افتُتح المؤتمر العام الثالث لهيئة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في بيروت في ١٧ نوفمبر.

ومصر تعتبر اجتماع المؤتمر في بيروت — عاصمة القطر الشقيق لبنان — تحية عطف وصداقة من جانب الهيئة نحو الأمة العربية، واعتبرته مما يقتضيه الإنصاف والوفاء لما قدَّمه العرب في ماضيهم لاستنارة الإنسانية جمعاء، كما اتخذت منه آية الرغبة الحقيقية في تعاون شعوب العالم قاطبة وممثلي حضاراته التاريخية على النهوض بالعلوم والثقافة والتربية وجعلها أدوات حقيقية في خدمة السلام العام.

ولقد رحَّبت مصر من أول الأمر بإنشاء الهيئة؛ فأوفدت حكومتها مندوبين عنها للاشتراك في أعمال اللجنة التحضيرية التي اجتمعت في لندن لوضع النظام الأساسي للهيئة، وأقر البرلمان انضمام المملكة إليها. ومنذ طَوْرِ الإنشاء ونحن نتابع أعمالها بالعطف والعناية؛ فأوفدنا ممثلين لنا للاشتراك في أعمال المؤتمر الذي عُقد بباريس في ١٩٤٦م وكذلك في أعمال المؤتمر الثاني الذي عُقد في مدينة المكسيك في سنة ١٩٤٧م، واشترك خبراؤنا في اجتماعات الخبراء التي نظمتها الهيئة لشئون ترجمة أمهات الكُتب والتربية الأساسية. كما اخترنا نخبة من شبابنا لحضور حلقات البحث التي نُظمت لبحث وسائل توثيق العلاقات بين الأمم، وقد عُقدت هذه الحلقات في أمريكا وإنجلترا وفرنسا. وكان للتعاون بين مصر والهيئة أثره؛ فاختيرت مصر لعضوية المجلس التنفيذي لها.

قلت: إن مصر رحبت بإنشاء الهيئة، وإن الأمانة لتاريخها تقتضي منها ذلك، فقد كانت بلادنا أول من سن امتزاج الحضارات وتأثيرها البعض في البعض الآخر. لقد تقابلت الحضارات وتفاعلت في مصر في ظلال السماحة والأمن قرونًا عديدة، وخلَّف ذلك للإنسانية جمعاء تراثًا غنيًّا قويًّا، يرجع غناه لتنوع أصوله، وترجع قوته لاتساق عناصره وانسجام روحه.

ورحَّبت مصر أيضًا باليونسكو؛ لأنها بلاد الحرية، فرفضت أن تصب روح الإنسان في قالب واحد، وتركت أبناءها أحرارًا ينهلون غذاءهم الروحي والعقلي من أيِّ منهل يشاءون.

رحَّبت مصر باليونسكو؛ لأنها اعتبرت أن إنشاءها يفيد التعاون بين الأمم في نطاق التربية والعلوم والثقافة وقد وُضع على أساس جديد، وأنه على هذا الأساس الواسع امتنعت التفرقة بين أمة تعطي وأمة تأخذ، فالجميع سواء. ومصر تؤيد هذه النظرة الجديدة كل التأييد: تؤيدها في السياسة والاقتصاد، وفي شئون العقل؛ فتحارب مناطق النفوذ والاستئثار مهما تلونت ألوانها وتنوعت مظاهرها، وتقف في صف التعاون الحر الطليق.

لهذه الأسباب كلها قبلنا دستور اليونسكو، وعبَّرنا به عن رجائنا أن اليونسكو سوف تعمل على أن تحافظ على ما في التراث الإنساني من جمال ومنفعة، وأنها لن تفرط في المحافظة على ما يستحق أن يُختلط به من الروائع الفنية والمعايير الأخلاقية والقيم الروحية التي تقدسها الأمم.

إن مصر تدخل نطاق التعاون الإنساني الأكبر الذي تمثله اليونسكو صفًّا واحدًا مع سائر العرب، وبذلنا ما نستطيع من جهد لتحقيق الأهداف التي رسمتها المعاهدة الثقافية بين الحكومات العربية.

وها هو التعاون الثقافي العربي يجري متئدًا في خط واحد هو والتعاون العالمي داخل إطار اليونسكو، راجين أن يترتب (في الأصل: «أن سوف يترتب».) على النيات الصادقة والجهود الخالصة ذخيرة من الخير والمُثل العليا تنمو بما تقدمه كل أمة بحسب ما تستطيع، بل وتنمو أيضًا بما تستمده منها كل أمة بحسب ما تريد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.