نوع من الجدل ليس له أوان، لأنه في كل أوان يقوم على دعوى صاحبه ولا يستند إلى دليل.

ذلك النوع من الجدل هو نوع «التعالي» الرخيص الذي يطيب لبعض الكتَّاب أن ينتحلوه على حساب الكتَّاب الآخرين، ويحسبون أنهم بغير حاجة إلى مسوغ له غير قولهم بألسنتهم إنهم هم وحدهم يكتبون للبحث العلمي ويعرفون أدب المناظرة، وأن الكتَّاب الآخرين من جميع الأطراف يخرجون على هذا الأسلوب ويهددون حرية الرأي بالاتهام والإرهاب والانفعال وتجاوز العقل في سبيل العاطفة والشعور.

سألتني «مجلة آخر ساعة» رأيي في استباحة كرسي الجامعة للتطاول على نخبة من أعلام الإصلاح في مصر، وتلويث أسمائهم وتواريخهم وتواريخ الأمة كلها في عصرهم بألوان من الأباطيل لم يقم عليها دليل، وأولها تهمة الخيانة والغدر بالبلاد.

وكان جوابنا لهذا السؤال تحقيقًا تاريخيًّا لمصادر الحملة على الإصلاح من جانب دسائس القصور في يلدز وعابدين، ومن جانب أنصار الجمود الذين يعارضون الإصلاح في كل زمن، عن جهل وسوء نية أو عن غفلة ومجاراة … وكان تفنيد الأباطيل المفتراة على أولئك الأعلام قائمًا على أوضح الحقائق في تفنيد الدعاوى الباطلة جميعًا، وهما حقيقتان بسيطتان؛ أولاهما: غياب جسم الجريمة كما يقولون في لغة القانون، والأخرى: انتفاء كل مصلحة أو منفعة في الخيانة، بل تحقق الضرر الذي أصاب أولئك المصلحين من أعداء الحرية وأعداء الإصلاح، ويلحق بذلك بيان المنفعة الظاهرة أو الخفية التي ينتفع بها المطبلون والمرجفون، هي وحدة الأسباب التي عرضت المفترى عليهم كافة للكيد المبيت بصفة خاصة من جانب الجمود وجانب سماسرة القصور.

وكان من حقنا — لو كان الأمر يعنينا — أن ننتظر الشكر على جلاء هذا الموقف التاريخي الدقيق من أولئك الذين يقولون إنهم يبحثون عن الحقيقة ويطلبون الدليل عليها، ولكن الرجل الذي يُسمعنا دائمًا أنه يتحرى البحث العلمي ويُعلم الآخرين كيف يبحثون عنه لم يتلفت إلى ذلك، أو التفت إليه ليسمعنا مرة أخرى حديثًا عن البحث العلمي وعن الكتَّاب الذين يلقي عليهم دروسه، فكتب يقول ما تعودنا أن يقال على هذا المنوال في كل مجال.

وقد عرف القراء — ولا شك — من هو الكاتب الذي تغني الإشارة إليه عن تسميته في هذا المقام … ومع هذا فنحن نسميه اليوم ونلقبه اليوم بلقبه الصحيح بدلًا من لقب «الدكتور» الذي أخطأنا فيه … فهو الأستاذ محمد زكي عبد القادر، حفظه الله.

ولسنا نعيد هنا نصًّا من نصوص الكلام الذي كتبناه في تحقيقنا التاريخي عن مصادر الحملة على أعلام الإصلاح في تاريخنا الحديث، فإن المقال بين أيدي من قرءوه ويعنيهم أن يعرفوا موضع الخطأ أو الصواب فيما ادعاه عليه الأستاذ الباحث، كما ادعاه على مقالات المنصوح لهم أجمعين.

ولكن المقام هنا مقام الأسلوب الذي يريد الأستاذ «محمد زكي عبد القادر» أن يقرر أوانه ليرجع عنه الكتاب أو ليرجعوا إليه هو قبل سواه.

فلا جدال — على أي نوع من أنواع الجدال — في أسلوب واحد ليس له أوان على الإطلاق، ولا سيما إذا وقف به الكاتب موقف التعالي على الجميع وإملاء الدروس على الجميع: وهو الأسلوب الذي يقوم على دعوى صاحبه واتهام سواه بغير دليل على الدعوى ولا في الاتهام.

فمجرد القول بأن الكاتب يتحرى البحث العلمي لا يعطيه هذه الصفة ولا يجرد الآخرين منها.

ومجرد القول بأنه يتجنب الاتهام والانفعال لا يسمح له بعد ذلك أن يقول كل ما يقوله المتهم المنفعل وهو في حل من الصفات التي يصف بها الآخرين.

والأستاذ زكي عبد القادر قد حكم لنفسه وحكم على الآخرين ولم يأت بشاهد واحد من شواهد الإثبات في أقوال أولئك المتهمين أو المنصوحين.

وأيسر ما قاله عن أولئك الآخرين: «وأنهم «كادوا» أن يأتوا بكلام «يصح أن يسمى» إرهابًا أو حجرًا على حرية الآراء.»

وإن هذا النوع من الجدل «ربما كان العصر يسيغه منذ خمسين سنة أو ثلاثين سنة، ولكنه لم يعد مستساغًا في هذا العصر الذي حلت فيه الجدية في الفهم والإدراك محل العاطفة والانفعال.»

وإن الكتاب الآخرين «حاولوا استعداء السلطات على النشار».

ومن الواضح أن البحث العلمي لا يثبته أن يتخلل الكلام كثير أو قليل من كلمات «ربما، ويصح أن يقال، وأكاد أن أقول».

وأوضح من ذلك أن الأوصاف تسيء إلى من يتصف بها ولو جاءت مسبوقة بكثير أو قليل من «لعلي أرى» و«يوشك أن يخطر على البال» أو «خطر على البال إلى حد محدود …»

ومن المحقق أن الأستاذ زكي عبد القادر لم يسمع في حياته القضائية أن «مدعى عليه» بريء في قضية من القضايا لأنه قال للمدعي: «أكاد أن أرى أنك كيت وكيت وكذا وكذا» مما يعاقب عليه القانون …

والأستاذ زكي عبد القادر قد قال غير مرة إنه يحقق البحث العلمي، ولم يحقق في هذه المسألة شيئًا بدليل غير ما ادعاه! وقد قال غير مرة إنه يتجنب الأوصاف الانفعالية، ولكنه خاض في هذه الأوصاف ورمي الآخرين بمجافاة البحث، والإرهاب، وبالتأخير عن الزمن، وبالهستيريا وبالتشنج، ولم يأت بشاهد واحد من أقوالهم يقنع الناس غير مطالبتهم بالتسليم والتأمين.

وهذا هو النوع من الجدل الذي ليس له أوان.

أما الجدل الذي فات أوانه منذ خمسين سنة، أو ثلاثين، فذلك هو الجدل الذي «ربما رأى الأستاذ إلى حد محدود أنه جدل الرجل الذي يصح أن يقال إنه متأخر عن الزمن، وهو يجوز أن يكون عباس العقاد.»

… وعند هذا نستأذن الأستاذ في وقف الإرسال لحظةً لنسأل القراء سؤالًا نتولى نحن الإجابة عنه بالأسلوب الذي يرتضيه، ونحاول جهدنا أن نستلهمه من الله بالتوسل والدعاء، وهذا هو السؤال:

ما هي «العصرية» التي يتخلف بها عباس العقاد عن زكي عبد القادر خمسين سنة أو ثلاثين سنة أو ثلاث سنوات؟

قولوا، ولا حرج عليكم معشر القراء من التشنجات والانفعالات، ولا من الأساليب التي لا يكتبها ولا يلفظها ولا تؤثر فيه.

ولقد أجاب القراء المسئولون على عهدتي، ولكنني سمعت من همساتهم بعد كثير من الربمات واللعلات حديثًا عن العنب الحامض … وعن الحامض جدًّا في بعض الروايات.

ولا أعزم على الأستاذ عبد القادر أن «يجرب» عنبةً واحدة من تلك العناقيد الحامضة جدَّ الحموضة.

فإنه لا يستطيعها ولا يحاولها ولا يذوقها ولا يقبلها ولا يتناولها ولا تؤثر فيه …

***

في بريد واحد وصلت إلي ثلاث رسائل في قافية الأزياء والملابس …

إحداها من السيد صلاح الدين إسماعيل يقول فيها: «إن ذكرى قاسم أمين تمر هذه السنة في سكوت، وهو سكوت من ذهب … لما يشكوه الناس من أثر الدعوة إلى رفع الحجاب، لأنها انتهت إلى تبرج فاضح عند طائفة من النسوة المتبجحات «تضج منه الأسر الشريفة» وإن الأمر يتطلب أن تشن عليه حملة دعائية ولو اقتضى هذا الأمر تخصيص أسبوع لذلك.»

والرسالة الثانية من السيد محمد فريد طاهر (بشارع منصور محرم بك) يحمل فيها على القمصان المزركشة التي يلبسها بعض الشبان، ويقول إنها أحرى أن تسمى البلوزات، وأنه يشعر باشمئزاز كلما رأى شابًّا يخرج إلى الطريق بقميص من تلك القمصان لأنه استهتار بالأخلاق وليس غاية ما فيه أنه استهتار بمظهر الكساء.

وأرى أن هذه الشكوى من جانبين متقابلين خليقة أن تنبهنا إلى الناحية التي أغفلناها كثيرًا بين نواحي مسائل الأزياء و«الموضات» على كثرتها.

فنحن كلما شكونا زيًّا من الأزياء الفاضحة حسبنا أن المسألة مسألة إفراط المرأة في حريتها أو مسألة تفريط الرجل في حقوقه … ولكن ماذا نقول في قمصان الرجال التي يقول السيد محمد فريد طاهر — بحق — إنها أحرى أن تسمى بالبلوزات؟

لا محل هنا للشكوى من إفراط المرأة في حريتها أو تفريط الرجل في حقوقه، فإن المسألة تنتقل في هذه الحالة من جانب حقوق الجنسين إلى جانب «الذوق» الذي يعم من يعمهم من أفراد الجنسين، ولا يصح فيه أن يقال إنه ذوق يجهل مطالب الحياء، إذ الواقع أنه يبحث عن هذا الحياء ليتحداه بالاستفزاز والتعمد، ويعلن عن نفسه بمقدار اجترائه على التحدي والاستفزاز.

ونحسب أن «موضة» «الجاكتة» الأخيرة التي يعلقها الرجال على أكتافهم قد أخجلت تواضع الشوال وعلمته أنه لا يتسع للشيء الكثير من قلة الحياء التي تتسع لها «الجاكتة» بعد أن صارت إلى ما صارت إليه …

وإلى من صارت هذه الجاكتة أو هذا «الكرك» الرجالي الحديث؟

لقد صارت إلى لباس للإبط والخصر بعد أن سماها الألوف حين اخترعوها باسم «السترة» … فهي اليوم أولى باسم الفضيحة يفضحها الله! …

ولقد صارت إلى زي في الشارع كزي راقص «كارمن» على المسرح في عدة مصارع الثيران.

وقد يكون للبواعث الجنسية شأنها في ترويج هذه الأزياء من كلا الطرفين، ولكن الشأن الأكبر فيها ولا شك إنما هو شأن الأذواق المريضة التي تصيب «الشخصية» بالضمور وشعور الإهمال بين الناس، فلا تبقى لها بقية لإثبات وجودها التافه غير التحدي بالابتذال وفقدان الحياء.

إن الزي المبتذل الذي يتعمد إعلان الابتذال له معنى واحد، ومعناه الواحد لسان الحال أن لابسه يقول: «أيها الناس! إنكم لا تستطيعون أن تهملوا هذا الإنسان المهمل في ذاته على الرغم منه، لأنه يرغمكم على الالتفات إليه لتقولوا بينكم وبين أنفسكم إنه مخلوق ضائع لا يبالي الذوق ولا يبالي الحياء ولا يبالي الإهمال.»

***

بقيت الرسالة الثالثة من الرسائل الثلاث التي قلنا إنها وردت إلينا مع بريد واحد في قافية الأزياء والملابس.

ولكن الرسالة من حرف آخر في القافية، وهو حرف الصحافة والذوق اللغوي، ولا علاقة له بحرف الشكوى من أمراض الجنس والأذواق.

ومدارها على كلمة وردت في العدد «رقم ١٤٣٩» من آخر ساعة تحت صورة رجل «يرتدي الجزمة التي ستحميه من البلهارسيا».

ويقول الطالب الحقوقي «محمد موسى بيومي» إنه تعود أن يقرأ أن فلانًا يرتدي الحلة أو يرتدي الجلباب … أما أن يرتدي الجزمة فهو تعبير لم يسمعه من قبل … فما هو التعبير الصالح في مثل هذه الجملة؟

ونقول للطالب الأديب إنه على حق في استغراب رداء الجزمة لأن الحذاء ليس برداء، وقد يكون الانتعال — أي لبس النعال — أصلح للتعبير في مثل تلك الجملة، مع قبول العذر للكاتب إذ قال إنه يرتفع بالقدمين إلى مقام المساواة مع سائر الأعضاء لابسات الرداء، أو قال مع الشاعر:

خَيْرُ أعضائِنا الرُّءوسُ ولَكِنْ

فَضَلَتْها بقَصْدِكَ الأقْدامُ

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.