لم يُسئني سقوط الدستور ولم يسرَّني فَقْد الدستور وهو منذ شهور طوال كان وهمًا يقسم الوزراء يمين الإخلاص له، ثم لا يكادون يفرغون من قَسَمهم حتى يسخروا منه ويعبثوا به، ويفعلوا بنصوصه وروحه الأفاعيل، وقيام الوهم سخف من السخف، ولون من ألوان التضليل، وسقوطه تحرر من الخرافة، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي لا تُغني عن الذين يعبدونها شيئًا.

لم يسئني إذن سقوط الدستور ولم يسرني، فقد كان كلامًا مكتوبًا تُسجَّل فيه على السلطان القائم — مهما يكن — طائفة من حقوق الشعب، وكان تسجيل هذه الحقوق فنًّا من فنون العزاء للذين يُصيبهم الظلم، أو يُلمُّ بهم الضيم، كانوا يقولون لأنفسهم إنَّهم ظُلموا، مع أنَّ الدستور ينصفهم، وإنَّهم سِيمُوا الضيم والخسف مع أنَّ الدستور يكفل لهم العزة والكرامة والإباء، وكانت الظروف تتيح لهم أحيانًا أن يُخاصموا السلطان الذي ظلمهم أو سامهم الضيم، وأن يظفروا بالنصفة، وكانوا على كل حال يجدون شيئًا من القوة على احتمال ما يصب عليهم من المكروه، يقولون لأنفسهم إنَّ الذين صبوا عليهم ما يكرهون قد خالفوا أمر الدستور.

من أجل هذا لم يسرني سقوط الدستور، وكنت أوثر أن يظل هذا الوهم قائمًا حتى يُوضع دستور جديد لا يلغيه إلا ليقوم مقامه.

ولكنَّ الدستور على كل حال لم يذهب إلى غير رجعة، وإنَّما ذهب ليوضع مكانه دستور جديد، فالحياة التي نحياها الآن دون دستور موقوتة لا أدري أتقصر أم تطول، ولكنها موقوتة آخر الأمر؛ لأنَّ قائد الجيش قد أعلن ذلك، وهو صادق فيما يُعلن، ولأنَّه قد عاهد الله والشعب على أنْ يحتفظ للمصريين بحقوقهم كاملة لا يحيد في إجرائها عن العدل، ولا ينتقص منها قليلًا ولا كثيرًا حتى يتم وضع الدستور الجديد وتنفيذه.

والنَّاس يختلفون في هذا الدستور الجديد كيف يوضع ومن الذي يضعه ولأي نظام من نظم الحكم يُراد وضعه، وما أعرف وقتًا يجب فيه على المثقفين أن يعلنوا آراءهم في هذا الأمر كهذا الوقت الذي ابتدأ منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور؛ فهو الوقت الذي يجب أن يبصر فيه الشعب بحقوقه، وأن يُشار فيه على السلطان القائم بما يحسن أن يأتي، وبما يحسن أن يدع.

وكان الدستور الذي أُلغي قد صدر على نحو لم يرضَ عنه المصريون، أعدته لجنة من فقهاء الساسة وساسة الفقهاء على كره من الشعب الذي لم يكن يحب أن يتنزل عليه الدستور من علٍ، وإنَّما كان يُريد أن يصدر الدستور عنه هو فيستمد من شعوره وحسه، ومن قلبه وعقله، ومن آماله وآلامه وحاجاته، وكان سعد — رحمه الله — يُسمي اللجنة التي مالأت السلطان القائم وأعدت له الدستور لجنةَ الأشقياء. ولكنَّ الدستور لم يكد يصدر وينفذ لأول مرة حتى رضي عنه النَّاس، وآمنوا به، وضحوا بالأنفس والأموال والجهود في سبيل صيانته، وأعلنوا أنَّه دستور الشعب، ثُمَّ لم تمضِ أعوام حتى وقف إلى أجل، ثم أُلغي ووضع مكانه دستور آخر، وقيل إنَّ الدستور منحة من الملك، وإنَّ من مَلَكَ المَنْح يملك المنع، كما يملك التغيير والتبديل. ثم قويت هذه النظرية في نفوس جماعات من الساسة حتى أباحوا لأنفسهم بعد عودة الدستور القديم أن يهدروا روحه ونصه في غير موقف، وأن يُعينوا على إهدار روحه ونصه كلما اشتاقوا إلى الحكم أو حرصوا على البقاء في مناصب الحكم، حتى لم يبقَ شَكٌّ آخر الأمر في أنَّ الدستور قد صار هزءًا ولعبًا، ولم يكن لهذا كله مصدر إلا أنَّ الدستور القديم لم يصدر عن الشعب، وإنَّما صدر عن السُّلطان.

وإذن فأول ما يجب حين نفكر في وضع دستور جديد هو أن نرد الحق الأكبر إلى أهله، والحق الأكبر هو الدستور، وصاحب هذا الحق هو الشعب؛ فالدستور لا يُوضع للملك، ولا يُوضع للحكومة، ولا يُوضع لهيئة من الهيئات، بل الدستور لا يُوضع لجيل من الأجيال، إنَّما وُضع للشعب كله الذي يتجدد وتتعاقب أجياله على مر الزمن، وهذا الشعب هو صاحب الحق الأول في أن يختار لنفسه نظام الحكم، وفي أن يضع لنفسه أصول النظام الذي يختاره، ومن حق أجياله المتعاقبة أن تغير هذا النظام بين حين وحين لتلائم بينه وبين حاجاتها وأطوارها التي تتعاقب عليها، وإذن فأول ما ينبغي هو ألا يكون الدستور منحة تُهدى إلى الشعب، فليست في مصر قوة تستطيع أنْ تُهدي إلى الشعب دستورًا، وإنَّما الشعب هو الذي يُعطي نفسه الدستور الذي يريد، وهو الذي يُعطي كل هيئة من هيئاته، وكل سلطة من سلطاته حقوقها، ويفرض عليها واجباتها، وكل انحراف عن هذه الطريق المستقيمة يُعرِّض للزلل، ويورط في الخطأ، ويُهيئ المشكلات التي لا تلبث أن تثور وتُفسِد على الشعب أمره بعد وقت قصير أو طويل. والنَّاس يتحدثون عن لجنة يُراد تأليفها لوضع دستور جديد، وليس من شَكٍّ في أنَّ تأليف هذه اللجنة واجب ليس منه بد، ولكنَّه — فيما أفهم — لجنة تعد الدستور أو تعد مشروع الدستور ليُعرض بعد ذلك على الذين يُمثلون الشعب تمثيلًا صحيحًا ليدرسوه ويناقشوه ويقِرُّوه كما قُدِّم إليهم، أو بعد أن يُدخلوا فيه ما يحبون من تغيير وتبديل.

وإذا كان هذا الفهم صحيحًا فليس يهم أن تكون هذه اللجنة التمهيدية كبيرة أو صغيرة، تتألف من مائة، أو من أكثر من مائة، أو من أقل من مائة، وإنَّما المهم أن تكون لجنة من الذين يفقهون الدستور، ويُحسنون التصرف في أحكامه، ويُحسنون العلم بحاجات الشعب وآماله ليكون المشروع الذي يُعدُّونه مقاربًا لا يكلف ممثلي الشعب في درسه وإقراره عناءً ثقيلًا ولا بحثًا طويلًا، فقد ينبغي أن يكون الوقت الذي يمضي بين إلغاء الدستور القديم وإعلان الدستور الجديد غير مسرف في الطول.

وقد دعا صديقنا الأستاذ محمود عزمي إلى استفتاء الشعب فورًا في الاختيار بين الملكية والجمهورية لتستقبل اللجنة الإعدادية عملها على بصيرة، وأنا أُشارك صديقنا في هذه الدعوة، وأكاد أعتقد أنَّ اختيار الشعب واضح منذ الآن، وأنَّ استفتاءه سينتهي إلى تقرير النظام الجمهوري الذي يدعو إليه الداعون — وأنا منهم — منذ أُنزل الملك السابق عن عرشه، فقد عاشت مصر على النظام الملكي منذ عرفها التاريخ، أو منذ عرفت هي التاريخ إلى الآن، وشقيت بهذا النظام شقاءً متصلًا، كان لها في العصور القديمة ملوك يرون أنفسهم آلهة، ويراهم الشعب آلهة أيضًا، ثُمَّ كان لها ملوك يرون أنفسهم ظلالًا للآلهة، أو ظلًّا لإله واحد، وكلهم كانوا يخادعون أنفسهم ويُخادعون النَّاس، وكلهم كانوا يسيمون الناس فنونًا من العسف والخسف باسم هذا السلطان الوهمي الذي ينزلونه على أنفسهم من السماء، وقد آن للمصريين ألَّا يخدعوا أنفسهم، وألَّا يخدعهم أحد عن أنفسهم، وأن يعلموا أنَّ الحكم يأتي منهم ولا يتنزل عليهم، وأنَّ الحكام — مهما يكونوا — خُدَّام لا سادة، ينصِّبهم الشعب ليؤدوا بعض أعماله التي تتصل بمرافقه السياسية والاجتماعية على اختلافها، فليس هناك سادة مقدسون يعصمون من التبعات، ويرتفعون على الشبهات، ويسودون ولا يُسادون، وإنَّما هناك حكام يختارهم الشعب ليدبروا له أمره في الحدود التي يرسمها لهم الدستور، يرزقهم على ذلك أجورهم، ويسألهم بعد ذلك عما يعملون. وقد سئم المصريون — فيما أعتقد — نظام الراعي والرعية، والسيد والمسود، ولم يبقَ منهم إذا ذُكر الملوك إلا من يتمثل — إن كان مثقفًا — قول أبي العلاء:

مُلَّ المُقامُ فكمْ أُعاشرُ أُمَّة

أمرتْ بغير صلاحِها أمراؤها

ظَلموا الرعيَّة واستجازوا كَيدَها

وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

فإن لم يكن مثقفًا قال كلامًا يُشبه من قريب أو من بعيد هذا القول من شعر أبي العلاء، ولست أعرف هذا العصر الذي ارتقى فيه العقل وتنبهت فيه الشعوب لحقوقها أسخف سخفًا ولا أشد إغراقًا في الوهم من توارث المُلك، لا لشيء إلا لأنَّ أسرة بعينها قد فرضت نفسها على شعب من الشعوب بالحيلة، أو بقوة السيف، أو بحسن البلاء أحيانًا.

كل هذا كان يُساغ في العهود الماضية، فأمَّا الآن فقد أصبح لونًا من الباطل يُشبه هذيان الحُمَّى أكثر مما يُشبه أي شيء آخر.

ولم ينكر المسلمون في أول عهدهم شيئًا كما أنكروا وراثة المُلك التي استعارها مَن استعارها من كسروية الفرس وقيصر الروم. وفي وراثة المُلك سخف لا ينقض وأخطار لا حد لها، فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم، والحكمة والحلم، والذكاء والكفاية، والصلاح والاستقامة للأجنة في بطون أمهاتها، ولا للأطفال حين يولدون، فكيف إذا ضمنت لهذا اللغز الغامض المبهم الذي هو الجنين قبل أن يُولد أو الطفل بعد أن يولد المُلكَ والاستئثارَ بأمر شعب كامل، لا لشيء إلا لأنه انحدر من أسرة بعينها؟!

لا أشكُّ إذن في اتجاه الشعب المصري الآن إلى النظام الجمهوري، فلتسرع الحكومة إلى تنظيم استفتائه قبل أن تُنشئ اللجنة لإعداد الدستور؛ ذلك أجدر أن ييسر لهذه اللجنة أمرها، ويمهد لها إلى ما ستحاول طريقًا مستقيمًا، فإذا أتمت هذه اللجنة عملها — وينبغي ألَّا تُدفع إلى الإسراع الذي يُفسد العمل، ولا تؤخذ بالعجلة التي تُفسد التفكير — دُعيت هيئة من ممثلي الشعب على أن يكونوا من الذين يفقهون أحاديث الدستور ويُحسنون التصرف فيها، وعُرض عليها المشروع الذي أعدته اللجنة لتدرسه وتناقشه وتقِرَّه حرَّة لا مُكرَهة ولا معجلة ولا مُضيقًا عليها.

فإذا أتمت عملها أُعلن الدستور وأُنفذ، واستقبل الشعب حياة مستقرة خصبة يعرف النَّاس فيها واجباتهم وحقوقهم، ويعرفون أنَّهم مصدر هذه الواجبات وهذه الحقوق، ولست أدري إلى أي وقت طويل أو قصير يحتاج هذا كله، ولكن الذي أعلمه علم يقين هو أنَّ هذا الوقت لن يذهب عبثًا، ولن يضيع في غير طائل، فسينفقه الشعب في نوعين من النشاط الخصب النافع الذي هو في أشد الحاجة إليه، والذي من أجله كانت الثورة.

أحد هذين النوعين هو النشاط في إعداد الدستور وإتمامه وإعلانه، والآخر هو نشاط النهضة في التمهيد للدستور الجديد بوضع الأسس للإصلاح في حياتنا على اختلاف فروعها، وإزالة ما يمكن أن يعترض الدستور الجديد من العقبات.

كذلك أفكر في حياتنا الجديدة التي بدأت منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور القديم، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيب فيما أصوِّر لنفسي من أمر المستقبل؟ ولكني أرجو على كل حال أن يعصم الله مصر من الزلل والخطل والخطأ، ويُهيِّئ لها من أمرها رشدًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.