كل شيء ممكن حتى اجتماع المتناقضات. فما من شك في أن الوزارة المصرية قد طلبت إلى الإنجليز الجلاء عن مصر والسودان وتعديل المعاهدة؛ لأن وزراءنا قالوا لنا ذلك، وهم صادقون، ولا يمكن إلَّا أن يكونوا صادقين؛ لأن النهوض بالأعباء العامة والاستقرار على كراسي الحكم والسيطرة على شئون الدولة، كل هذه خصال تفرض على أصحابها الصدق فرضًا، ولا تنطق ألسنتهم إلَّا بالحق الساطع القاطع الذي لا يقبل نزاعًا ولا يتعرض لجدال أو مراء. فإذا قال وزراؤنا أنهم قد طلبوا إلى الإنجليز رسميًّا ما تريد مصر أن يطلب إليهم؛ فيجب أن نصدِّقهم، وإن لم نصدقهم فويل لنا! ويل لنا من أنصار الوزراء الذين سيتهموننا بالمكابرة وتعمد الإساءة إلى الحكومة! وويل لنا من الوزراء أنفسهم؛ فسيتهموننا بجحود الجميل وكفر النعمة. ومن يدري؟ لعلهم يسلطون علينا بعض البأس وينالوننا ببعض ما نكره! فهم أصحاب حزم وعزم، وهم أصحاب قطع وجزم، والأمر إليهم، فهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون، وما هي إلا إشارة ظاهرة أو خفية وإذا الذين لا يصدِّقون الوزراء إذا قالوا معرضون لما يعرفون وما لا يعرفون من المكروه.

وزراؤنا صادقون إذن حين يقولون أنهم طلبوا إلى الإنجليز الجلاء عن وادي النيل من منبعه إلى مصبه. فيجب أن نعرف لهم هذه اليد البيضاء، وأن نشكر لهم هذه النعمة الغراء، وأن نقرر أنهم قد استحقُّوا تقدير الوطن. ولكن وزراءنا لم يقولوا جميعًا أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز، وإنما قال بعضهم ذلك وقال بعضهم أنهم لم يطلبوا شيئًا، وهم جميعًا صادقون؛ لأنهم جميعًا وزراء. والوزير صادقٌ دائمًا حتى حين يقول الحق ونقيضه، فوزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم طلبوا الجلاء صادقون، ووزراؤنا الذين قالوا لنا أنهم لم يطلبوا الجلاء صادقون. والأمر يسير كل اليسر، فقد ينبغي أن نلغي عقولنا؛ لأن عقول الوزراء تكفينا، وقد ينبغي أن نكذِّب أنفسنا؛ لأن صدق الوزراء يغنينا، وقد ينبغي ألَّا نأمل ولا نتمنى وألَّا نطمح إلى مجد ولا نطمع في استقلال ولا نطالب بحرية.

وما حاجتنا إلى هذا كله، وإنما نحن شعب قاصر قد قام الوزراء بالوصاية عليه، فهم يفكرون له ويشعرون به، وهم يقومون بتفكيرهم وشعورهم مقام الشعب في التفكير والشعور، فليس على الشعب إلَّا أن يأكل ويشرب إن وجد الطعام والشراب، وأن يستيقظ وينام إن أتيحت اليقظة والنوم. ولو استطاع الوزراء أن يأكلوا ويشربوا للشعب لكان من الحق على الشعب أن يصوم؛ لأن الوزراء يأكلون مكانه ويشربون مكانه، ويغنونه من هذا العناء الثقيل. ولو استطاع الوزراء أن يستيقظوا ويناموا نيابةً عن الشعب؛ لكان من الحق على الشعب أن يعلِّق نفسه في حال بين اليقظة والنوم، لا يمعن في اليقظة فيجد ما يكره، ولا يغرق في النوم فيجد ما يحب، وإنما يتأرجح بين ذلك. وأي شيء ألذ من أن يظل الشعب متأرجحًا بين اليقظة والنوم، تمرُّ به الأشياء فيحسها ولا يحسها، ويحققها ولا يحققها، وإنما هي خيالات تمس النفس مسًّا رفيقًا؛ فتحدث فيه لذَّة رفيقة أيضًا.

ولكن الوزراء — مع الأسف الشديد — لا يستطيعون أن يغنوا الشعب عن الطعام والشراب واحتمال أثقال الحياة المادية، فحسبهم أن يغنوه عن التفكير وعن الشعور وعن الطموح إلى الحرية والنزوع إلى الاستقلال والمطالبة بالجلاء؛ لأنهم ينهضون بهذا، وهم ينهضوا بهذا بفيضٍ من العناية الإلهية التي وضعت على عاتق رئيس الوزراء أمور مصر، فاحتملها قويًّا متينًا ورصينًا مكينًا.

وما من شك في أن العناية الإلهية قد ألقت في نفس رئيس الوزراء قبسًا من هذا النور المقدَّس الذي يعصمه من الخطأ، ويبرئه من الضعف، ولا ينطقه إلَّا بالحق. وما من شك في أن رئيس الوزراء حين اختار زملاءه قد أهدى إلى كل واحد منهم جزءًا يسيرًا من هذا القبس المقدس؛ فامتلأت نفسه قداسةً ونورًا. ومن أجل ذلك حقَّ علينا أن نصدق الوزراء، ولا نشك فيما يقولون لنا في وقت واحد من أنهم طلبوا الجلاء إلى الإنجليز ومن أنهم لم يطلبوا الجلاء إلى الإنجليز! فللعناية الإلهية أسرارٌ لا يفهمها مثلك ومثلي من عامة الناس، وإنما يفهمها المقربون من الأصفياء والأتقياء الذين ترفع لهم الحجب وتنجاب لهم الأستار.

حقٌّ علينا إذن أن نصدق وزراءنا، حقٌّ علينا كذلك أن نصدق المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، لا لأن العناية الإلهية قد آثرته بالوزارة، أو آثرت به الوزارة، فالعناية الإلهية لا تحب الإنجليز ولا تختار منهم أحدًا لشيء، وإنما العناية تحب الألمان فتختار منهم هتلر، وتحب المصريين فتختار منهم صاحب الدولة رئيس الوزراء. ومع ذلك فيجب أن نصدق المستر بيفن؛ لأنه حين يتحدث إلى مجلس العموم لا يستطيع أن يقول له غير الحق؛ لأن الشعب البريطاني حين يختار نوَّابه ووزراءه يعرف كيف يؤدِّبهم ويهذبهم ويروضهم على ألَّا يخدعوه وعلى ألَّا يقولوا له غير الحق الصريح. وليس ما يدعو إلى الشك فيما قال المستر بيفن، فهو ينبئنا بأن مصر لم تطلب إليه شيئًا. وهو يتفق في هذا مع وزير التجارة الذي أنبأنا بأن مصر لم تطلب شيئًا، ومع وزير المالية الذي أنبأنا بأن مصر لم تقدم مذكرة؛ لأنها أرفع من تقديم المذكرات، ولأنها ليست موظفة عند الإنجليز. وإذن، فالمستر بيفن صادق؛ لأنه متفق مع وزيرين من وزرائنا، وقد عرف أن وزراءنا جميعًا صادقون دائمًا مهما يقولوا. وإذن، فمصر قد طلبت ولم تطلب، وكتبت ولم تكتب، واتصلت ولم تتصل، وانفصلت ولم تنفصل، وهي بهذا ترضي المصريين والإنجليز معًا.

ورضا المصريين شيءٌ يسيرٌ؛ لأن المصريين يرضون بكل شيء، ويرضون بغير شيء. وإذا لم يرضوا فما أكثر ما يفيض به النيل من ماء يمكن أن يشربوه صفوًا ويمكن أن يشربوه كدرًا ويمكن أن يلقوا أنفسهم فيه إلقاءً! فلن يأبه لهم أحد، ولن يعبأ بهم أحد. ولماذا يحفل حافل بالمصريين وهم ضعاف لا يقدرون على شيء؟! لا يقدرون حتى على أن يحملوا وزراءهم على أن يسيروا معهم سيرة الوزراء الجادين، على أن يصارحوهم بالحق في غير مداورة ولا مناورة وفي غير مداراة ولا مماراة.

مهما يكن من شيء فحكومتنا قد طلبت الجلاء ولم تطلبه، وحققت وحدة النيل ولم تحققها، وفاوضت الإنجليز ولم تفاوضهم. وقد اطمأن المصريون جميعًا إلى هذه الحال، فلم يشذ عنهم إلَّا واحدٌ، واحدٌ لا ثاني له، ولا يمكن أن يكون له ثانٍ بين المصريين، ألم تعرفه بعد؟ إنه حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا. إسماعيل صدقي باشا لا يحب الضعف ولا الفتور، ولا يقبل المطاولة ولا المماطلة، ولا يرضى من رئيس الوزراء إلَّا أن يكون حازمًا صارمًا كما كان هو حازمًا صارمًا، وإلَّا أن يكون صادق القول مستقيم الفعل، كما كان هو صادق القول مستقيم الفعل، وإلَّا أن يكون مُتحرِّجًا مع الإنجليز كما كان هو متحرجًا مع الإنجليز. ومن أجل ذلك غضب صدقي باشا منذ حين، واتهم النقراشي باشا بأنه يطاول ليكسب الوقت.

والنقراشي باشا رجل لا يخاف أحدًا، ولكنه مع ذلك خاف من صدقي باشا، فلم يكد يقرأ مقاله ذاك حتى جمع هيئته السياسية وأذعن بما أرادت منه هذه الهيئة. فقرر وقرر معه مجلس الوزراء أن الوقت مناسب كل المناسبة للمطالبة بحقوق مصر، ورضي صدقي باشا عن رئيس الوزراء وعن زملائه، فرضي رئيس الوزراء وزملاؤه عن أنفسهم. ومضت الأمور هادئة مطردة، فاجتمع البرلمان وأقر ميثاق سان فرانسيسكو، واطمأن على أن حقوق مصر يحملها مختار العناية الإلهية، ويمضي بها في طريق النجاح والتوفيق.

وكان من الممكن أن تمضي الأمور على هذا النحو أسابيع وأشهرًا، لولا أن عفريتًا من عفاريت الإنجليز سأل وزير الخارجية في مجلس العموم عمَّا تطلبه مصر بشأن السودان، فصرَّح المستر بيفن بما صرح به وتبين أن مصر لم تطلب شيئًا وإن كانت قد طلبت كل شيء. وقد دُهش بعض المصريين لجرأة المستر بيفن الذي يقول ما يخالف الحقيقة المعروفة في مصر، ولكن دهش المصريين لا قيمة له كما أن غضبهم لا قيمة له، وكما أن رضاهم لا قيمة له أيضًا.

إنما الشيء الخطير … الخطير حقًّا، الشيء الذي ينغص النهار ويؤرق الليل هو أن صدقي باشا غضب، وغضب صدقي باشا شيءٌ لا يطاق، وليس أدلَّ على ذلك من أن النقراشي باشا الذي لا يخاف أحدًا ولا يهتم لأحدٍ قد خاف من غضب صدقي باشا، واهتم له، فقطع راحته وأسرع إلى الرياسة ولقي صدقي باشا هناك. وخلص كلاهما لصاحبه، فقال له وسمع منه، ولم يشهد نجواهما إلَّا الله. ثم انصرف صدقي باشا وقد سكت عنه الغضب، ولكنه لم يفارقه، وإنما احتفظ ببقية منه حتى تجتمع الهيئة السياسية، وحينئذٍ يغضب صدقي باشا فتغضب الهيئة كلها لغضبه، أو يرضى صدقي باشا فترضى الهيئة كلها لرضاه. وأنا أبشِّر المصريين أن صدقي باشا سيرضى قبل أن تغرب الشمس، وبأن الهيئة كلها سترضى قبل أن تغرب الشمس أيضًا، وبأن الأمور ستجري على خير ما يحب الوزراء، فليس المهم أن يُطلب الجلاء أو لا يطلب، وليس المهم أن تُحقق وحدة وادي النيل أو لا تتحقق، وإنما المهم أن تجري الأمور في مصر على ما تجري عليه الآن إلى أطول وقت ممكن. ولهذا كان غضب صدقي باشا خطيرًا، فصدقي باشا ركن من أركان العهد القائم. فإذا غضب وغضب معه واحد أو اثنان أو ثلاثة تعرض العهد القائم للانهيار، وما ينبغي لهذا العهد أن ينهار؛ لأن انهياره رجوع إلى الفوضى التي ملأت مصر فسادًا، ومن الذي يرى مصر الآن وقد ملئت صلاحًا وفلاحًا ونجاحًا وخيرًا، ثم يفكر في أن يردها إلى ذلك الفساد القديم.

ليس المهم إذن أن نطالب بحقوق مصر، وإنما المهم أن تمسك مصر في هذه العيشة الراضية التي تعيشها، وفي هذه الكرامة الموفورة التي تستمتع بها، وفي هذا العدل المنشود الذي يستظل به المصريون جميعًا. فأمَّا الجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل وتعديل المعاهدة، فأمور يصح أن يفكر فيها رئيس الوزراء متى رأى الوقت ملائمًا. وقد تقول: إن الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد قررا أن هذا الوقت هو أنسب الأوقات! ولكن لا تعجل على نفسك ولا تعجل على الناس، فالوقت المناسب الذي قررته الهيئة ومجلس الوزراء كان في النصف الأول من سبتمبر، ونحن الآن في النصف الثاني من أكتوبر، فما كان مناسبًا قبل شهر يمكن ألَّا يكون مناسبًا بعد شهر. والعناية الإلهية قد اختارت النقراشي باشا لحمل الأمانة القومية ولم تختر غيره. وإذن، فإذا رأى النقراشي باشا أن الوقت غير مناسب فرأيه هو الحق الذي لا شك فيه، ويجب على الهيئة السياسية أن تذعن وعلى الوزراء أن يذعنوا أيضًا، وإلَّا انهار العهد الحاضر وجاءت الوزارة المحايدة، ثم جاءت الانتخابات الحرة، وأي شيءٍ أشدُّ هولًا من الوزارة المحايدة والانتخابات الحرة؟

يجب أن يختار المصريون — أستغفر الله — فقد اختار المصريون منذ زمن طويل. يجب أن يختار أنصار العهد الحاضر لا بين الانقضاض والانفضاض، كما كان يخيِّرهم مكرم باشا منذ حين، ولكن بين الانتظار والانهيار. وإذن، فلا ينبغي أن يطالبوا رئيس الوزراء بشيء، ولا ينبغي أن يتعجلوا في شيء، وإذا أرادوا أن يسألوه عن شيء؛ فليسألوه في خلوة وبمأمن من العذَّال والرقباء، فإن هم أذعنوا لهذا القانون مضت الأمور سهلة ميسرة، وإن هم خرجوا عن هذا القانون وأتعبوا النقراشي باشا بالسؤال والاستعجال كانت الكارثة وتفرق القوم بعد اجتماع واختلفوا بعد ائتلاف، وعاد الشر الذي يجب ألَّا يعود. أتعرف هذا الشر؟ إنه حرية الشعب، وويلٌ لمصر إذا سادت فيها حرية الشعب!

أرأيت أن الأمر أيسر جدًّا مما تظن! أيسر من المطالبة بحقوق مصر، أيسر من مفاوضة الإنجليز سرًّا أو جهرًا، أيسر من الاتصال بهم من طريق رسمية أو غير رسمية، أيسر جدًّا من كل هذا هو أن يبقى العهد الحاضر أو لا يبقى.

هذه هي المسألة، وليست هناك مسألة أخرى إلَّا في نفوس الشعب، ومن الذي يحفل بنفوس الشعب؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.