تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تَزيُّد إنَّها في هذه الأيام تملأ الدنيا، وتشغل النَّاس كما كان يُقال عن شاعر عربي قديم. فليس في الأرض حكومة إلا وهي تُعنى بشئون مصر؛ تتلقى أنباءها، وتدرسها درس التعمق والاستقصاء، وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة، والشرق الأدنى بوجه عام.

وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر، يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء، ويسمعها من الراديو في كلِّ ساعة من ساعات الليل والنهار، فيأخذه العجب أحيانًا كثيرة، ويأخذه الإعجاب أحيانًا أخرى، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى، وفنون من الحب والبغض، وضروب من الرجاء والخوف …

قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر، ويؤثر القصد فيما يُعلق به على الأنباء، وكثير منها يفكر في إثارة القراء، وإطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يُفكِّر في الصدق والقصد.

وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر في هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية، فإذا أصبحتُ قرأ عليَّ صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا، وإذا انتصف النهار حمل إليَّ البريد طائفة من صحف فرنسا، وإذا كان المساء حمل إليَّ البريد قصاصات كثيرة، وأطرافًا مختلفة من صحف روما وباريس … وقد شُغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن أفرغ له، وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرءها في هذه الأيام.

ومع أنَّي كغيري من المصريين يُعجبني أن تملأ مصر الدنيا، وتشغل النَّاس، ومع أنِّي كغيري من المصريين فخور معجب بأنَّ مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلًا رائعًا بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذي يملؤه الوقار والجلال، وبين العنف الحازم النَّقِي الذي يُحطِّم الظلم، ويرسل ملكًا إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم، ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد، مع أنِّي كغيري من المصريين في هذا كله، فإنِّي أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالًا فيها غيظ شديد، وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رءوسهم، ويتبعون أهواءهم، ويرسلون خيالهم إلى غير غاية، ويقولون لقرائهم كلامًا أقل ما يوصف به أنَّه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة، ولا عن قلوب سليمة، ولا عن نيَّات مخلصة للحق، فكثير من الصُّحف الباريسية مثلًا لا تستطيع أن تُخفي إشفاقها من الثورة المصرية؛ لا لأنَّها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم في مصر، فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين، وعلى تلك المصالح؛ لأنَّ القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمَّن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم، ولأنَّ الأمور جرت في مصر على خير ما يُحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية؛ ولكن لأنَّها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلًا لثورات أخرى تحدث في بلاد أخرى غير مصر.

والفرنسيون يقاسون هولًا أي هول في الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها، وهم يقاسمون همًّا ثقيلًا في تونس، وعناء مبرحًا في مراكش، وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأنَّ مصر تحتل مكان القدوة في العالم العربي، فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزرًا، وكل شيء يدل على أنَّهم غير مخطئين في هذا الإشفاق.

فلم تكد مصر في أواخر العام الماضي تُظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية، وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل.

وكثير من الصحف الفرنسية لا تُظهر عطفًا على الملك السابق بمقدار ما تُظهر العطف على الإنجليز؛ ذلك لأنَّ أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد، ولكن أمر النفوذ البريطاني يعنيهم كلَّ العناية؛ لأنَّه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذانًا بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية.

والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكي في هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام؛ ذلك لأنَّ الأمريكيين لا يُريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز، ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين؛ وإنَّما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسي، وأقصى ما يُمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادي الذي ينفع ولا يضر.

ومن أطرف ما قرأت في صحيفة فرنسية معتدلة ولكنَّها محافظة، أنَّ الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي؛ لأنَّهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي.

والصحيفة الفرنسية ترى أنَّ الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك، فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتِهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة، وإنَّما أتتهم من الضباط الفرنسيين، والشيء الذي لا شك فيه هو أنَّ كُتَّاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة، وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث، ويعرفون أنَّ مصر في النصف الأول من القرن الماضي قد كان لها جيش فعل الأفاعيل، وأقام أوروبا وأقعدها، وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم في أنَّه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية، وهم يعلمون فيما يعلمون أنَّ جُنود الجيش المصري الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أَنشئوا جيش محمد علي وإبراهيم.

ومن أطرف ما قرأتُ كذلك في صحيفة فرنسية أخرى أنَّ أربعة أخماس الشعب المصري نهبٌ للعلل المهلكة … فأربعة أخماس الشعب المصري إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة … وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء، ولا تصلح لشيء؟ والمصريون جميعًا يعرفون أنَّ حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق، وهم إنَّما يثورون اليوم ليُحقِّقوا الإصلاح الذي حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه، ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء، ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر.

والغريب أنَّ كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها، ورأى أبناءها في المدن والقرى، وعرف أنَّهم — والحمد لله — بعيدون جدًّا من هذه الحال التي صورهم فيها، فالذين يسعون في القاهرة والإسكندرية وفي مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعبًا مريضًا متهالكًا، وإنَّما يرون شعبًا قويًّا نشيطًا يعمل ويجدُّ ويكدُّ ويكسب لبلده مركزًا ممتازًا في الاقتصاد العالمي، ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم، لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن؛ ولكنَّ الهوى يُفسد على العقول حسن تقديرها للأمور، وحكمها على الأشياء، والواقع أنَّ على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم في أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي، ويحكموا عليها حكمًا مستقيمًا، ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى، ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مُبرَّأة من الخوف والطمع؛ لعرفوا أنَّ مصر إنَّما تُمثِّل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثَّلته هي في الغرب في أواخر القرن الثَّامن عشر، مع فرق خطير جدًّا؛ وهو أنَّ مصر لم تسفك دمًا، ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى.

طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فصنع الشرق العربي كله صنيعها، وطالبت مصر بالحياة الدستورية في أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور، وصنعت بلاد الشرق العربي صنيعها، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية، وطالبت مصر باستكمال استقلالها في أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربي في شمال أفريقيا، وأخذت تُطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية.

فالذي تفعله مصر، وتفعله الآن في العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضي في العالم الأوروبي.

ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب، لا نظرة شكٍّ وخوف وإشفاق، ولأطالوا النظر في المرآة المصرية؛ ليروا فيها أنفسهم، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية في سبيل الحرية والإخاء والمساواة. ولكنَّ الهوى يطبع على القلوب، ويُغشي الأبصار، ويحجب نور الحقِّ عن العقول، ويُنسي أصحابه كلَّ شيء حتَّى التَّاريخ القريب.

ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر، وعلى ما يُشيعون عنها من مقالة السوء، ولكنَّ من الحقِّ علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا، فنحن أول من يسيء الظن بمصر، ويشيع عنها مقالة السوء، ويكفي أن نذكر كتابًا رسميًّا رفعه بعض رؤساء الوزراء السابقين إلى الملك السابق، لنعلمَ أنَّ المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات، ويكفي أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أنَّ كلَّ ما نُشر في مصر، أو يُقال يُسجَّل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق، وعند مراسلي الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألمَّ بها، فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة، وأشدها نكرًا في الوثائق الرسمية أولًا، وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك، وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا؛ لأنَّهم لن يكونوا أشدَّ إنصافًا لنا من أنفسنا.

إنِّي لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة، ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجي، قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم، وردت إليهم شيئًا من التفاؤل الذي يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلًا نقيًّا كريمًا، يستحق أن يُحبَّه أبناؤه ويكرموه ليحبَّه غير أبنائه ويكبروه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.