وهذه قصة من قصص الخيال لا من قصص الفلسفة التي يكتبها ديورانت وأمثاله من الشراح.

هذه قصة يكتبها «توماس مان» أشهر الكتاب الأحياء من أعلام القصص الألمان.

وتدور القصة على شاب أمريكي وكهلة ألمانية لها فتًى يتعلم الإنجليزية وفتاة عانس جاوزت سن الزواج لأنها ولدت عرجاء.

والشاب الأمريكي يُعلِّم ابنَ الكهلة الألمانية كيف يحسن النطق بلهجة الأمريكيين.

والكهلة تحب الشاب الأمريكي وهو في عمر ولدها، وقد نضب منها معين الأنوثة، وعقمت عقم الشيخوخة؛ فلا أمل في الزواج ولا ثمرة ولا سرور.

وتتحدث الكهلة بمعجزة «سارة» — امرأة الخليل إبراهيم — التي ضحكت حين بشَّرها المَلَكُ بالنسل لأنها شيخة كبيرة وزوجها شيخ كبير، ثم شاء الله أن تلد فسمَّت ولدها «إسحاق»؛ أي «يضحك» باللغة العبرية، فما بال هذه المعجزة لا تعود؟

ولقد عادت المعجزة سريعة تجري!

إلا أنها كانت في هذه المرة معجزة أيام، ثم تبيَّن بعد قليل أنها السرطان، وأن الشيخة انخدعت به؛ فَحَسبتْ أعراضه زوالًا للعقم وعودة للشباب.

وماتت وهي تهمس في أذن فتاتها: «لا تقولي إن الطبيعة خدعتني … فإنه الربيع، ولا ربيع بغير موت!»

واتهمت الشيخةُ المسكينةُ «بجعةً سوداءَ» بالفاجعة كلها؛ لأنها صفرت لها وهي تعانق معشوقها في إحدى الخلوات.

ماذا في هذه القصة مما يستحق عناء الكتابة من أديب تسنَّم ذروة الشهرة وتخطى الثمانين؟

كل ما هو صالح للقراءة منها في هذا العصر قد ينحصر في مكاشفة الأم لبنتها بحب الفتى، وصراحة المرأتين وهما تتحاوران في قسمة المرأة وقسمة الرجل، وَزَعْمِ الأم أنها ترثي للرجال الذين يشفقون على المرأة من أوجاعها، وهي تشفق عليهم من معيشتهم الخاوية فوق سطح الحياة، ومن دونها تلك الأعماق التي تضطرب بالأوجاع والأشواق.

هذا فيما نظن … أما النقاد الذين استخفوا بالأقصوصة في عباراتها الظاهرة؛ فقد ذهبوا يفسرونها تفسير الرموز والألغاز.

الشاب الأمريكي يمثل الدولة الشابة؛ أي الولايات المتحدة في ريعان صباها، الذي يجذب إليها الأمم الشائخة.

والشيخة وبنتها تمثلان ألمانيا العجوز وألمانيا الفتاة.

ولكن ألمانيا العجوز عقيمة هالكة، ويقظتها المزعومة للتجديد ونبذ القديم إنما هي سرطان يُنذر بالفناء.

وأما ألمانيا الفتاة فهي عرجاء لا تلاحق الدنيا الحديثة في خطواتها العاجلة.

وقد يُرجى للمستقبل جيل آخر متمثل في الابن الناشئ الذي يتعلم اللهجة الأمريكية ويتطلَّع إلى النجاح في ميدان أرباب الأعمال!

رموز وألغاز …

وعلى هذا التفسير يلعنون «توماس مان»؛ لأنه خان ألمانيا ومثَّلها بهذه القصة على تلك الصورة المرذولة.

وبهذا التفسير تحسب الرواية من المطالب الأدبية التي تجمل بالكاتب الكبير في سن الثمانين، فهل في وسعه أن يرفض التفسير الذي يلقي عليه شبهة الخيانة ويبرئه من تهمة اللغو والهذر لغير قصد معلوم؟

إنه لأعلم بما يختار لنفسه بين قومه وبين الغرباء عنهم من الأصدقاء والأعداء، ويعنينا نحن في هذه التعليقات شيء واحد وهو: إفلاس القصة كما ذكرنا في مقال الأسبوع السابق؛ فلو لم تكن قد أفلست وأعلنت إفلاسها لما احتاج نقاد الأدب إلى الرموز والتأويلات ليخلعوا حلة المعنى على أقصوصة يكتبها أشهر الأعلام من كُتَّاب الأقاصيص والروايات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Nouruddin Akkadović ·١٧ مايو ٢٠١٤، ١٦:٢٣ م

    لكم جزيل الشكر لنشر هذا العلم الزاخر لعملاق الأدب العربي عباس العقاد رحمه الله.