ليست جديدة، ولكن الوقوف عندها ليس به بأس؛ لأنه يبيِّن شيئًا يَظهر أن الناس لم يستبينوه بعد، ومن الحق عليهم لأنفسهم أن يعرفوه وأن يفهموه وأن يتذوقوا مرارته، ويصطلوا لهبه المُحرق الأليم. وهو أن أخص ما يمتاز به وزير التقاليد بين زملائه الوزراء أنه رجل قوي من الطراز الأول، مؤمن بقوته وسلطانه، يستمتع بحظه منهما في غير تردد ولا حرج ولا جُناح، ولعله يجِد في ذلك لذةً لا تعدلها لذة، وابتهاجًا لا يشبهه ابتهاج. فمن الناس من تعجبه القوة، ويلذُّ له البطش، ويسرُّه أنه قادر على إذلال أمثاله وإخضاعهم بألوان اليأس والاستبداد. وأنا مستعرض معك طائفة من هذه العيسويات التي تحدثت بها الصحف، وما زالت تتحدث بها في هذه الأيام، فإذا لم ترها كلها مصوِّرة لهذه القوة، ممثِّلة لهذا الميل العنيف إلى الإذلال، يصعب على من ينبغي أن يكونوا فوق الإذلال، فأنا المخطئ وأنت المصيب. ولست أحدثك عن قصة الأستاذ مصطفى نظيف الذي أراد له مجلس مدرسة الهندسة الرقي والعزة، فأبى عليه وزير التقاليد إلَّا التأخُّر والذلة، وآثر عليه أستاذًا بريطانيًّا، ثم لم يكتفِ بذلك فنقله إلى أسيوط.

لست أحدثك بقصة هذا الأستاذ، فقد بعُد العهد بها، ونسيها رجال التعليم، وما أضعف حظ رجال التعليم من الذاكرة في ظل وزير التقاليد! إنما أحدثك بقصة أخرى طريفة لم ينسها الناس بعدُ، ونظن أن رجال التعليم سيتحدثون بها عصرًا طويلًا؛ لأن فيها إذلالًا لهم أي إذلال، وهي قصة تمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر التربية الذي يُعقد في جنيف. ففي وزارة المعارف معهد التربية، أول أغراضه تخريج المعلمين من جهة ودرس التربية في نفسها من جهة أخرى. ولهذا المعهد ناظر ووكيل، وفي هذا المعهد أساتذة ومدرسون. والمفروض أن رجال هذا المعهد هم أعلم الناس في مصر بشئون التربية من الوجهة النظرية ومن الوجهة العملية ومن الوجهة التطبيقية والإحصائية في جميع المعاهد والمدارس في مصر. والمعقول أن رجال هذا المعهد هم أحق الناس بتمثيل مصر في المؤتمرات التي تُعقد للتربية والتعليم، وهم أقدر الناس على هذا التمثيل. ولكن وزير التقاليد جهِل هذا المعهد ورجاله جهلًا، وأعرض عن هذا المعهد ورجاله إعراضًا، وأرسل مدير مكتبه ليمثل مصر في مؤتمر جنيف. ومدير مكتبه لا يُحسن من أمور التربية قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعرف من شئونها إلَّا ما يعرفه موظف خرج من دار العلوم ولم يشتغل بالتربية ولا بالتعليم. ومدير مكتبه لا يُحسن لغة أجنبية من اللغات التي سيتحدث بها للمؤتمرين، وإنما يُلِمُّ بالفرنسية إلمامًا لا يُمَكِّنُهُ من فَهْمٍ ولا من تفهيم. وهو مع ذلك قد سافر ليمثِّل مصر في مؤتمر سيأتلف من كبار المربين والمعلمين في أقطار الأرض، سيَسمع لهم فلا يفهم عنهم وسيتحدث إليهم فلا يفهمون عنه، وسيعود إلى مصر وقد مثَّلها على أحسن وجه في مؤتمر التربية والتعليم. ورجال التربية والتعليم «يقشِّرون البصل» في معهد التربية؛ لأن وزير التقاليد أراد ذلك، وإذا أراد وزير التقاليد شيئًا فلا مردَّ له؛ لأن وزير التقاليد قويٌّ عزيزٌ. ولا نذكر المراقبين، والمراقبين المساعدين، ولا نذكر المفتشين، ولا نذكر الجامعيين؛ فما يعبأ الله بهؤلاء ما دام الوزير لا يعبأ برجال معهد التربية.

وكان يُقال إن وزير التقاليد أحسَّ أن مدير مكتبه ضعيف عن أن ينهض وحده بهذه المهمة؛ لأنه لا يحسن لغة من لغات المؤتمر، فهَمَّ أن يرسل معه من يترجم له ويترجم عنه، ولكن وزير ماليتنا الرجل الخطير حال دون ذلك، وهل يفلُّ الحديد إلى الحديد؟ وهل يذيب العيسويات إلا الصبريات؟ فسافر ممثلنا وحده وسيعود وحده.

ودع هذه العيسوية، وانتقِل إلى عيسوية أخرى، ولتكن من عيسويات الجامعة؛ فلوزير التقاليد في الجامعة بلاء حسن، وله عليها أيادٍ بِيض. خذ قصة هذا الأستاذ أو المدرس الذي رشحته الكلية ورشحه مجلس الجامعة لتعليم الفقه الإسلامي في كلية الحقوق، فأبى الوزير رأي المجلسين، ولكن نصف إباء؛ لم يقره ولم يرفضه. وإنما قسَّم العمل بين مرشح المجلسين وبين رجل آخر قسمة عادلة، لكل منهما النصف من طريق الانتداب في غير أوقات العمل في وزارة الحقانية لا من طريق التعيين. ولا تسلْ الجامعيين عن رأيهم في هذا، ولا تسلْ قانون الجامعة عن رأيه في هذا. فما يعبأ الله بالجامعيين ولا بقانون الجامعة، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

ودع هذه العيسوية الثانية، وخذ عيسوية أخرى في كلية الحقوق، وهي هذه التي نشرها «الوادي» يوم الجمعة ولم ينكرها الوزير إلى اليوم. صهرٌ من أصهاره يُعيَّن مدرسًا مساعدًا في الكلية، ويرشَّح لبعثة طويلة في باريس، لا يؤهله لذلك إلَّا أنه صهر الوزير. وهذا في القرن العشرين، وفي ظل الدستور، وفي كلية الفقه والقانون. ولكن ما خطب هذا كله ما دام وزير التقاليد يريد ما يريد. ولا تسلْ الجامعيين عن رأيهم، ولا تسلْ أقران المعيد عن رأيهم، ولا تسلْ أساتذة قسم الدكتوراه عن رأيهم. فما يعبأ الله بهؤلاء، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

وخذ عيسوية رابعة، في كلية الآداب معيد يُفرض على هذه الكلية فرضًا بعد أن أُخرج منها إخراجًا؛ لأن وزير التقاليد يريد ذلك، ولا تقول الكلية شيئًا، إمَّا لأنها لم تسأل وإمَّا لأنها خافت أن تقول. ولكن المفتشين يسألون فيقولون، ثم يُشاع أن تعيين هذا المعيد موقوف بعض الشيء، لا لأن الجامعيين لا يريدونه، بل لأن المفتشين لا يشيرون بتعيينه. الله أكبر، فقد خضعت الجامعة للتفتيش، وأصبح رأي المفتشين — لا رأي الجامعيين — يقضي في أمر الجامعة. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، فهم يصطافون. وما يعبأ الله بالجامعيين، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

أشبعت من العيسويات، أم لم تشبع بعد؟ إنها لَأكثر مما تظن. إنها الخليقة أن تُشبعك وأن تدفعك إلى الكفلة وعسر الهضم، ولكنها مع ذلك مفروضة عليك، ستبتلعها وأنت راغم. وليس المهم أن تسيغها ولا أن تهضمها، وإنما المهم أن تتلقاها مُذعِنًا صابرًا؛ لأنها تصدر عن وزير التقاليد، ووزير التقاليد قويٌّ عزيزٌ، قد سلَّطه الله على المصريين ليذلَّ خيار المصريين، فيجب على خيار المصريين أن يذلُّوا، فإن لم يعجبهم هذا فماء النيل كثير وماء البحر أكثر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.