أتى، ما فعلا؟
العجوز:
عانقني وقَّبلا
الأول:

وأين؟ فوق

فمكِ الدُّريِّ!

آخر:

أو من على جبينكِ

البدريِّ

آخر:

أو فوق خَدٍّ

مثل روثِ البغلِ

الأول:

أو فوق ذقن

مثل كعب النَّعلِ

العجوز:

أهذه نجدتُكُم يا فتيَة

أهكذا تُحمَى بمصرَ النسوة

يا أسفَا على القرون الخالية

يا أسفَا على النفوس العالية

‏وليس فيما تقول العجوز ما يُشعِر أنه تَخيُّل أو أن الاعتداء عليها وَهْمٌ أو كذب، ولو كان هؤلاء الرجال أطفالًا لعذرناهم؛ فإن الأطفال تعبث بلا كابح، ولكنهم رجال وهم بأعيانهم الذين يجعلهم شوقي بك بعد ذلك مباشرة يتحدثون عن وجوب الثورة والتمرد على الفاتح.

‏ويصف الفُرْسُ في الفصل الأول المصريين؛ فيقول قائلهم:

لهم مثل ما للأسد بالجنس عزة

ضواري الفلا عند الأسود كلاب

‏ويجيء شوقي بك في الفصل الأخير فيجعلهم جبناء لا تخطر لهم الثورة لأن وطنهم غُزِيَ واستولى عليه الأجنبي، بل لأن إِوزَّهم طاح وبَطَّهم طار:

إِوزِّي كله طاح

وبطي كله طارا

وأختي خُطفت مني

وزوجي جُلِّلتْ عارا

‏ويجعل ذهاب البط والأوز وسبي الأخت وانتهاك الزوجة في مستوى واحد! ويقدم البط والأوز؛ فتقول الجماعة:

إذن لقد آن أن نثورا

لطرد قمبيز والجنودا

الغاب في شقوة وبؤس

فما الذي يمسك الأسودا؟

فيسرع أحدهم مُحذِّرًا مُخَوِّفًا:

خذوا حذركم، أقبل الطاغية

مع الوزراء وفي الحاشية

وذا السيف في يد جلَّاده

يُسلُّ على الأرؤس العالية

آخر:

تلك مصائب وقد

صُبَّتْ على هذا البلد

امضُوا بنا امضُوا بنا

لا يَسمَعَنَّنَا أحد

‏‏وينتهي أمر الثورة ووجوب التمرد بهذه الأبيات الستة! ولا يقتصر شوقي على ذلك بل يضع على لسان قواد الفرس أن:

النوب جند بساما

بل هم أشد جنوده

وأثبت الجيش يوم

القتال تحت بنوده

‏أما المصريون فلا ذكر لشجاعتهم وبلائهم وصبرهم على القتال ومقارعة الأبطال، أما رأي شوقي في المصريين عامة فقد أجراه على لسان وزير فارس — وهو الرأي الذي يعمل هو به:

من لم يكن كاهنًا في مصر أو ملكًا

ولا تراه لهذا أو لذا تبعًا

فلا تقيسنَّ في هذي البلاد به

إلا المواشي والأحجار والسلعا!

‏وتنتحر نفريت بنت الملك أمازيس لتغسل ذنبها؛ فلا يتركها شوقي بك ولا يدع ندمها مبرئًا من الشوائب، بل يدس عليها الجبن ويقول على لسان واحد في الفصل الآخر:

نفريت من مخافة الحساب

ألقت نفسها إِلى العباب

‏وقد جعل في الرواية قُوَّاد مصر خونة يُشرَون بالمال ويتقدمون للأجنبي بذممهم ووطنيتهم ورجولتهم يبيعونها في السوق لمن يكون عطاؤه أجزل، فقال على لسان فانيس في الفصل الثاني:

واشترينا الخفير بالمال والحا

رس والحامي الأمين القويا

‏والغريب أنه يسمي عديم الذمة أمينًا والخائن وفيًّا!

‏ومن تمام هذا البحث أن ننبه القارئ إلى أن شوقي لا يعني بتدنيس البواعث وحطِّها عن مقام الشرف وتجريدها من النبل إلا إذا كان الموصوف مصريًّا، أما الأجنبي فيدعه سليمًا ولا ينال منه، ولا يحاول أن يقلب محاسنه معايب وفضائله رذائل! حتى قمبيز الذي يجعله الشاعر قاسيًا فظًّا يقتل أخته وأخاه ولا يبين لنا السبب، يعود في آخر الرواية فيجعله يندم ندمًا صحيحًا وينبه ضميره ولا يعرض لهذا الندم بما يفسده أو يضعفه أو يخرجه إلى تأويل غير محمود كما فعل مع نفريت المصرية.

‏وعلى ذكر ندم قمبيز واستيقاظ ضميره نقول إن من أغرب المواقف ذلك الموقف الذي وصفه شوقي بك لهذه المناسبة، والموقف هو أن الملك تتراءى له خيالات قتلاه وأشباح فرائسه فيكاد يُجَنُّ، والتصوير ضعيف ولكن ما علينا من ذلك فإن ما يتلوه أدهى:

‏‏‏قائد:

هذا ضميره صحا

هذا ضميره انتَبَه

حتى رَأَى آثامَه

ولم يكُنْ لها أَبَه

آخر:

ثار به ضميره

وما الضمير حيدر؟

حيدر:

سريرة تندم أحيا

نا وحينا تزجر

ويرجع الناس لها

إِلا امرؤ لا يشعر

الأول:
وأين منزل الضمير؟
حيدر:
موضعٌ من الجسد

انظر، هنا يا رستمُ الـ

ـقلبُ، وها هُنَا الكبد

‏‏وليلاحظ القارئ أن قمبيز ثائر في وسطهم وقد قُتِل بعض من حوله وقتل العجل وأنه موشك أن ينتحر فتصور هذه المحاورة في وسط هذا الهياج من الملك، يشير حيدر إلى أعلى الصدر وأسفله وإلى ما بينهما — أي المعدة — ثم يستمر:

وها هنا الضمير بيـ

ـن القلب والكبد قَعَد

رستم:

هنا الدجاج والحمـ

ـامُ ها هُنا بلا عدد

حيدر:

والبط أيضًا والإوَ

زُّ والحمار والوتد

وكل ما تخطف أو

تسرق من هذا البلد

رستم:

حيدَرُ هل يَجتَرِعُ الضَّـ

ـميرُ أو هل يَزدَرِد؟

وهل له حَوصَلَة

وهل له رِجْلٌ ويد

‏وقبل هذا الحوار المدهش في حضرة ملك ثائر مجنون يضرب بخنجره يمينًا وشمالًا، قبله بيتان اثنان — لا أكثر — كان القواد يتهامسون فيما بينهم خائفين أن يقتلهم كما قتل غيرهم:

قائد:

ويح لقمبيز
آخر:
ويح له جُنَّا
الأول:

من يُقتَلُ اليومَ؟

من الشَّقِي منَّا؟

‏فهل هذا يُعقَل يا شوقي بك؟ هل يقبل العقل أن يُجَنَّ الملك ويثور ويدفن خنجره في الصدور فيكون كلام من حوله في هذا الوقت ما قلت عن المعدة والإوز والبط، وما تتفكه به ساخرًا من الضمير متسائلًا أهو يجترع أم يبلع وهل له حوصلة، وهل له رجل ويد؟ لا نحب أن نقول شيئًا في وصف هذا، ولكنَّا نسأل أنصار شوقي والمعجبين به ما رأيهم وما حكمهم على صاحبهم؟

‏ونكتفي بهذا في نقد الرواية كما هي مكتوبة، وسنتناول ما صنع شوقي بموضوعها من الناحية التاريخية في المقال الآتي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.