الحديث عن الكم والكيف حديث قديم ومُعاد، فهُناك ظاهرة تكاد لا تستثني بلدًا أو مجتمعًا، وهي أن مزيدًا من التقدم قد يحقق زيادة في الرفاهية لأعداد أكبر من الأفراد، إلا أنه قد يؤدي في نفس الوقت إلى تدهور أو تراجع في النوعية. فهناك علاقة شبه جدلية بين الكم والكيف، حيث إن التوسع في الكم قد يكون على حساب النوع. وإذا نظرنا إلى المجتمعات القديمة نجد أنها كانت — بشكل عام — مجتمعات أقلية تتحكم فيها أقليات: في السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون، وكانت الأغلبية تكاد تكون محرومة تمامًا من المشاركة في هذه الأمور. وبذلك كان هناك شبه انفصال بين أقلية ذات «كيف» متميز بالثراء والسلطة والذوق الفني الرفيع وأحيانًا أيضًا بالعلم والمعرفة، في مواجهة «كم» من جموع غفيرة تعيش في الفقر والعوز وانعدام الذوق وانتشار الجهالة وتبلد الشعور. ولذلك ففي مثل هذه الأحوال فإن التقدم يؤدي عادة إلى تراجع «الكيف» لهذه الأقلية المحظوظة، في حين يُحقق تحسنًا كبيرًا في أوضاع ذلك «الكم» التعيس، وبحيث يؤدي هذا التغيير إلى الارتفاع في المستوى العام اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، وهذا التحسن في المستوى العام يؤدي إلى التقارب في المستويات وزوال الفروق الشاسعة بين الأفراد والطبقات. وتظل المجتمعات القديمة وهي مجتمعات الفوارق بين الأفراد والطبقات، وتدني المستوى العام، تظل قادرة على إظهار أفراد متميزين هنا وهناك بشكل مختلف تمامًا عن ذلك المستوى العام. فعندما غابت الأغلبية من الساحة ولم يكن لها دور إلا باعتبارها موضوعًا وليس مشاركًا، فقد فتح المجال لظهور الفرد العظيم والعبقرية الفردية، فأمثال هؤلاء الأفراد هم الذين يكسرون الجمود ويدفعون البشرية إلى التقدم، فهذا هو الوقت الذي كان يمكن أن يظهر فيه نيوتن أو ديكارت وقبلهما كوبرفكس وجاليليو وسبقهما ابن سينا والخوارزمي، وغيرهم من أساطين العلم والفلسفة والأدب. وجاء العصر الحديث بآلافه المؤلفة من المتعلمين ولا نجد مقابلًا لنيوتن رغم أن مئات من علماء الفيزياء الآن يتصدون لأمور لم تخطر على بال نيوتن، ورغم ما يُقال إن طالبًا متوسطًا من طلاب كليات العلوم تُقارب معارفه الآن علم نيوتن في ذلك الوقت، وقل مثل ذلك عن الأدب والفلسفة، فلم نسمع عن أديب أو مفكر استطاع أن يحتل مكان شكسبير أو فيلسوف جاوز أرسطو أو كانت أو هيجل، وذلك برغم أن هناك عشرات الألوف من كتابات الأدباء والفلاسفة والمفكرين الذين لا يقل علم أو معرفة كلٍّ منهم عن معارف أو علوم الأسبقين. وما يُقال عن العلم والأدب والفكر يصلح للحديث عن السياسة، فأين رجال السياسة اليوم من أسماء جيفرسون أو تاليران أو بسمارك أو حتى كليمانصو أو ديجول أو تشرشل. لقد انتقلنا من عصر «الفرد العظيم» إلى عصر «المؤسسات». إذا لم يكن العالم قادرًا على إنتاج نيوتن أو أينشتاين، فإن ما تخرجه مراكز ومعامل الأبحاث في الجامعات ومراكز الصناعة يجاوز عشرات المرات ما يمكن أن يفرزه عقل فرد حتى لو كان عقل نيوتن أو أينشتاين. وإذا كان رجالات السياسة على الساحة العالمية ليسوا من طراز الإسكندر الأكبر أو في حجم بسمارك أو جيفرسون، فإن وراء كل منهم العديد من الأجهزة والمؤسسات التي تجمع البيانات وتحللها وتضع السيناريوهات. واتخاذ القرار ليس نزوة شخصية لحاكم أو مسئول وإنما هناك إجراءات ومساءلة وشفافية، هناك سلطات متعددة، وهناك قيود مالية، وهناك مساءلة سياسية من البرلمان، وهناك قضاء يتدخل عند الحاجة، وهناك إعلام متعطش لتصيُّد الأخطاء، وهناك رأي عام مؤثر، وهناك انتخابات، وهناك مصالح متعارضة، وكل هذه الإجراءات والمؤسسات تضمن أن تكون القرارات على أفضل وجه. وهكذا فإن اختفاء «الفرد العظيم» وظهور «الفرد العادي» على المسرح قد صاحبه ظهور منظومة كاملة من المؤسسات. حقًّا لقد اختفت العبقرية «الفردية»، ولكن «العبقرية المؤسسية» قد حلت محلها، وجاوزتها قدرة وكفاءة. لقد أصبح «الرجل العادي» هو أساس المجتمعات الحديثة، في حين توارى «الرجل العظيم» أو «العبقري» ليجد مكانه على رفوف قاعات المتاحف أو في صفحات الموسوعات … ولكن هذا «الرجل العادي» الذي قد يجلس في البيت الأبيض أو في الإليزيه أو على رأس أكبر الشركات الصناعية أو المؤسسات العلمية فإنه ليس مجرد فرد منعزل بقدر ما هو صناعة مؤسسية، هو واجهة للعديد من المؤسسات العلمية والصناعية والمالية والسياسة، وهو نتيجة لسياسات وبرامج طويلة الأمد. المؤسسات هي الأساس، والفرد مجرد رمز أو تعبير خارجي. إنتاج العالِم أو المفكر ليس وليد الصدفة كما أنه ليس ابن الطبيعة، وإنما هو إنتاج منظم من خلال الجامعات ومراكز البحوث وإدارات التخطيط في الحكومات والشركات، وبالتالي يمكن إنتاج العديد منهم بالأعداد المطلوبة وبالمواصفات اللازمة بناءً على برامج مُعدة سلفًا. عندما أعلن كنيدي أن الولايات المتحدة سوف تُنزل رائد فضاء أمريكي على القمر بعد نجاح الاتحاد السوفييتي في إطلاق سبوتنك، حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية متخلفة في أبحاث الفضاء عن الاتحاد السوفييتي، فإن الأمر لم يحتج إلى انتظار نيوتن جديد، وإنما كان يكفي تخصيص الاعتمادات اللازمة ووضع برنامج للأبحاث المناسبة. وقد كان أن نزل أول أمريكي على القمر قبل مهلة العشر سنوات التي حددها كنيدي لهذه المهمة. وعندما مات روزفلت قبل نهاية الحرب العالمية الثانية — وكان يُنظر إليه باعتباره من أعظم الرؤساء الأمريكيين — فقد ثارت المخاوف؛ لأن خلفه ترومان كان رجلًا عاديًّا لم يُعرف عنه أية مواهب خاصة. فإذا به — ترومان — يكمل المشوار ويتخذ أخطر القرارات في التاريخ المعاصر، وذلك لأن ترومان — الرجل العادي — كانت وراءه مؤسسات قوية. ليس صحيحًا أن الماضي كان عصر العظماء والحاضر هو عصر الرجال العاديين، بل الصحيح أننا نعيش عصر المؤسسات. كما أنه ليس صحيحًا أن العصر الحديث قد دفع بالرجل العادي ليحتل مكان «الرجال العظماء»، وإنما الصحيح هو أن المؤسسات قد حلت محل العظماء.

وإذا كان هذا الاتجاه قد غلب على العالم الحديث، فقد جاء انطباقه على العالم الثالث — كما هو الحال عادة — مشوهًا ومختلًّا، فقد قفز إلى المقدمة من القيادة والريادة «رجال عاديون»، في الوقت الذي ما زالت فيه المؤسسات ضعيفة ومهلهلة. فالمؤسسات ظلت على حالها — إن لم تكن قد تدهورت — في حين أن نوعية هؤلاء المسئولين قد تدنت. وإذا نظرنا إلى مؤسساتنا السياسية من برلمانات أو أحزاب سياسية أو صحافة فلا نجد تقدمًا ملحوظًا، بل ربما تدنت نوعيتها، وأما عن مؤسساتنا العلمية والثقافية فحدِّث ولا حرج، فقد زادت كمًّا وتراجعت كيفًا. وقل مثل ذلك عن العديد من المؤسسات الحكومية والأهلية. وهكذا وجدنا أنفسنا إزاء ظاهرة جديدة، وهي تدهور نوعية المسئولين مع استمرار ضعف المؤسسات.

ومنذ نحو خمس عشرة سنة أرسلتُ رسالة للمرحوم الأستاذ أحمد بهاء حول هذا الموضوع نشرها في يومياته في الأهرام في ١٧ مايو ١٩٨٧. ولا بأس من اقتباس بعض ما جاء في هذه الرسالة، فهي تصلح لليوم كما كانت صالحة بالأمس:

يبدو لي أن هناك حزبًا آخر قد نجح في اجتياح مختلف نواحي الحياة العامة، ولم يحدث ذلك بالأمس فقط، ولكن منذ فترة ليست بالقصيرة. وهذا الحزب هو ما يمكن أن يُطلق عليه اسم حزب المتوسط الإحصائي.

في كل جانب من جوانب الحياة العامة: في السياسة، في الاقتصاد، في الثقافة، في الفن، في الأعمال … هناك دائمًا قلة من الصفوة المتميزة وجمهرة من العامة تفصل بينهما مجموعة من أوساط الناس ومنهم خرج أهم الأحزاب وأخطرها. وهذا الحزب أقرب إلى المتوسط الإحصائي لأهل المهنة والحرفة، فهم دون أهل الصفوة تميزًا وكفاءة، وإن كانوا قطعًا يجاوزون مستوى العوام إدراكًا وفهمًا من مجالات اهتماماتهم، فهم أقرب إلى العينة العشوائية أو المتوسط الإحصائي.

وقد استطاع هذا الحزب من أوساط الناس أن يتقدم الصفوف ويُسيطر على مختلف نواحي الحياة العامة، فهم في المقدمة في كل مكان: في مراكز المسئولية، في الجامعات، في الفن، في النقابات، في المجالس الشعبية … إلخ. وقوة هذا الحزب تنبع من أن أعضاءه يمثلون المجتمع تمثيلًا صادقًا. ومشكلة هذا الحزب، أو بالأحرى مشكلتنا معه، هو أنه — مع تمثيله للمتوسط العام — فإن أفراده بالقطع ليسوا أفضل العناصر المتاحة. وعظمة الأمم ليست فقط بارتفاع المستوى العام، وإنما أيضًا بحجم الصفوة ودورها.

انتهى الاقتباس.

وهكذا تبدو المشكلة عندنا في أن اختفاء «الرجل العظيم» وتقدُّم «أوساط الناس» لتحمل مختلف المسئوليات لم يُصاحبه — في معظم الأحوال — تحسُّن في الأوضاع المؤسسية في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، ولم يلبث أن انعكس ذلك على طبيعة هؤلاء الرجال العاديين، حتى أصبح اختيار تعبير «أوساط الناس» أو «المتوسط الإحصائي» لوصفهم غير مناسب لإعطاء المعنى المقصود تمامًا. ولعل اللفظ الأجنبي Mediocre هو الأقرب إلى المعنى المقصود، وهو لفظ يصعب ترجمته. فهو ليس بالضبط ضعيفًا، أو متوسطًا، ولكنه أقرب إلى الركاكة. فالركاكة في الأداء لا تعني عدم القدرة على الإنجاز أصلًا، بل إنها تُشير إلى القدرة على تنفيذ العمل المطلوب ولكن بلا إبداع، بلا روح. هناك شيء ما ناقص وإن كان لا يمكن التعبير عنه، ومع ذلك فلا يمكن الشكوى منه؛ لأن ما ينقص في الأداء أمر غير مُحدد، وفي نفس الوقت فلا يمكن الشعور بالرضا؛ لأن ما أُنجز غير كافٍ وغير مقنع؛ تنقصه اللمحة، الومضة، أسلوب الأداء، الإبداع، الروح، إنه الأداء عند الحد الأدنى. وهكذا نجد أنفسنا في مشكلة إزاء هذا الأداء الركيك. لا يمكن أن نسعد بما يقدمه، لأنه ينقصه شيء ما، ولا نملك أن نعترض أو ننتقد ما يقدمه لأن ما ينقصه غير محسوس. أداء لا يبرر الغضب أو الاحتجاج، ولكنه أيضًا لا يبعث على الرضا والانشراح، فهو أداء محايد بالمعنى السلبي.

وإذا كان الفرد العظيم قد تخلى عن مواقعه في الدول المتقدمة، وتقدم الرجل العادي ليحتل هذه المواقع مسنودًا بالمؤسسات، فقد تدهور الأمر عندنا عندما غلبت الركاكة على الأفراد والمؤسسات. وهذه الركاكة ليست مجموعة من الأفراد، بل إنها حزب، بل وحزب ناجح. وعندما نقول إنها حزب، ذلك أنه برغم أن أعضاءه قد لا يعرفون بعضهم البعض، إلا أن هناك انجذابًا طبيعيًّا بينهم، يلتقطون بعضهم البعض بحاسة غريزية أقرب إلى غريزة الشم، ويمثلون كتلة متماسكة ذات مصالح مشتركة. ولأنهم متشابهون كقطع الغيار فإن استبدال واحد بآخر لا يُقدم ولا يؤخر. يُجيدون الحديث ولكن بلا عمق ولا رؤية، يؤثرون السلامة. وهم رجال كل العصور، يفضلون الركود والاستقرار، لأن ما نعرفه أحسن مما لا نعرفه، ولكن لا بأس من التغيير — القليل — إذا كان هناك خطر فوات القطار. وهذا الحزب هو دعامة الاستمرار وتأييد الحاضر. والحاضر معهم لا يتقدم كثيرًا كما لا يتأخر إلا قليلًا. لا يتقدم كثيرًا لأن التطوير والتغيير يتطلبان خيالًا ومغامرة، وهي ليست من صفات أعضاء هذا الحزب. ولا يتأخر إلا قليلًا لأنهم ليسوا أغبياء فلا يرتكبون أخطاء كبيرة لأن الحرص أهم صفاتهم. إنهم لا يثيرون إعجابًا شديدًا كما لا يتعرضون لمعارضة قاسية، إنهم غير قادرين على بعث مشاعر جياشة تجاههم تأييدًا أو معارضة، فقط الملل واللامبالاة. إنهم أقوى الأحزاب وأقدرها على الصمود.

إن انتهاء عصر الأفراد العظماء في العالم المعاصر قد فتح الباب في دول العالم الثالث، ليس لظهور «الرجل العادي» المستند إلى المؤسسات القوية وإنما لغلبة الركاكة في الأداء. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.