من الحكايات المعروفة عن الكاتب الفرنسي الكبير «أناتول فرانس» أن كاتبًا ناشئًا قدَّم إليه قصة، ورجاه أن يقرأها، وأن يبدي رأيه فيها، ومرَّ به الشاب بعد شهر يسأله عن القصة، فاعتذر بأن وقته لم يتسع لقراءتها، ومرَّ به الشاب بعد شهر آخَر، فاعتذر مرة أخرى بالعذر نفسه، وفي المرة الثالثة قال فرانس لهذا الكاتب الناشئ: اسمع يا صديقي أقول لك الحق؛ إن الإنسان في مثل سني لا يقرأ جديدًا، ولكن يعيد قراءة ما أُعجب به في الماضي.

وعلى أثر هذا الجواب ردَّ للكاتب الناشئ قصته، وانصرف الشاب، وقد تولاه العجب لجواب فرانس، ولكنه لم يجد عليه ردًّا.

تُرَى هل تصفَّح فرانس بعض صحف قصة الشاب فلم تعجبه، ولم يُرِدْ أن يصارح الشاب برأيه فاعتذر عن الجواب بهذا العذر؟ أم أنه لم يقرأ القصة بالفعل لأنه شُغِل عنها بما هو أهم في نظره منها؟ أم أن اختلاف الجيل بين فرانس وهذا الشاب جعل الكاتب الشيخ الكبير لا يرى من حقه الحكم على ما يبتكره الجيل الذي يليه، وإن أباح الجيل الجديد لنفسه أن يحكم على مَن سبقه من الأحياء، وعلى مَن خلفوا الحياة قبل جيل وقبل أجيال؟

لا يعنيني أن أبحث أي هذه الفروض أقرب إلى الصحة، وقد يكون بعضها، وقد تكون كلها صحيحة، ولكن الصحيح الذي أعتقده هو أن الخلف أكثر جرأة في الحكم على مَن سبقوهم، وأن الذين يتقدمون في السن من الكتَّاب قَلَّما يفكرون في نقد ما يظهر من آثار الشباب. وأنت حين تقرأ ما كتبه أناتول فرانس نقدًا للكتب في الأجزاء الأربعة الأخيرة لكتابه (الحياة الأدبية)، تراه قد نُشِر كله في شباب أناتول فرانس، والأمر كذلك فيما كتبه «حول لمتر» وغيره من النقاد، وقَلَّما تجد كاتبًا يجاوز الأربعين أو الخمسين يعني نفسه بالنقد؛ لأنه في هذه السن يكون أكثر اشتغالًا بالإنتاج الذاتي منه بالتعرض لإنتاج غيره.

وهذا الوضع طبيعي، فالشباب يبذل أكبر العناية في الملاءمة بين ما يحيط به من صور الحياة المختلفة الكثيرة التغير، حتى يكون بينهما من الاتساق ما يجعل الحياة نفسها متناسقة في علومها وفنونها وآدابها واقتصادياتها وما سوى ذلك من مقوماتها. والشباب يحسبون حين يبلغون سنًّا معينة أنهم أتموا هذه المهمة، أو بلغوا منها مبلغًا يرضيهم، وهم لذلك يطمئنون في كهولتهم وفي شيخوختهم إلى لون الحياة الذي أرضاهم، فإذا جاء الجيل الذي بعدهم كانت مقومات الحياة قد تغيرت قِيَمها، وتغيرت نِسَب بعضها إلى بعض، وأصبح لزامًا على هذا الشباب الجديد أن يلتمس الملاءمة بينها، وهذه هي دورة الزمن، وهي جهد الأجيال المتعاقبة.

وتستطيع أن تقتنع بذلك إذا بحثت عن الجهد الإنساني في كل ناحية من نواحي الحياة. خُذْ مثلًا الناحية التي يراها الناس أبعد ما تكون عن التغير — أقصد الناحية الدينية — تجد هذا الجهد المتصل الذي أشرت إليه، وأنت تجده في العقائد كما تجده فيما يعرض الدين له من معاملات الناس، وهذا الجهد هو الذي أنشأ المذاهب المتباينة في الأديان المختلفة، فالبروتستانتية والكثلكة وغيرهما من المذاهب المسيحية نشأت نتيجة هذا الجهد للملاءمة بين ظروف الحياة وبين الآراء السائدة في العصر الذي قامت هذه المذاهب فيه، والمذاهب الإسلامية في الفقه نشأت نتيجة هذا التطور كذلك.

فإذا كان الأمر كذلك في شأن الأديان، فأحرى به أن يكون كذلك وأكثر من ذلك أضعافًا مضاعفة في شئون الأدب، فالأدب أيسر تطورًا، والقصة في الأدب أكثر فنونه تطورًا.

لهذا كان واجب الشباب أن ينقدوا ما سبقهم ما شاء لهم النقد، وكان واجب شيوخ الأدب أن يتابعوا مجهودهم في الإنتاج، لا يقفهم نقدٌ، ولا يثيرهم تعريضٌ، فهذا كله في طبيعة الأشياء، وهذا كله هو الذي يكفل التقدم خطوة بعد خطوة إلى ناحية الكمال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.