كان هشام بن عبد الملك قد أسرف في ظلم ابن أخيه الوليد بن يزيد، وكان ولي عهده، حتى أزعجه عن دار الخلافة، واضطره إلى أن يعيش في البادية عيشة أقرب إلى حياة الطريد الشريد، لا يصحبه إلا نفر قليل من خدمه ومواليه الذين أذن لهم هشام في مصاحبته بعد مشقة وعسر.

وكان هشام قد قتَّر على ولي العهد في الرزق تقتيرًا شديدًا، وضرب أنصاره وأولياءه وألقاهم في غيابات السجن، حتى كانت محنة الوليد في نفسه وفي أصفيائه منكرة قاسية.

فلما مرض هشام مرضه الذي مات فيه، وثقلت عليه العلة، طلب شيئًا من خزائن الدولة؛ فلم يجبه الخازن إلى ما طلب إليه، فقال هشام: كأنما كنا خزَّانًا للوليد.

ثم مات هشام، وأُسلمت أمور الدولة وأموالها للوليد، فلم تبق في يده إلا زمنًا قصيرًا؛ لأن الأمر نقل عنه في تلك المأساة التي يعرفها الناس.

وكذلك أنفق هشام أعوامًا وأعوامًا يضطهد الوليد، ويسرف عليه، ويهيئ لنقل ولاية العهد إلى ابنه، فلم يبلغ من ذلك شيئًا، ولم يدركه الموت حتى أحس لذع الخيبة وألم الإخفاق، وعلم أنه لم يزد على أن كان خازنًا للوليد.

وكان صدقي باشا شديدًا قاسيًا على زميله عبد الفتاح يحيى باشا: يُعرض عن نصحه، ولا يسمع لرأيه، ولا يأبه لمعونته، ولا يُقدِّر مكانته منه في الوزارة، حتى إذا ضاق بما كان يجد من خلاف عبد الفتاح باشا واعتداده بنفسه أخرجه من الوزارة إخراجًا، ولم يحفل باستقالته من حزب الشعب حين استقال منه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة لم تبلغ العام وإذا صدقي باشا قد أُبعِد عن الوزارة، وإذا عبد الفتاح يحيى باشا قد ارتقى إلى الوزارة.

وما هي إلا أيام أخرى حتى يلتمس صدقي باشا من أعضاء الحزب بعض ما يريد فيأبون عليه، وينصرفون عنه، وإذا هو يشعر بلذعة الخيبة، وحسرة الإخفاق، وإذا هو يقول في نفسه ولأصفيائه: كأنما كنا نبني لعبد الفتاح باشا يحيى.

ثم يطول الذل، ويثقل الحمل، وتفسد الأمور في السر والجهر، ويقسم بعض أعضاء الحزب ليخرجن الأعز منها الأذل، وينتهي الأمر بصدقي باشا إلى أن يسعى إلى عبد الفتاح يحيى باشا ليبلغه أنه سيستقيل من رياسة حزب الشعب، ثم ينصرف عنه، فيدعو مجلس إدارة الحزب وينبئهم بما كان بينه وبين نائبه، ويعلن إليهم أنه مستقيل، وتبر يمين أولئك الذين أقسموا ليخرجن الأعز منها الأذل، ويعود الرجل إلى داره، فيُلقي العصا، وتستقر به النوى، بعد رحلة طويلة جدًّا، شاقة جدًّا، في طريق عسيرة جدًّا، ملتوية جدًّا، كان يقدر أنها ستنتهي به إلى الفوز والعز والمجد، فانتهت به إلى الخيبة والذل والهوان، حتى على أقرب الناس إليه، وأعطف الناس عليه.

وأصبح ذلك الجبار العنيد الذي وثب ذات يوم يتحدى شعبًا بأسره، رجلًا هينًا يسيرًا لا يحفل به أحد، ولا يفكر فيه أحد، ولا يحسب له أحد حسابًا! وما أعرف أن حياة سياسية ختمت بشرٍّ مما ختمت به حياة هذا الرجل: ألغى دستورًا وأقام دستورًا، فرق برلمانًا وجمع برلمانًا، وفرض نفسه — وهو رجل واحد — على شعب يتألف من الملايين أكثر من ثلاثة أعوام.

ثم انتهى به الأمر إلى حيث أصبح يدعو فلا يستجيب له أحد، ويأمر فلا يطيعه أحد، وينهى فلا يلقى إلا هز الرءوس ورفع الأكتاف، ويسعى فلا يدري أيضع رجليه على أرض ثابتة مطمئنة، أم يضع رجليه على أرض مزلزلة مضطربة توشك أن تزول، ويستيقظ فلا يسمع إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد، وينام فلا يحلم إلا بالخذلان والعصيان والمكر والكيد؛ أشباح مخيفة مروعة توقظه إذا نام، وتداعبه إذا استيقظ، حتى يأخذه هذا النوم الثقيل الممض الذي لا راحة فيه ولا هدوء.

وكذلك ينتهي الغرور بالمغرورين، وكذلك ينتهي الطغيان بالطغاة، وكذلك يختم العدوان سيرة المعتدين، وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وعلى أمثاله من الضعفاء والأقوياء أبلغ الدروس وأقساها، فتنبئهم بأن الفرد ضعيف مهما يُسرف في القوة، ويُغرق في البطش، ويغل في العدوان؛ لأنه فرد لا أكثر ولا أقل، وأن الشعب قوي مهما يتسلط عليه المتسلطون، عزيز مهما يحاول إذلاله المذلون؛ لأنه شعب وكفى، لأن حياته أطول من حياة الفرد، لأن حياته أوسع من حياة الفرد، لأن قوته أبقى على الزمن من قوة الفرد، لأنه متصل بالتاريخ الذي مضى، متصل بالتاريخ الذي سيأتي، جامع بين ما في الماضي والحاضر والمستقبل من أسباب الحياة والقوة والبقاء.

وكذلك تلقي الأيام على هذا الرجل وأمثاله من الطغاة والقساة أبلغ الدروس، وأقوم العظات، فتنبئهم بأن الذين يظلمون الشعوب يجنون على أنفسهم أكثر مما يجنون على أممهم؛ لأن بقاء الشعوب وقوتها، وأملها في المستقبل، واعتزازها بالماضي، كل ذلك يمنحها من القوة ما يُمكِّنها من الاحتمال، وما يُمكِّنها من المقاومة، وما يكفل لها الانتصار والفوز، على حين لا يجد الظالمون من ماضيهم عزاءً، ولا في مستقبلهم رجاءً، ولا في حاضرهم واقيًا من هذا السخط الشعبي العنيف العام الشامل، الذي هو مظهر من مظاهر سخط الله.

ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا في داره، بعد أن تخلى عنه كل شيء، وتخلى هو عن كل شيء، وبعد أن أقام ما أقام، وشيد ما شيد، ثم تخلَّى عما أقام وشيد، أو تخلَّى عنه ما أقام وما شيد؛ ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وبم تضطرب الخواطر في نفسه الكئيبة الحزينة: أن للنفوس نظرات قوية حادة تخترق الحجب والأستار، وتبلغ ما في أعماق الضمائر وقرارات القلوب، وأن الناس أرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم صدقي باشا ليروا في نفسه معاني مظلمة قاتمة كأنها أشخاص الحزن واليأس والندم!

إنه ليفكر في خيبة الآمل فتُحدِّثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من خيبة، بأنه طمع فيما لا مطمع فيه، وسعى إلى ما لا يُمكن أن يُنال. إنه سيفكر في قوم أحسن إليهم فأساءوا إليه، ورفق بهم فقسوا عليه، وقدم إليهم الصنيعة فجزوه بالجحود، فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما لقي من الجحود؛ لأنه حمل أصحابه هؤلاء على أن يسيئوا إلى قوم أحسنوا إليهم، ويجحدوا قومًا قدَّموا إليهم المعروف، فهو الذي أغراهم بما يلقى منهم اليوم.

إنه ليفكر في قومٍ تولوا الحكم كرامًا، وخرجوا من الحكم كرامًا، وثبتوا لألوان الظلم والقهر وضروب العنف والعسف، فلم تزدهم المحن على إلحاحها واشتدادها إلا عزة وكرامة وارتفاع شأن، لم تتخل عنهم أحزابهم، ولم يتخلوا هم عن أحزابهم، لم ينصرف عنهم الناس ولم ينصرفوا هم عن الناس، إنما أحسوا من أحزابهم حبًّا وتأييدًا، وأحسوا من الناس إكبارًا وإعظامًا؛ فمضوا في طريقهم أُباة للضيم، وحماةً للمجد، حراصًا على خدمة الشعب، سعداء بثقة الشعب بهم، وتأييد الشعب لهم، واستعداد الشعب لفدائهم بالأنفس والأموال.

فتحدثه نفسه بأنه وحده المسئول عما يحس من لذع الآلام، وحسرة الخذلان، ومضاضة العزلة، وعما يشعر به من أن أحدًا لا يفكر فيه، ومن أنه لا يستطيع أن يفكر في أحد؛ لأنه سلك طريقًا لا تحبها الشعوب ولا ترضاها، وسار سيرة لا تطمئن إليها الأمم، ولا تثق بأصحابها، ولم يدع رجلًا خليقًا بالوفاء وشكر الجميل إلا اصطنع عنده ما لا يدعو إلى وفاء، ولا إلى شكر جميل، ولم يدع رجلًا خليقًا بالجحود والعقوق إلا اصطنع عنده المعروف، وأهدى إليه الإحسان، ولأنه آمن بنفسه أكثر مما ينبغي أن يؤمن الناس بأنفسهم، واطمأن إلى غيره أكثر مما ينبغي أن يطمئن الناس إلى غيرهم، ووثق بالأجنبي أكثر مما ينبغي أن يثق الناس بالأجنبي، وأسلم نفسه للحظ أكثر مما ينبغي أن يسلم الناس أنفسهم للحظ.

فهو خليقٌ أن يجني ما جنى، وهو خليق أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، لا يلم إلا نفسه إن كان قد ألف حزبًا عماده الحكم، فتخلى عنه هذا الحزب حين تخلى عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان قد أقبل على الحكم مناهضًا للشعب، فلم يحفل به الشعب حين أدبر عنه الحكم، لا يلم إلا نفسه إن كان قد أقام حياته السياسية على المداورات والمناورات، وعلى الأثرة وحب النفس، فانتهى من المداورات والمناورات إلى العجز والانقطاع، وانتهى من الأثرة وحب النفس إلى أن فقد حب الناس له وعطفهم عليه.

ما أجدر الناس أن يرسلوا نفوسهم إلى حيث يقيم هذا الرجل ليروا فيم يفكر هذا الرجل، وكيف يشقى هذا الرجل، وكيف يجني هذا الرجل ثمرة ما قدم إلى نفسه وإلى مواطنيه!

إن في هذا كله لعظة لو أن الناس يتعظون، وعبرة لو أن الناس يعتبرون، ولكن أمثال صدقي باشا في الناس كثيرون يغرهم الغرور، وتدعوهم المغامرة فيمضون فيها لا يفكرون ولا يُقدِّرون، حتى تنتهي بهم إلى هذه العاقبة القاسية.

والغريب أن أمثال صدقي باشا لا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يقدم كل واحد منهم وكأن الأيام لم تُلقِ الدروس، ولم تُقدِّم العظات، وكأن الطغاة لم يلقوا عاقبة الطغيان، وكأن المغرورين لم يبوءوا بعاقبة الغرور. إنما الشعوب وحدها هي التي تستفيد من هذه العظات، وهي التي تنتفع بهذه العبر؛ لأنها تنظر فترى أنها أعظم قوة، وأقدر على المقاومة والبقاء والفوز من الفرد مهما يكن، ومهما يعظم سلطانه، ومهما تواته الظروف.

ترى ذلك فتعتز به وتتعزى، وتستزيد به من إيمانها بنفسها، وحرصها على حقها، ومقاومتها للطغاة والظالمين، فإذا كان أمثال صدقي باشا من المصريين لا يتعظون بموعظة صدقي باشا؛ فإن الأمة المصرية كلها متعظة بهذه الموعظة، متحدية الذين سيسيرون سيرة صدقي باشا، كما تحدت صدقي من قبل، واثقةً بأنها ستفوز عليهم كما فازت على صدقي باشا الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.