يقول المثل العربي القديم: «إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا.» فقد كان المستر تشرشل ريحًا في الأسبوع الماضي، فلقي من الماريشال ستالين إعصارًا في هذا الأسبوع.

وكذلك يقول المثل العربي القديم: «لا يفلُّ الحديد إلَّا الحديد.» وقد كان المستر تشرشل في الأسبوع الماضي حديدًا، فكان الماريشال ستالين حديدًا في هذا الأسبوع أيضًا. والشيء الواضح هو أن كلمة الحدة التي اتخذناها عنوانًا لهذه الحديث هي الكلمة التي تصور الموقف السياسي العالمي أدقَّ تصوير وأصدقه في هذه الأيام. وهذه الحدة ليست مقصورة على أحاديث المستر تشرشل والماريشال ستالين، ولكنها أوسع من هذه الأحاديث مدًى، وأعظم شمولًا، بل هذه الحدة ليست مقصورة على الأقوال، وإنما تتناول الأعمال كما تتناول الأحداث.

ولولا أننا نعيش في القرن العشرين لكان من الممكن أن نتحدث بلغة القدماء، فنزعم أن حدثًا قد حدث في السماء نشأت عنه هذه الحدة التي شملت أكثر أقطار الأرض. ومن يدري؟ فإن الإنسان لم يؤتَ من العلم إلَّا قليلًا، وهو قد حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء، وعسى أن يكون القدماء لم يخطئوا حين قدَّروا أن فيما يكون بين الكواكب من تقارب وتباعد، ومن قران وفراق دلائل ومقدمات لما يكون في الأرض من خطوب وأحداث. ومهما يكن من شيء، فقد يكون من حق المنجمين أن يفسروا لنا هذه الأحداث على طريقتهم التي لا تخلو من روعة، والتي لا تعدم من الناس من يؤمن بها ويطمئن إليها.

وقد حدثنا أن هتلر كان يستشير المنجمين في القرن العشرين، فمن يدري لعل بين قادة العالم وسادته المنتصرين من يشبه هتلر في تصديق النجوم، والثقة بالمنجمين في هذا وحده لا في شيءٍ آخر.

فمن الواضح المسلم به أن الطغيان والعدوان والظلم والقهر والقسر، كل هذه الخصال قد ماتت بموت هتلر، إن كان هتلر قد مات، أو قل: إنها انهارت بانهيار ألمانيا الذي لم يبقَ فيه شك. ومن الواضح المسلم به أن انتصار الحلفاء أثناء العام الماضي في المشرق والمغرب قد ملأ الأرض عدلًا وأمنًا وسلامًا، كما أشاع فيها المودة والإخاء بين الشعوب. وإذا كانت هناك بوادر تثير القلق أو تشيع الخوف، فإنها ليست على الناس، وليست على المنتصرين منهم خاصةً، وإنما هو على هذه الكواكب والنجوم التي تسير كما أراد الله لها، لا كما يريد لها الناس.

ولو قد استطاع المستر تشرشل — أستغفر الله — فقد أصبح المستر تشرشل لا يستطيع شيئًا … لو قد استطاع المستر إستانلي والماريشال ستالين والمستر ترومان أن يدبِّروا أمر السماء كما يُدبِّرون أمر الأرض، أو أن يقطعوا الصلة بين الكواكب والنجوم وبين هذه الأرض البائسة؛ لاستقامت أمور الناس، ولاستقر بينهم الوفاق، ولزال من بينهم هذا الخلاف الذي يشتد حينًا حتى يخيف، ويلين حينًا حتى يُضحك. ومن يدري لعل المنتصرين أن يجدوا سببًا أو أسبابًا توصلهم إلى السماء، فيُسيِّروا نجومها وكواكبها على ما يشتهون، فقد اتصل الأمريكيون بالقمر، واتصل الأستراليون بالشمس، وأكبر الظن أن الروسيين قد اتصلوا بالمريخ، ولكن الروسيين لا يعلنون أسرارهم إلى الناس. لندع النجوم إذن للمنجمين، ولنعد إلى هذه الأرض البائسة المسكينة التي لم تخلص من حدة الحرب إلا لتشقى بحدة السلم، وإلى أعصاب الناس المساكين الذين لم ترقَأ دموعهم بعد، ويُراد بهم أن يستأنفوا سكب الدموع.

يجب أن يكون في الأرض شياطين يأتمرون بالناس؛ ليجعلوا بأسهم بينهم شديدًا، وليعذبوهم بأيدي أنفسهم. ولست أدري أين يجتمع هؤلاء الشياطين ليأتمروا … أيجتمعون في أعماق البحر الأبيض المتوسط، أم في أعماق المحيط الأطلنطي، أم في أعماق المحيط الهادي، أم على قمة من قمم الجبال، أم في منبع من منابع البترول؟ وأكبر الظن أنهم قد اختاروا لأنفسهم مكانًا مجهولًا، وألقوا من بينهم شُعبًا كثيرة بثُّوها في أقطار البر والبحر، وفي أطباق الجو والفضاء.

وسواء هبطت هذه الحدة المخيفة من السماء أو نجمت من الأرض؛ فإنها شيء واقع لا شك فيه، تظهر آثارها في كل مكان … تظهر في إيران حيث ظنَّ الناس أن الأمور قد استقرت، أو سارت في طريقها إلى الاستقرار بفضل مجلس الأمن من جهة، وتغيير الوزارة الإيرانية من جهة أخرى، وبدء المفاوضات بين موسكو وطهران من جهة ثالثة.

ثم ظهر أن مجلس الأمن لم يصنع شيئًا، وأن تغيير الوزارة لم يُغيِّر شيئًا، وأن المفاوضات لم تنتهِ إلى اتفاق، وأن الروسيين لم ينفِّذوا المعاهدة، ولم يجلوا جيوشهم عن إيران في اليوم الثاني من شهر مارس، بل لم يكتفوا بإبقائها، وإنما أرسلوا إليها الأمداد، وأمروها بالزحف والتحرك؛ لأنها في حاجة إلى شيءٍ من الرياضة.

ومن الطبيعي أن يجنَّ جنون الحلفاء لهذه المخالفة الخطيرة التي أقدمت عليها روسيا، فما ينبغي أن يُتخذ مجلس الأمن هزءًا وسخرية، وما ينبغي أن تُنقض العهود على هذا النحو اليسير، وفي هذا الاستهتار المريب، وما ينبغي أن يعتدي الأقوياء هكذا على الضعفاء في غير خجل ولا حياء.

ولذلك أرسلت المذكرات من لندرة وواشنجطون إلى موسكو تستوضح وتستعلم، وتلفت النظر، وتنبه الغافل، وتحذر الآمن … ولكن هذه المذكرات تصل إلى موسكو، وتبلغ إلى وزارة الخارجية الروسية، فلا تكاد تصل إلى مكتب الرفيق مولوتوف حتى يأخذها نوم عميق، ويطول انتظار الرد في لندرة وفي واشنجطون، ولكن الردَّ لا يأتي؛ لأن المذكرات قد وصلت نائمة إلى وزارة الخارجية الروسية.

وأكبر الظن أن الحكومة الروسية لا تحب الكلام إلَّا حين يكون الكلام مفيدًا ونافعًا، وأكبر الظن أيضًا أن الحكومة الروسية لا ترى أنها في حاجة إلى أن ترد على هذه المذكرات؛ لأن الحقائق الواقعة تنوب عنها في القيام بهذا الرد، فهي لم تجلُ عن إيران لأن البريطانيين لم يجلوا عن اليونان، ولا عن مصر، ولا عن فلسطين، ولا عن العراق، ولا عن أقطار أخرى من الأرض كان يحسن أن يجلوا عنها بعد أن استقر السلم ومُلئت الأرض عدلًا وحقًّا وإنصافًا.

وقد وعد الروس بالجلاء عن إيران، كما وعد البريطانيون بالجلاء عن مصر وعن اليونان. فلماذا يُطالب الروس وحدهم بأن يكونوا أخيارًا أبرارًا منفذين للعهود، موفين بالوعود.

وقد قال البريطانيون: إنهم يقيمون في اليونان برضى اليونانيين، فما يمنع الروس أن يقولوا: إنهم يقيمون في إيران برضى الإيرانيين؟! وقد قال الإنجليز: إنهم سيجلون عن اليونان بعد الانتخابات، فما يمنع الروس أن يقولوا: إنهم سيجلون عن إيران بعد الانتخابات. ويقال: إن الإنجليز يؤيدون أحزاب اليمين في اليونان، ويقال كذلك: إن الروسيين يؤيدون أحزاب اليسار في إيران؛ فالأمور متكافئة تسلط هنا وتسلط هناك، فلماذا يقلع أحد المتسلطين عن تسلطه قبل أن يقلع الآخر! ومن أجل هذا يضيق المختصمون بعضهم ببعض أشد الضيق، فيخرجون من الحوار الهادئ اللين إلى الخصام الصاخب العنيف.

ومن أجل هذا يخطب المستر تشرشل في أمريكا فيقول: إن الشيوعية خطرٌ على الحضارة المسيحية، وإن التحالف بين البلاد التي تتكلم اللغة الإنجليزية شرط أساسي لحماية هذه الحضارة المسيحية من هذا الخطر الشيوعي الخطير، فيتحدث الماريشال ستالين أمس (الأربعاء) بأن المستر تشرشل يذهب مذهب هتلر في الدفاع عن العنصرية الإنجليزية؛ فقد كان هتلر يريد أن يُكوِّن من الذين يتكلمون الألمانية قوة ضخمة تسيطر على العالم، فأصبح مستر تشرشل يريد أن يُكوِّن من الذين يتكلمون الإنجليزية قوة ضخمة تسيطر على العالم.

وإذا كانت الشيوعية الروسية خطرًا على الحضارة المسيحية كما يقول المستر تشرشل، فإن النازية الإنجليزية خطر على حرية الأمم، واستقلال الشعوب، كما يقول الماريشال ستالين، بل يذهب الماريشال ستالين إلى أبعد من هذا؛ فيضرب الأمثال، ويضع النقط على الياءات، فيذكر أن البلاد المحالفة لروسيا أو الخاضعة لنفوذها تقوم فيها حكومات تمثل أحزاب الشعب وأهواءه كلها، على حين أن البلاد المحالفة لبريطانيا العظمى أو الخاضعة لنفوذها تقوم فيها حكومات تمثل الأقليات المحافظة والرجعية.

بل إن بريطانيا العظمى نفسها — في رأي الماريشال ستالين — يحكمها حزب واحد مهما يكن حظه من رضى الشعب فهو لا يمثل هذا الرضى كاملًا؛ لأن هناك أحزابًا أخرى قائمة لا تشارك في الحكم، ولا تساهم في تدبير الأمور. ولا يكتفي الماريشال ستالين بهذا، بل يتهم المستر تشرشل زميله في مؤتمر طهران والقرم وموتسدام، وفي تدبير شئون الحرب وجني أكاليل النصر … يتهمه بالنفاق، نعم بالنفاق لا بشيء أقل منه ولا بشيء أكثر منه، وأي شيء أكثر من النفاق؟! والمستر تشرشل منافق عند الماريشال ستالين؛ لأنه في خطبة واحدة يحرض على روسيا، ويدعو إلى أن تمد المعاهدة بينها وبين الإنجليز إلى خمسين عامًا.

وكذلك تبلغ الحدة أقصاها بين الحليفين العظيمين: حدة في الأقوال، وحدة في الأعمال، وحدة في تقدير الأمور. والناس يرون ويسمعون ويشعرون ويسألون أنفسهم وقد ملأ قلوبهم الخوف: أليس هناك شَبَهٌ قويٌّ بين هذه الحدة التي تُنهك الأعصاب وتُخرج الشعوب عن أطوارها، وبين حدة أخرى كانت تُنهك الأعصاب وتُخرج الشعوب عن أطوارها قبيل الحرب العالمية الثانية؟!

أيُمكن أن تنتج هذه الحدة ما أنتجته تلك الحدة! أيمكن أن يدفع العالم إلى حرب ثالثة؛ لأن المنتصرين لم يتفقوا على تنظيم النصر، واقتسام غنائمه، كما اتفقوا على تنظيم الحرب وإكراه العدو على الاستسلام؟!

كل شيء ممكن، ولكن للإمكان حدوده، فقد تحتاج الشعوب إلى راحة تقصر أو تطول قبل أن تستأنف الحرب الثالثة، وقد تعتدل النجوم والكواكب في السماء، فتعتدل أهواء الناس وشهواتهم في الأرض، وقد ينقسم الشياطين المؤتمرون على أنفسهم، ويشغلون بما يثار بينهم من خلاف؛ فتجد الإنسانية وقتًا تستريح فيه وتستمتع بالأمن والسلم حينًا، وقد يُنزل الله السكينة على الناس فيحبب إليهم العدل، ويُزيِّن في قلوبهم الإنصاف، ويصرفهم عن الجور والعسف، ويقنع بريطانيا العظمى وروسيا وأمريكا بأن الإنسانية قد بذلت من التضحية في الحربين الماضيتين ثمنًا غاليًا تستحق بعد بذله أن تستمتع بشيءٍ من السلام النقي البريء.

كل شيء ممكن، ولكن من الممكن أيضًا أن تظل الإنسانية خائفة هلعة جزعة حتى يتغير الليل غير الليل، ويتغير النهار غير النهار، وتسلك الشمس وغيرها من الكواكب طريقًا أخرى غير هذه الطريق التي سلكتها منذ كان العالم.

هنالك يشعر الناس بأن العالم قد تغيَّر حقًّا، وبأن من الطبيعي أن يتغيروا كما تغير العالم، وأن يسلكوا بحضارتهم وآمالهم طريقًا غير هذه الطريق التي سلكها الناس منذ كان الناس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.