قرأت اليوم في مقال الأستاذ التابعي كلمة للأستاذ عبد الله شداد عن أغانيه التي يقول إنها مصدر الألحان التي تنسب الآن إلى السيد درويش، ومصدر الألحان الأخرى التي اشتهرت بعنوان «الفرانكو آراب» أيام الثورة الوطنية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.

والذي أذكره — إذا لم تخذلني الذاكرة — أن الأستاذ عبد الله شداد كان يتجلى كثيرًا في ميادين الألعاب الرياضية قبل اتصاله بنادي الموسيقى الشرقي، وكان يستعين بأناشيد المدارس على تلحين «الأحاديات» — المنولوجات — التي كانت تُلقَى أحيانًا في الحفلات المدرسية، ويمثل بها المنشد بعض الأدوار الفردية المضحِكة، كدور التلميذ العبيط، وابن البلد «الفنجري»، والعاشق المفلس، والزوج السكران، والريفي الغشيم في البندر، وغير ذلك من الأدوار التي تناسب مسرح المدرسة كما تناسب سهرات العائلة. وقد سبقه المؤلِّفون إلى أدوار «الفرانكو آراب»، ومثلت روايات كاملة من هذا النوع على مسارح الفجالة والتوفيقية، وكان لعزيز عيد وعطا الله والريحاني سهمٌ وافر في توفيق هذه الأدوار من روايات «الفودفيل» وفصولها المضحكة التي كانت تُعرض على مسارحنا بعد اختتام فصول الفواجع المحزنة على الخصوص.

أما تجديد السيد درويش في أغاني الأناشيد خاصة، فقد كان له مجال آخر غير هذا المجال، ولعله كان النشاط الفني الوحيد الذي يُعتبر تمهيدًا للتطوُّر الاجتماعي في أحوال الطوائف الصناعية خاصة؛ حيث لا تختلط هذه الأدوار بالأدوار الفردية على المثال الذي ذكرناه؛ فإن أناشيده على ألسنة الحوذية وباعة الدجاج وباعة اليانصيب وتُجَّار العجم وعمال السلطة والمراكبية، كانت تمهيدًا فنيًّا لا شك فيه لشيوع النقابات وانتباه كل طائفة من الطوائف إلى وحدتها الاجتماعية، ولم يكُن للسيد درويش شريك يُذكر في عالم الفن بهذه المقدرة من المشتغلين بالغناء والمشتغلين بالتمثيل.

ولا نعلم أن السيد درويش ادَّعى قَطُّ أنه مبتدع جميع الألحان التي استعان بها المؤلفون المسرحيون على تلحينها، بل كان يصرخ أحيانًا أنه «ينفذ» بعض الألحان من استغلال جماعات المتسوِّلين لينقلها إلى عملها النافع في تصوير بعض الأدوار، وربما كان من قبيل تلك الألحان الضائعة أناشيد على نغمات الأذكار أو نغمات الموالدية في بلاد الريف، وكلها مسموعة مشهورة لا تقبَل السرقة على طريقة الاختلاس والمداراة.

وربما عمد إلى الألحان القديمة ليُعارِضَها بمثلها في موضوعها؛ لأنه أليق بها من أدائها الأول على إيقاع التخت القديم، ولا يخفى الفرق بين المعارضة على قصد ومعرفة كما فعل كبار الشعراء في كثير من المناسبات، وبين السرِقة التي يزاد بها العدوان والادِّعاء مع العجز عن الابتداع والافتنان.

وربما كانت طريقة السيد درويش في هذه المعارضة كطريقة ربات الدور المدبرات حين يُخرجن ثياب الأجداد والآباء النفيسة ليفصِّلْنها على مقاس الأبناء والأحفاد، ولينقلها هؤلاء من الصندوق والصِّوان المهمل إلى المدرسة والطريق وميدان الألعاب.

وليس من السهل أن تلتبس شهرة الموسيقار الخلاق بشهرة المغني الذي يؤدِّي ألحان غيره ولا يزيد عليها، فقد كان من المستحيل في أمر السيد درويش خاصة أن يعرف بهذه المكانة الموسيقية لو كان اعتمادُه كله على صوته الذي يؤدي به أغاني الملحنين من قبله؛ لأنه لم يكُن كما نعلم جميعًا من أصحاب الأصوات النادرة في الغناء، وإنما كان نادرًا في زمنه بما عُرِفَ عنه من قدرة الخلق والتعبير عن الأطوار النفسية والاجتماعية، بالجديد والقديم من الألحان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.