لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حلٍّ — ملتوٍ أو مستقيم — لأزمتها العاجلة، فقبلت من التلاميذ والطلاب من استطاعت المعاهد والمدارس أن تتسع لهم، وأرضت من استطاعت إرضاءه من الآباء وأولياء الأمور، وأراحت بعض الصبية والشباب من هذه الحياة الحائرة الدائرة التي تطوف بهم في أحياء المدن، وتقفهم على أبواب المدارس والدواوين ضارعين خانعين خاضعين يستجدون حقهم، فيُردُّون عنه، أو يُمكَّنون منه فيما شاء الله من الغلظة والكبرياء، وفيما شاء الله من القسوة والعنف، وفيما شاء الله من التعالي والأزورار …

لعل وزارة المعارف أن تكون قد وُفِّقت إلى حل — مُلتوٍ أو مستقيم — لأزمتها هذه العاجلة. ولعل المصريين أن يكونوا قد خلصوا من هذا العناء الموسمي الذي يغرقون فيه إلى آذانهم أول الخريف، ثم لا يخلصون منه طول العام، وهو عناء المصروفات المدرسية التي يجدها أقلهم في يسر، ولا يجدها أكثرهم مهما يبذل من الجهد، ومهما يحتمل من المشقة، ومهما يفرض على نفسه من التكاليف.

فقد ينبغي أن تفرغ وزارة المعارف — وأن يفرغ المصريون معها — من هذه الأزمات الموسمية العاجلة، وأن يُفكِّروا في أزمة أخرى مستقرة ليست موقوتة ولا ميسورة الحال، وإنما هي خبرة العناية المتصلة، والتفكير الملح، والتروي العميق، وهي أزمة التعليم بالقياس إلى الشعب كله، لا بالقياس إلى هذه العشرات والمئات من الألوف التي تشقى بوزارة المعارف، وتشقى بها وزارة المعارف في أول الخريف من كل عام.

فنحن بإزاء شعب يتألف من نحو عشرين مليونًا من الناس، وهذا الشعب ينشئ أجياله المتلاحقة في كل عام، بل في كل شهر، بل في كل يوم؛ لأن الأطفال يولدون في كل ساعة من ساعات النهار، وفي كل ساعة من ساعات الليل. وكل جيل من هذه الأجيال الجديدة التي تُهديها الأيام المتعاقبة إلى مصر يولد ومعه مشكلاته المختلفة، وأهمها وأعظمها خطرًا: مشكلة التربية والتعليم. فنحن بين اثنتين لا ثالثة لهما؛ إحداهما: أن نطمئن إلى أن الأجيال المقبلة ينبغي أن تعيش كما عاشت الأجيال الماضية، وكما تعيش الأجيال الحاضرة، وإذن فليس علينا إلا أن نترك الحياة تمضي كما تستطيع بما فيها من شيءٍ كثيرٍ، وخيرٍ قليلٍ، وبما فيها من رقيٍّ مضطرب يسرع يومًا ويبطئ أعوامًا.

وهذه هي الحياة المريحة التي لا تُكلِّف الناس من الجهد إلا أيسره، ولا تُحمِّلهم من المشقة إلا أخفَّها وأهونها، وهي في الوقت نفسه الحياة التي تكفل للشعوب القوية أن تستغل الشعوب الضعيفة وتستذلها، وتكفل للأفراد الأقوياء الأغنياء أن يستغلوا الأفراد الضعفاء الفقراء.

أمَّا الخصلة الثانية، فهي أن تكون حياة الأجيال المقبلة خيرًا من حياة الأجيال الماضية والحاضرة، تمضي في رقيٍّ مطرد لا يتعثر ولا يتلكأ ولا يتعرض للاضطراب. وهذه الحياة هي الحياة المتعبة التي تحتاج إلى الجد المتصل، والجهد المتضاعف، والشجاعة التي لا تشفق من التعرض للعقبات، ولا من التغلب على المصاعب.

وهي الحياة التي تُشيع في الشعب الشعور بحقه، والإيمان بكرامته، والثقة بنفسه، والقدرة على أداء واجبه. وهي التي تقوِّي الضعفاء، فإذا هم أشد بأسًا وأصعب مراسًا من أن يستذلهم المستعمر، أو يستغلهم أصحاب المنافع والأطماع. نحن بين هاتين الخصلتين اللتين ليست لهما ثالثة، واللتين يجب أن نختار إحداهما لنعرف ما نأتي وما ندع، ولنكون من أمرنا على بصيرة، وليكون العالم الخارجي من أمرنا على بصيرة أيضًا.

فالعالم الخارجي إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا كما نعيش اليوم، وكما عشنا أمس؛ رتَّب خطته على أن يستغلنا ويستذلنا، ويعبث بمرافقنا كما فعل إلى الآن. ولكنه إذا عرف أننا نريد أن نعيش غدًا خيرًا مما عشنا اليوم وأمس، وأن نوفر لأبنائنا وأحفادنا ما لم يستطع آباؤنا أن يوفروا لنا من الحرية والكرامة والاستقلال؛ رتَّب خططه على أن يعاملنا معاملة الأحرار للأحرار، ويسير معنا سيرة الكريم مع الكريم.

وما أظن أن أحدًا من المصريين يريد أن تكون حياة ابنه أو ابنته، كما كانت حياته وكما كانت حياة أبيه، وإنما نحن نريد الرقي، ونريد الرقي بأوسع معانيه وأبعد حدوده ما في ذلك شك. يشهد بهذا استجابتنا لمحمد علي الكبير حين أنشأ مصر الحديثة، واستأنف الصلات بينها وبين العالم الخارجي المتحضر على أنها صلات بلد كريم حر يريد أن يستكمل بالعلم والمعرفة ما كان ينقصه من الكرامة والحرية أثناء حكم الترك العثمانيين.

ويشهد بذلك استجابتنا لإسماعيل حين أراد أن ينشر التعليم، ويجدد مصر، ويبسط نفوذها على آفاق الأرض وأقطارها، ويقوِّي الصلة بينها وبين أوروبا، وحين استوثق بأنه قد وضع لهذا كله الأساس المتين، فقال كلمته الخالدة التي أصبحت برنامجًا لنهضتنا الحديثة؛ وهي أن مصر جزء من أوروبا.

وحين استجبنا لفؤاد الذي أنشأ الجامعة وأصدر الدستور، ونشر تشجيعه للثقافة في مصر وفي خارج مصر، وأتاح للمصريين أن يتعلموا كأحسن ما يكون التعلم، وللأجانب أن يبحثوا وينتجوا كأحسن ما يكون البحث والإنتاج. ولن تكون مصر في عصر الفاروق أقل استجابةً للعلم والثقافة والرقي والطموح إلى الكمال منها في عصر فؤاد وإسماعيل ومحمد علي.

فنحن إذن نريد الرقي ما في ذلك شك، ومن أراد شيئًا وجب عليه أن يعدَّ له عدته، ويبتغي إليه وسائله. وليس للرقي عدةٌ إلا التعليم على اختلاف فروعه، وعلى اختلاف درجاته. التعليم الذي يُباح للناس جميعًا حسب ما تؤهلهم له فطرتهم ومواهبهم وطاقتهم العقلية. التعليم الذي لا يفرق فيه بين أهل المدن وأهل القرى، ولا يفرق فيه بين أهل الثراء والذين لا يجدون ما ينفقون. التعليم الذي يُباح للناس كما يُباح لهم ضوء الشمس، وكما يُباح لهم تنفس الهواء، وكما يُباح لهم ماء النيل.

هذا التعليم الواسع العميق الذي يُهدى إلى الناس جميعًا — ليأخذوا منه بحظوظهم التي تقسمها لهم مواهبهم — هو الأساس الأول والأساس الأخير للرقي الذي نطمع فيه، ونطمح إليه منذ أوائل القرن الماضي. وليس الاحتفال بالعيد المئوي لمنشئ مصر الحديثة إلا وقفة ننظر فيها إلى ما وراءنا لنرى الطريق التي قطعناها في سبيل الرقي — منذ دُفعنا في هذه الطريق — وننظر فيها إلى ما أمامنا لنرى الطريق التي ينبغي أن نسلكها، مذللين لعقابها، متغلبين لصعابها؛ حتى نبلغ ما ينبغي لنا من المكانة التي تحقق لنا الحرية والكرامة، وتتيح لنا المشاركة في تنمية الحضارة، وترقية الإنسانية.

كذلك فكَّرت الصفوة من المصريين، وكذلك تفكر الآن، وكذلك ينبغي أن تفكر غدًا. وليس ينبغي أن تفكر فحسب، وإنما ينبغي أن تفكر وتدبر أيضًا، وما أظن أن مصر أنشأت وزارة المعارف لتواجه أزمة التعليم في أول الخريف من كل عام، ثم تنام حتى تدور السنة لتستيقظ في أول الخريف من العام المقبل، وإنما أنشأتها لتدبر أمر التعليم، ما تحقق منه وما ينبغي أن يتحقق. فهي إذا حلَّت أزمة الخريف وجب عليها أن تفكر في أزمة الخريف المقبل، ثم فيما سيتلوه من فصول الخريف إلى أمدٍ بعيد.

وهي إذا سارت هذه السيرة لم تتعرض لأزمة، وإنما تمضي أمورها يسيرة سمحة، فتقبل الأجيال الناشئة في أول العام الدراسي وقد أعدَّت المدارس والمعاهد لاستقبالها في غير مشقةٍ ولا حرجٍ. ولو قد سارت وزارة المعارف هذه السيرة لكان لمصر الآن شأنٌ غير شأنها هذا البائس اليائس الذي نشهده محزونين في هذه الأيام. وما أحب البكاء على ما مضى، ولكن لا أحب أن نكسل ونخلد إلى الدعة؛ لنبكي غدًا كما نبكي اليوم وكما بكينا أمس، وأنا واثقٌ كل الثقة بأن مصر لن تستريح — وليس ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تنشأ فيها المدارس والمعاهد التي تكفل لأبنائها جميعًا أن يتعلموا دون أن يلقوا في ذلك عنتًا ولا حرجًا.

لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — دون أن تكون في كل قرية مدرستها الأولية التي تلائم حاجتها ووضعها الإقليمي، ودون أن تكون في كل مدينة مدرستها الابتدائية والثانوية، ودون أن يكون في كل إقليم ما يحتاج إليه من المدارس الفنية العملية، ودون أن تكون في القطر جامعات تكفي ليتعلم الشباب الطامحون إلى التعليم العالي، دون أن تزدحم بهم كلياتهم، ودون أن يتكلفوا الرحلة إلى المدن البعيدة، ودون أن يحتمل أهلهم في سبيل ذلك ما يطيقون وما لا يطيقون من النفقات.

لن تستريح مصر — ولا ينبغي لها أن تستريح — قبل أن تحقق هذا البرنامج، وليس تحقيقه سهلًا ولا يسيرًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وهو ليس في حاجة إلى عصًا سحرية، وإنما هو في حاجة إلى الإخلاص والثقة والإيمان بحق مصر في أن تكون بلدًا كريمًا، والفهم الصحيح للديمقراطية.

وإذا أُتيح هذا كله لوزارة المعارف، أخذت أمور التعليم بالحزم، وأنفذت برنامجها في غير تردد ولا تلكؤ ولا تعلل بالمعاذير. وستذكر صعوبة الميزانية، ولكني أقول الآن ما قلته دائمًا، وهو أن الميزانية ليست هي هذه الأرقام التي توازن بينها وزارة المالية في كل عام، وإنما هي موازنة الضرائب التي تُجبى للمرافق التي يحتاج إليها الشعب، وفي الأرض أممٌ تكلِّف أبناءها من الضرائب ما لو عرفناه لدهشنا له الدهش كله، ولكن الناس يؤدون ما يطلب إليهم؛ لأنهم يعلمون أنه يؤخذ منهم ليرد عليهم، ولينفق على مرافقهم.

وقد دُفِعَت مصر في هذه الأيام إلى نفقات ضخمة ليكون لها جيش قوي، فينبغي أن تعلم أن الجيش القوي يجب أن يدافع عن أمة قوية، وأن الأمة القوية هي التي تأتلف من المتعلمين لا من الجاهلين، ومن الأصحاء لا من المرضى، ومن الذين يُسِّر لهم العيش ولم يقتر عليهم فيه.

فإذا كانت مصر تريد أن تكون خليقة بنفسها وبتاريخها وبآمالها؛ فالطريق أمامها واضحة، وهي أن تنشئ لنفسها وزارة تعليم تحسن النهوض بأعباء التعليم، وتجعل الثقافة في عصر الفاروق خليقة بما قدَّم محمد علي وإسماعيل وفؤاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.