قال صاحبي: لقد أقبلتُ ألتمسُ الرَّاحة من عناء العمل، وأُسَرِّي عن النفس بعض هموم الحياة، وأغسل قلبي من أوضار الحضارة، هذه التي تعلق بأسلوب الناس حين يضطربون في إرضاء الحاجات وتحقيق الأغراض وقضاء الأوطار وكنتُ أظن أنَّ ساعات قليلة في هذه البيئة الجميلة ستبلغني من هذا كله ما كنت أريد.

ولِمَ لا؟ وكل شيء هنا يدعو إلى راحة الجسم، وبراءة النفس وطهارة القلب، ونقاء الضمير، جو كله صفو وصحو، تنتثر فيه بين حين وحين سُحب ضئيلة مُتفرقة لا تَحْجِبُ الشمس، ولكنها تُصَفِّي ضوءها تصفية، وتُخفِّف من حرها ما هو خليق أن يؤذي الأجسام.

ونسيم هادئ رقيق يضطرب خفيفًا شيئًا في هذا الجو؛ فيبعثُ في الجسم نشاطًا غير عنيف، ويبعثُ في النَّفس حياة هادئة مُطمئنة إنْ دعت إلى شيء فإنَّما تدعو إلى الحديث الهادئ المُطمئن، والتفكير المُستأنس البطيء، ونخل باسقات يحسن النظر إليها، وقد تخففت من إثمارها كما كان النظر يحسن إليها حين كانت مُثقلة بهذه الأثمار.

وأطلال بالية قد تناثرت فيها الآثار المُختلفة ومَرَّت عليها العصور المُتطاولة، فأفنت منها ما أفنت، وأبقت منها ما أبقت، وقل عمل العلماء في استكشاف هذه الآثار، واستخراج ما استقرَّ منها في جوف الأرض؛ فهي تُثير في النفس عبرة وموعظة، وهي تثير في النفس إكبارًا وإعجابًا، وهي تثير في النفس رضًا واطمئنانًا، وهي تثير في النفس مع هذا كله قليلًا من حزن وكثيرًا من حنين.

وقد أقبلت جماعات من الأجانب المدنيين والعسكريين؛ تزُور هذه الآثار، أو تتخذ من زيارة هذه الآثار نقلة لالتماس الرَّاحة التي ألتمسها أو لالتماس اللهو الذي لا يلمسه، وهي على كلِّ حالٍ مُنْتَشِرة حول هذه الآثار مُتفرقة في أثنائها تتنادى وتتجاوب وتتضاحك، ويلهي بعضها بعضًا باللحظ واللفظ، وبغير اللحظ واللفظ من ألوان الإشارة والحركات.

ما أَجْمَل هذه البيئة وما أجدرها أنْ تُحَقِّق لنفسي ما ابتغت من راحة، وترد عليها ما فقدت من نشاط، وما أجدرها أنْ تَقرَّ هذا القلب المُضَّطرب، وتهدئ هذه النفس الثائرة، وتهيئتي العمل تهيئة حسنة وترُدُّني إليه جذع البصيرة قارع الأقدام، كما قال الشاعر القديم.

ولكني أعود إلى المدينة كما تركتها مُثقل النفس بالهموم؛ مُفْعَم القلب بالأحزان، ضيقًا بالحياة والأحياء، زاهدًا في الحياة والإحياء، لم ينجلِ عن قلبي كدره، ولم تسر عن نفسي همومها، ولم يبلغ ضميري من الصفاء والنقاء ما كنت أحب، وإنما هو شاحب كئيب كأنما عكس الأصيل عليه ما يشيع فيه من الكآبة والشحوب، وكأنما أحاطت به هذه الظلمات التي تُرسل طلائعها لتَمْحُو منَ الأرض آية النَّهار المُبْصِر شيئًا فشيئًا، ولتنتشر على الأرض آية الليل المُظلم قليلًا قليلًا.

قلتُ لصَاحِبي: لقدْ شعرت منذ اليوم وما عرفتك شاعرًا، فما ذاك! قال صاحبي: لا أدري، ولكني شُغلتُ بأهل هذه البيئة عن البيئة نفسها، ورأيتُ مِن أمر هؤلاء النَّاس الذين يعيشون في هذه البيئة ما لم يرَ هؤلاء السَّادة الذين أقبلوا يَلتَمِسون الرَّاحة، ويبتغون اللذة ويطلبون نعيم الحياة.

قلتُ لصَاحِبي: فإنك ترى هؤلاء النَّاس في كل يوم، وإنك تراهم في كل مكان، ولستُ في حاجة إلى أنْ تترك القاهرة؛ لترى من أمر الناس ما يسرك أو ما يحزنك؛ ففي القاهرة من أمر الناس ما يسر، وإن كان قليلًا، وفي القاهرة من أمر الناس ما يُحزن، وإن كان كثيرًا، فلم يسؤك ما ترى من أمر الناس الآن، مع أنَّه لم يسؤك أمس، ومع أنَّه لن يسؤك غدًا في أكبر الظن؟

قال صاحبي: لأني شُغلتُ عن الناس أمس وسأُشغل عنهم غدًا بما أنا معني به من أمور الحياة، وقد خرجت من القاهرة اليوم أريد أن أفرغ لنفسي؛ فقام هؤلاء الناس بيني وبين نفسي فشُغلت عنها بهم، وانصرفت عنها إليهم، وقضيتُ ساعات كنتُ أُقدِّر أنها ستحلو وتصفو وتروق؛ فإذا هي مُرة أشد المرارة كدرة أشد الكدر مُؤذية أشد الإيذاء.

قلت لصاحبي: فإنك في حاجة شديدة إلى أن تخرج من القاهرة بين حين وحين؛ تلتمس الفراغ لنفسك فيحول أمر الناس بينك وبين نفسك فتضطر إلى أن تفكر فيهم، وتعنى بهم وتتحدث عنهم. لعل هذا كله أن يحمل بعض أصحابك على أن ينهجوا نهجك، ويسيروا سيرتك، ويُفكروا في أمر هؤلاء الناس، ويختصوهم بشيء من العناية.

فما أشد حَاجتهم إلى فضل من العناية بهم، وقليل من التفكير فيهم، وما أشد بخلنا عليهم بحقهم من العناية والتفكير، وليس أمرك هذا الذي تحدثني به طريفًا ولا غريبًا، وإنَّما تُذكرني الآن شأنَ كثير من أهل القاهرة والإسكندرية، أُولئك الذين أزعجتهم نُذُر الحرب عن القاهرة والإسكندرية؛ فهاجروا إلى الريف وحاولوا الإقامة فيه، ثم هاجروا من الريف وآثروا القاهرة والإسكندرية على ما يشيع فيهما من نذر الحرب، وما قد يلم بهما من هول الحرب، آثروهما على الإقامة في هذا الريف؛ لأنَّهم رأوا ما لم يكونوا يظنون أنهم سيرون وأحسوا ما لم يكونوا يقدرون أنهم سيحسون، ولأنهم قبل كل شيء وبعد كل شيء حُرموا ما لم يكونوا ينتظرون أنهم سيُحرمون.

ألم يتحدث أحدهم إلى المُقطم منذ شهور بأنه يؤثر العودة إلى القاهرة على الإقامة في الرِّيف؛ لأنه لم يجد بين أهل الريف ما تعوَّد أن يجد في العاصمة من طيبات الحياة. ونشرت المُقطم حديثه ذلك مُفصلًا تفصيلًا مُضحكًا مُؤلمًا حقًّا. وما رأيك فيمن يُؤثر نذر الحرب وأهوالها على طنين البعوض ولسعه في الرِّيف، وما رأيك فيمن لم يستطع أن يصبر عما تعود أن ينعَم به في القاهرة من لذات الطعام والشراب، ومن هذا الترف الذي يجده الأغنياء حين يستقرون في دورهم ويأوون إلى مضجاعهم، وحين يضطربون في هذه الشوارع النظيفة الجميلة التي يكثر فيها النشاط وينتشر فيها ما يملأ النفوس بهجة وسرورًا.

ما رأيك فيمن يتحدث بهذا كله، ويقبل أن يُنقل عنه، ويذاع هذا كله ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا خليقًا فيما يظهر بالنِّسيان، وهو أنَّ في هذا الرِّيف ملايين منَ المصريين يُقدمون أجسامهم الغليظة الخشنة مَرتعًا للبعوض، ويحرمون لا أقول طيبات الحياة الناعمة ولذات العيش الغض، وإنَّما أقول إنهم يحرمون ما تكون الحياة به حياة، يحرمون ما يُقيم الأود ويُبِلُّ الظمأ، ويُمكن الإنسان من أنْ يشعر بأنه إنسان يستطيع أن يفرغ لنفسه بين حين وحين، وأنْ يفكر في نفسه بين حين وحين.

وهم مع ذلك لا يُهاجرون من الريف ولا يَضِيقُون بالحياة في الرِّيف، وإنما قاموا في الرِّيف راضين عنه أو ساخطين عليه، ولكنهم مُذعنون لقضاء الله على كل حال، إنَّما أنت يا صاحبي كهؤلاء الذين لم يعرفوا الريف وآلامه إلا حين أزعجتهم الحرب عن المدن؛ فلما ذاقوا ما في حياة الريف من ألم لم يستطيعوا فيه إقامة ولا استقرارًا.

وأظرف ما في الأمر وأطرَفه أنَّ هؤلاء السادة الذين أقبلوا على الرِّيف ثم أعرضوا عنه لم يفكروا في أهل الريف وإنَّما فكروا في أنفسهم، لم يألموا لأهل الريف، وإنما أهمتهم أنفسهم؛ ففروا بها إلى الحواضر التي يجدون فيها ما لا يستطيعون الاستغناء عنه من نعيم الحياة.

قال صاحبي: وأطرف من هذا كله وأظرف في أنَّ هؤلاء السادة لم يُفكروا في أنهم مدينون بسعادتهم لشقاء أهل الريف، ومدينون بترفهم لشظف أهل الريف، ومدينون بشبعهم ورِيهم لما يجد أهل الريف من الظمأ والجوع. لم يفكروا في هذا ولا في بعضه وإنَّما فكروا في أنفسهم، وشغلهم ما حُرِمُوا من لذات الحياة وطيبات العيش؛ فعادوا إلى الحواضر مُسرعين، ولم يكادوا يجدون ما فقدوا حتى نسوا الريف وأهل الريف، وأقبلوا على حياتهم الراضية النَّاعمة يستمتعون بها، ويَمضون فيها لا يذكرون أحدًا ولا يذكرون شيئًا، كأنهم لم يروا أحدًا ولم يروا شيئًا، وكأنهم لم يشهدوا في الرِّيف من البؤس ما تَسْتَحي نفس الرَّجل الكريم حين تراه أن تذوق طعم النَّعيم رحم الله أبا العلاء حين قال:

ولو أني حبيت الخلد فردًا

لما أحبيت بالخلد انفرادا

فلا هطلت علي ولا بأرضي

سحائب ليس تنتظم البلادا

قلتُ لصاحبي: ولم تريدهم على أن يذكروا ذلك ويفكروا فيه وهم إنْ ذكروه تألموا له، وما ينبغي لهم أن يتألموا، وما قيمة الحياة إذا شاع فيها الألم، وهم إن تألموا لذلك فقد ينغص عليهم الألم لذاتهم، وهم لا يريدون أن تنغص عليهم لذاتهم. وما قيمة اللذات إنْ لم تكن صفوًا كلها.

وهم إذا نغَصت عليهم لذاتهم قد يجدون شفاء لأنفسهم أن يؤدوا لأهل الريف بعض الحق، ويرفعوا عنهم بعض البؤس، وقد يكلفهم ذلك فضلًا من مال، وقد يكلفهم ذلك شيئًا من جهد، وهم لم يجمعوا المال لينفقوه على غير أنفسهم، وهم لم يملكوا الجهد ليبذلوه في غير حاجاتهم وأوطارهم، وما قيمة المال والجهد إذا أُنفقا في غير ما يحصِّل لصاحبهما لذة أو يقضي لصاحبهما أربًا.

قال صاحبي: إنك لسيئ الظن بالناس، وإنك لتعلم أنَّ بينهم الكريم الذي يفعل الخير ويبذل المعروف. قلتُ: فاحص هؤلاء الكرماء ووازن بين عددهم وعدد البائسين، ووازن بين ما يبذلون وما يعملون، وبين حاجة مصر إلى البذل والعمل، ووازن بنوع خاص بين ما يبذلون وما يعملون وبين قدرتهم على البذل والعمل، فستنتج لك الموازنة أني لستُ سيئ الظن بالناس، ولكنِّي أُقرر حقائق لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا.

وأظهر هذه الحقائق هي أنَّ القادرين على الخير في مصر قد يكونون أغنياء بالثروة والقوة والجاه، ولكنَّهم فقراء حقًّا في الشعور بالتضامن الاجتماعي، وبما ينبغي أنْ يكون بين أبناء الأُمَّة الواحدة من التَّعاطف والتَّعاون والتَّواصي بالخير والتبادل المعروف.

قال صاحبي: وقد استحال حُزْنُه الهادئ إلى غضب يَكَادُ يبلغ الغيظَ، قل ما شئت في الذين يبخلون ولا يبذلون، وفي الذين يقصرون وهم قادرون على النفع؛ فإنَّك لا تعدو أنْ تُلاحظ ضَعفًا في الأخلاق، وفتورًا في حُبِّ الخَيْر.

ولكنَّ عندي أنا ما هو أشد من ذلك؛ وأقسى وأجدر أن يملأ القلوب غضبًا وغيظًا. قلتُ: وما ذاك؟ قال: نظامنا الديمقراطي الذي تمتلئ الأفواه بالحديث عنه، وتمتلئ الأندية بالخوض فيه، وتمتلئ الصحف بالذود عنه، وتضطرب الأرض له بين حين وحين؛ حين ينتخب هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان، وحين يكون السؤال والاستجواب في هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان؛ إنما يقوم هذا النظام الديمقراطي كما يقوم غيره من نُظم الحُكم على أنَّ على الشعب واجبات يجب أن ينهض بها، وعلى أنَّ للشعب حقوقًا يجبُ أن تؤدى إليه. وأول هذه الواجبات تموين الدولة بالمال بتأدية الضرائب إليها، وحمايةُ أرض الوطن ببذل الأنفس والدماء إذا تعرضت للخطر، وأول هذه الحقوق أن يرَد البؤس عن الشعب ما وجدت الدولة سبيلًا إلى رد البؤس عن الشعب.

أفتشكُّ في أنَّ الشعب يقصر في أداء الضرائب وتموين الدولة بالمال؟ أفتشك في أنَّ الشعب يقصر إذا دعته الدولة إلى حماية الوطن من غارة العدو؟ ثم هل تظن أنَّ الدولة فعلتْ كلَّ ما يجبُ أن تفعل أو بعض ما يجبُ أن تفعله لحماية الشعب من البؤس والشقاء.

وهممتُ أن أُجيب صاحبي مدافعًا عن الدَّولة، ولكنَّه مَضى في حديثه عنيفًا؛ فقال: لا تتكلف ما لا تُطيق فقد رأيت معي هؤلاء البائسين الذين كانوا يبحثون فيما ألقى خَدَمُنا من نفاية المائدة بعد الغداء؛ يلتمسون فيه ما يزدردون ليُقيموا به أودًا أو ليُحصلوا به لذة. لا تتكلف ما لا تُطيق فلن أصدق أنَّ بلدًا كمصر له ميزانيته الضخمة يعجز عن إغناء بعض أهل الريف عن أنْ يلتمسوا قوتهم ولذتهم فيما يُطرح من نفاية الموائد.

لقد كنت منذ أسبوعين تتحدث عن حق الشعب في التَّعليم في ظلِّ النظام الديمقراطي الصحيح، فتحدث أيضًا عن حق الشعب في ألا يدفعه الجوع والبؤس إلى ما لا يُلائم الكرامة في ظل النظام الديمقراطي الصحيح.

وكانت السيارة قد بلغت بنا من القاهرة المكان الذي لم يكن بُدٌّ من أن نفترق فيه، فأشار صاحبي إلى السائق أنْ قف، ووضع يده في يدي، وهو يقول: تحدث ببعض هذا إلى من تعرف من النواب، وإلى من تعرف من الشيوخ.

قلت في شيء من الابتسام: نعم، سأفعل بعد أن يُنتخب رئيس مجلس النواب ومكتب مجلس النواب، ومكتب مجلس الشيوخ أيضًا. فهنالك يسمع الشيوخ والنواب لمثل هذا الحديث.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.