وما أكثر ما أُلقي على الإنسانية من دروس! وما أكثر ما يسيء المتشائمون ظنهم بما كان لهذه الدروس من نتائج! فهم يرون الشر عظيمًا، والإثم مسيطرًا، والبغي باسطًا سلطانه على حياة الأفراد والجماعات، فيسرعون إلى التشاؤم، ويسرفون في سوء الظن، ويملئون الدنيا بكاء وعويلًا ورثاء لهذه الإنسانية البائسة اليائسة التي لا تنفعها الذكرى، ولا تصلحها الموعظة، ولا تُنقِّي ضمائرها العِبَر، وإنما تتلقى نُبوَّة الأنبياء وحكمة الحكماء وهداية الهُداة ثم تمضي في طريقها إلى الشر كأنها لم تتلقَّ شيئًا!

واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتشائمين وفلسفتهم، فستظلم نفسك لما تقرأ، وسترى أن الدنيا إنما هي بيئة منكرة للشر والإثم والبغي والعدوان … واقرأ ما شئت أن تقرأ من أدب المتفائلين وفلسفتهم؛ فسترى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن الشر الذي يعرض للناس في حياتهم العامة، أو في حياتهم الخاصة، ليس إلا عارضًا، إن ثقل الآن فقد يَخفُّ غدًا، وأن الحياة منتهية بالناس في يوم قريب أو بعيد إلى أرض يملؤها العدل بعد أن ملأها الجور، ويشيع فيها الخير بعد أن سيطر عليها الشر!

وانظر حولك فسترى شرًّا كثيرًا: تراه فيما بينك وبين نفسك حين تصارع غرائزك، وحين تسعى إلى منافعك، وحين لا تفكر في الخير الخالص إلا قليلًا، وتراه فيما بينك وبين نظرائك حين يكون التزاحم على المنافع، والاستباق إلى المآرب واقتراف الآثار الخطيرة لتحقيق الآمال اليسيرة … وتراه فيما بينك وبين السلطان حين يكون الظلم والبغي والطغيان، وحين يكون الاحتيال لمخالفة القوانين والمكر برجال الدولة، ومحاولة الإفلات من النظام … وتراه فيما بين الشعوب والدول حين يمكر بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويهيئ بعضها لبعض أسباب الحرب يَفتنُّ فيها ما وسعه الافتنان!

ترى هذا كله فتتأثر بتشاؤم المتشائمين، وتسخر من تفاؤل المتفائلين، وتسأل عن حياة الناس: ما قيمتها؟ وما حكمتها؟ وما غايتها؟ وتقف حائرًا مضطربًا تنتظر الجواب على هذا السؤال دون أن تظفر به أو تنتهي إليه!

ولقد تحدث إليَّ صديق بالتليفون فأسأله عن حاله، كما يفعل الناس حين يستأنفون الحديث، فيجيبني: حالي حال اليائس الذي يرى كيف تُقتل فكرة في لحظة قصيرة! أعرفت مصرع غاندي؟! فأجيبه أن الأفكار لا تُقتل يا سيدي، قل: إن غاندي قد قُتل، ولكن حكمة غاندي ودرسه وفلسفته وأثره لا يمكن أن تُقتل، ولا يُدركها الموت.

وقد كان غاندي في الثامنة والسبعين من عمره، وكان من الممكن أن يخترمه الموت قبل هذه السن، وكان من الممكن أن يخترمه الموت في بعض صدمة، وقد زعم أطباؤه وزعم هو أن قد كان من الممكن أن يعيش حتى يتجاوز المائة بأعوام تقصر أو تطول، ولكن المنية لا تشاور ولا تؤامر، وإنما تُلمُّ متى أرادت، ومتى أراد القضاء لها أن تلم؛ فقد عدا عادٍ على غاندي فقتله، وأحزن عليه مواطنيه جميعًا، وأحزن عليه كثيرًا من غير مواطنيه … أحزن عليه الذين يقدرون صفاء النفوس وجمال الروح، والطموح المتصل إلى المُثل العليا، والدعوة المتصلة إلى الخير الخالص؛ فقد كان لهذا كله أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث.

وأبلغ الحزن على غاندي أو أبلغ التقدير له هو أن تنتفع الإنسانية بالدرس القيِّم الذي ألقاه، والموعظة البالغة التي أشاعها … والإنسانية منتفعة بهذه الموعظة وذلك الدرس في غير شك، سواء أرادت أم لم ترد، وسواء تشاءم المتشائمون أو تفاءل المتفائلون؛ فأخص ما تمتاز به الحكمة أنها خالدة لا تموت، وأنها مُصيبةٌ حيث بلغت، ومنتجة حيث استقرت، وأخص ما تمتاز به الفكرة أنها تَقهر ولا تُقهر، وأن سلطانها ينمو ويتسع في غير تناقص ولا تضاؤل ولا ذبول.

وأبلغ درس ألقاه غاندي على الإنسانية المعاصرة والمستقبلة هو هذا الإيمان الخالص الواثق العميق بالحرية، التي لا سبيل إلى أن يقهرها البغي، أو يضائل منها الطغيان، أو تغض منها القوة، مهما يكن البغي والطغيان والقوة! الحرية التي ثبتت للإمبراطورية البريطانية كلها، فلم تبلغ الإمبراطورية البريطانية كلها منها شيئًا! الحرية التي ثبتت لمئات الملايين من أهل الهند فلم تبلغ مئات الملايين منها شيئًا! الحرية التي ثبتت للطبيعة كلها فلم تبلغ الطبيعة كلها في الميدان الروحي منها شيئًا! الحرية التي قالت للإمبراطورية البريطانية: لن تحوليني عما أريد، فلم تستطع الإمبراطورية البريطانية أن تحولها عما تريد … والتي قالت لملايين الهند: لن تحوليني عن الطريق التي أسلكها، فلم تستطع ملايين الهند أن تحولها عن الطريق التي تسلكها … والتي قالت للطبيعة كلها بما فيها من صحة ومرض، ومن قوة وضعف، ومن حياة وموت، ومن رضا وسخط، ومن وفاق وخلاف، ومن إغراء وتخويف، ومن عذاب ونعيم: لن تستطيعي أن تصرفيني عن النهج الذي أنهجه، والغاية التي أسعى إليها، فلم تستطع الطبيعة كلها أن تصرفها عن نهجها أو غايتها.

ودرس آخر ألقاه غاندي، ليس أقل من هذا الدرس بلاغة ولا إبلاغًا، وهو إيمانه بالضمير الإنساني، وبأن هذا الضمير مشترك بين الناس جميعًا، وبأنه من أجل ذلك يمكن أن يتنادى وأن يتداعى، وأن يبلغ بعضه عن بعض، ويتلقى بعضه عن بعض، ويتأثر بعضٌ ببعض … فهو لم يؤمن بحريته وحدها، وإنما آمن بحرية الناس جميعًا، وأنفق حياته مجاهدًا جهاده السلمي الوادع المطمئن ليشعر الناس بحريتهم، ويشيع فيهم الثقة بها، والإيمان لها، والاعتماد عليها … فهو كان يرى الناس كلهم قد خلقوا أحرارًا كما خُلق هو حرًّا، وإنما استشعر هو حريته وآمن لها ووثق بها؛ فيجب أن يستشعر الناس منها مثل ما استشعر، ويمنحوها مثل ما منحها من الثقة والإيمان.

ودرس آخر ليس أقل بلاغة ولا إبلاغًا من هذين الدرسين، وهو إيمانه بأن الضمير الإنساني إنما يتنادى بالحب لا بالبغض، وبالأمن لا بالخوف، وبالسلم لا بالحرب، وبالإخاء لا بالعداء … فهو لا يُبصِّر الناس بحريتهم من طريق القسوة أو العنف أو الجبرية، وإنما يُشعر الناس بحبه لهم وبرِّه بهم وأمله فيهم، ويريد أن يكون لهذا كله صدًى في ضمائرهم يعود إلى ضميره فيكون الوفاق، ويكون الود، ويكون الإخاء، ويكون التعاون على الخير، ويكون الانتصار على الشر مهما تختلف صوره ومظاهره.

فغاندي كان إذن أصدق صورة عرفها التاريخ الحديث لحبِّ الإنسان للإنسان، وثقة الإنسان بالإنسان، والتفاؤل الذي لا ينشأ عن غفلة أو ضعف أو غرور، وإنما ينشأ عن معرفة وقوة وحسن تقدير … فإذا وعى الناس هذه الدروس، وسيعيها كثير منهم؛ فقد ضمن لغاندي ما ضمن للأنبياء والحكماء من الخلود الذي ينفع الناس ويرقى بهم إلى الخير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.