استمد البعث الأوروبي وجوده وحياته منذ القرن الخامس عشر من الأدب اليوناني والروماني، ومن التفكير اليوناني والروماني. والدول العربية والعالم الإسلامي كله — على اختلاف لغاته — يندفع اليوم إلى بعث متوثِّب الحيوية، فمن أي مصدر يستمد هذا البعث وجوده وحياته وحيويته؟

هذا سؤال يمر اليوم بخاطر كثيرين، بل يجري على ألسنتهم، بل تألفت في ظلاله هيئات تحسب أنها اهتدت إلى الجواب عليه، وهو لا ريب سؤال دقيق إذا أردنا أن نجد له جوابًا شافيًا، والبحث عن هذا الجواب الشافي يقتضينا أن نعود إلى تاريخ الأمم الإسلامية حين آلت إليها مصائر الحضارة الإنسانية، وأن نلتمس في هذا التاريخ مصادر القوة التي أتاحت لتلك الأمم أن تبلغ ما بلغت من حيوية أتاحت لها تبوُّؤ ذلك المركز الممتاز في العالم.

وآثار تلك الأمم تحدِّثنا بأنها لم تَعِشْ في عزلة عن مظاهر الحياة الإنسانية التي كانت تحيط بها في مختلِف أقطار الأرض، وحسبك أن تقرأ ما خلَّفه الكتَّاب والفلاسفة المسلمون في عصورهم الزاهرة لتقتنع تمام الاقتناع بأنهم تغلغلوا بعقولهم وقلوبهم في حياة الشعوب المحيطة بهم، وأنهم نقلوا من ثمرات العقل والعلم في هذه الشعوب خير ما اهتدى إليه عظماؤها والموهوبون من أبنائها وأنهم امتثلوه وجعلوا منه مادة من موادِّ تفكيرهم، وأن الحياة العربية والحياة الإسلامية تأثرت بما صنعوا من ذلك أحسن التأثر، وأن الخلفاء والأمراء عاونوهم لذلك عليه أحسن معونة وكفلوا لهم بما صنعوا حياة طيبة، وأن صنيعهم هذا اطَّرد طيلة الزمن الذي تولَّت فيه الإمبراطورية الإسلامية مصائر العالم، فلما آن لهذا الزمن أن يخبوَ ضياؤه، بدأت الأمم العربية والأمم الإسلامية تنكمش شيئًا فشيئًا وتعود إلى عزلتها، ليفرض عليها الغير — وهي في هذه العزلة — بأسه وسلطانه.

يَذكر الذين قرءوا كتاب «الإسلام والنصرانية» للأستاذ الإمام المرحوم الشيخ محمد عبده أسماء الكتب التي تُرجمت إلى العربية في عصور الإسلام الزاهرة أيام الأُمويين والعباسيين، ويذكرون من بين هذه الكتب كتب الفلسفة اليونانية وعلوم الطب والهندسة وما إليها، والذين قرءوا الفلاسفة المسلمين أمثال ابن رشد والغزالي والفارابي وابن سينا، يذكرون جميعًا بأن هؤلاء تأثروا إلى حدٍّ كبير بالفلسفة اليونانية مع محافظتهم على قوميتهم واحترامهم الصادق لعقائد بني وطنهم، وليس يسيرًا أن يتصور العقل أن تنهض أمة ما نهضة الأمة الإسلامية في عصورها الزاهرة إذا هي ظلَّت منطوية على نفسها مكتفية بعزلتها، ولم يحاول مفكروها والموهوبون من أبنائها أن يتصلوا بكل ثمرات العقل والفن في الأمم المختلفة.

ولقد تركت هذه العصور الإسلامية الزاهرة تراثًا من الأدب ومن ثمرات الفكر جديرًا بأن نفخر به على الأجيال؛ لأنه يجمع بين دفَّتيه حياة عالمهم في التصوُّر والتفكير، وكيف انطبعت هذه الحياة في نفوسهم، وما كان لانطباعها من أثر في حياة الشعوب التي يعيشون فيها، وفي قوَّتها ونهوضها بأعباء الحضارة في عصرهم، ولكن المفاخرة بهذا التراث لا تُجدي وحدها ولا غناء فيها، إنما الجدوى والغناء في بعث هذا التراث، وفي إظهار ما كان له من أثر في حياة العالم في العصر الذي وُضع فيه، ومما حدث على أثر ذلك من تقدم إنساني مستند إليه، وكيف سبقه هذا التقدم، وكيف نستطيع نحن اليوم أن نجاري هذا السبق ونلحق به حتى نعوِّض بذلك ما فاتنا في عصور التأخر التي فُرضت علينا. إذا نحن فعلنا ذلك استطعنا أن نمد البعث العربي والإسلامي بالمادة التي تدفعه بقوة إلى الأمام، وتجعله يكاتف المدنية والعالمية الحاضرة.

كنت أتحدث يومًا من أيام سنة ١٩٣٦ إلى الأستاذ الإمام المرحوم محمد مصطفى المراغي، وفي حديثنا ذكرت له أنَّا يجب علينا أن نتعاون على اختلاف ثقافاتنا لبعث هذا التراث وإظهار خير ما فيه بلُغة عصرنا الحاضر، وأن نجاهد لنصل بينه وبين ثمرات الفكر الحديث في البيئات العالمية المختلفة، ويومئذٍ وافقني الشيخ على ذلك وأخذَته الحماسة له، لكنا — للأسف — لم نفعل في هذا المضمار شيئًا لاعتبارات صرفت الشيخ ثم صرفتني عن التفكير في تنظيمه، هذا مع اقتناعي الأكيد بأن العزلة أضر شيء بالأمم، وأن الاتصال بالماضي وبالحاضر ومشاركة النشاط العالمي في مظاهره المختلفة، والاستفادة منه للبعث الذي تتوثَّب له الدول العربية ويتوثَّب له العالم الإسلامي — ذلك هو وحده المصدر الغني القوي الذي يستمد منه هذا البعث وجوده وحياته وحيويته.

لقد أدرك أسلافنا من المسلمين والعرب هذه الحقيقة؛ فهداهم هذا الإدراك إلى تبوُّؤ المكان العظيم الذي كان لهم في عصور الإسلام الزاهرة، وقد أدرك أبناء الغرب هذه الحقيقة منذ القرن الخامس عشر؛ فأدَّى ذلك إلى هذه الحضارة التي تحكم العالم اليوم، هذا ولم تكن وحدة العالم واضحة في تلك العصور، ولم تكن المواصلات، ولا كانت الصحافة والإذاعة تقرِّب بين الشعوب كما تقرِّب اليوم بينها، فهل لنا أن ندرك نحن كذلك هذه الحقيقة لتعاوننا على توجيه البعث الذي تتوثَّب له أقوامنا، ولنساير ركْب الإنسانية في سيره السريع؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.