أجَلْ جهد هائل هذا الذي بذله رئيس الجمهورية ليضع هذا الأثر الرائع الذي يسميه الميثاق الوطني.

ولست أدري كيف وجد الوقت وأين وجد القوة ليفرغ لهذا العمل الخطير ويخرجه في صورته الرائعة التي عرضها على المؤتمر الوطني منذ أيام؛ فهو مُثقل بأعمال جِسام تنوء بالعُصبة أولي القوة، وتستغرق ليله ونهاره، ولا تُتيح له أن يستريح ولا أن يُريح أعوانه الذين يعملون معه من قرب.

وهو على كثرة الأعمال وثقلها الفادح واستغراقها لأكثر وقته قد استطاع — ولست أدري كيف استطاع — أن يَفْرُغ لدرس الحياة المصرية من جميع أقطارها؛ لدرسها أثناء تاريخ الشعب المصري على طوله والتوائه وتعقده في كثير من العصور، ولدرسها في حاضرها المعقد المثقل بالمشكلات من جميع الألوان، ولتصورها، بل تحققها في مستقبلها البعيد الذي نعرف أوله ولا نستطيع أن نعرف دقائقه على مر الأيام والسنين.

ولاستخراج هذه الحقائق الخصبة البارعة التي تحدَّث بها إلى الشعب مساء الإثنين الماضي.

لقد سمعتُ الميثاق حين عرضه الرئيس على المؤتمر وقرأتُه بعد ذلك، وأعترف بأني لا أكاد أقضي العجب من قدرته، مع وقته الضيق وقوَّته الموزَّعة، على أن يخرجه كما عرضه واضحًا جليًّا لا غموض فيه ولا التواء.

إنما هو توفيق كتبه اللَّه له، وأرجو أن يكتب له أمثاله في كل ما يحاول من قول أو عمل؛ لأنه حين يعرض لحياة الشعب بالقول أو العمل لا يفكر في نفسه ولا يحفل بجهده ولا بقوَّته ولا بطاقته، قد أخلص نفسه للوطن وأخلص له قلبه وضميره، فأحسن الله إليه كما يحسن هو إلى مواطنيه.

وأنا مع ذلك أسأل نفسي عن هذا البحث الرائع العميق الذي أخرجه الرئيس: أهو حقًّا ميثاق وطني، أم هو كتاب مفصل يشتمل على كل ما تحتاج إليه لتستخرج منه خلاصة واضحة جلية يفهمها ويتمثَّلها كل من قرأها أو سمعها، في غير احتياج إلى وقوف عند هذه العبارة أو تلك، وفي غير احتياج إلى سؤال عن معنى هذه الجملة أو تلك؛ خلاصة يقرؤها القارئ ويسمعها السامع في وقت قصير لا يتجاوز الساعة بل لا يَبْلُغُها.

هذا أجدر أن يصل إلى قلوب الناس جميعًا، سواء منهم ذو الثقافة العالية وذو الثقافة المتوسطة، ومن لم يُتح له حظ ذو بال من الثقافة.

فقد كنت أظن أن الرئيس سيقرأ الميثاق على المؤتمر في نصف ساعة أو في أكثر من ذلك قليلًا، ولكنه احتاج إلى ستِّ ساعات ليقرأ هذا الميثاق.

وأنا أعلم أنه قد قوطع كثيرًا بالتصفيق والهتاف، ولكني أعلم أني حين فرغت لقراءته لم أقرأه في ساعة ولا ساعتين. أقول هذا ولا أريد به أن النص الذي عرضه الرئيس قد طال أكثر مما ينبغي، بل أنا معجب بما أُتيح للرئيس من الإيجاز ليقول في هذا النص كل ما قاله، ولكن الميثاق الوطني الذي يوجه إلى الشعب على اختلاف طبقاته وعلى اختلاف حظوظه من المعرفة والثقافة، يجب أن يكون — فيما أعتقد — أقصر وأيسر من ذلك.

ولقد كنت أقرأ هذا النص، وأفكر في كتاب من هذه الكتب السياسية والاجتماعية التي ينشرها الفلاسفة والممتازون من الساسة؛ ليقرأها أهل العلم وأصحاب الثقافة، ولعل كتاب رأس المال لماركس قد خطر لي مرات أثناء قراءة هذا النص.

فهذا النص إذن هو رسالة من الرئيس إلى الشعب يضع فيها أصول الحياة التي تنبغي، لا للشعب المصري وحده؛ بل للأمة العربية كلها، ولشعوب أخرى تسعى إلى الرقي وإلى الحياة الحرَّة الكريمة التي تقوم على العدل والإخاء المساواة. ومن هذا النص — الذي هو منهاج فلسفي مفصل — يجب أن يستخلص البرنامج الموجز للحياة المصرية، الذي يستطيع كل إنسان أن يقرأه وأن يفهمه وأن يستجيب له بقلبه وضميره في غير مشقة ولا عناء. ولو أطاعني المؤتمر لانتخب من بين أعضائه لجنة من المختصِّين تتدبر هذا المنهاج وتتعمقه وتستخلص منه النص الموجز الذي أشير إليه.

لقد استجبتُ لهذا المنهج حين سمعته من الرئيس، وازددتُ استجابة له واقتناعًا به واطمئنانًا إليه حين فرغتُ بعد ذلك لقراءته. ولم أقف إلا عند نقطتين اثنتين لم تطمئن إليهما نفسي؛ فأما أولاهما فتاريخية لا تمس الحاضر ولا المستقبل، وليس الخلاف فيها إذن خلافًا في البرنامج الذي يريد الرئيس أن تقوم عليه الحياة المصرية، وذلك حين تحدث الرئيس عما صارت إليه أمور الأحزاب المصرية بعد المطالبة بالاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

وكل ما قاله الرئيس عن هذه الأحزاب وما كان من اختلافها وتنافسها في الحكم واستباقها إليه، لا غبار عليه ولا معنى للجدال فيه، ولكن الرئيس تحدث عن المثقفين وعن نشاطهم في هذه الفترة بين الثورتين؛ ثورة سنة ١٩١٩ والثورة القائمة. ويخيل إليَّ أنه لم ينصفهم الإنصاف كله، فهم قد انضموا إلى الأحزاب، واختلفوا كما اختلفت هذه الأحزاب، وأضاعوا في السياسة العقيمة كثيرًا من جهودهم وأوقاتهم. ولكنهم في الوقت نفسه لم يخضعوا جميعًا للإغراء، ولم يتنافسوا جميعًا في الحكم، ولم تكن جهودهم كلها عقيمة، وإنما كانت لهم جهود صادقة باقية الأثر. وما أشكُّ في أن الرئيس يعرف هذه الآثار ولا يجحدها، فهؤلاء المثقفون قد أثاروا في هذه الفترة نهضة فكرية ونشاطًا عقليًّا لا سبيل إلى الجدال فيهما، فهم قد أيقظوا الشعب وعلَّموه بما ألَّفوا من الكتب وما نشروا من الأدب، بل بكثير مما كتبوا في السياسة، وهم قد كانوا قوام التعليم في المدارس والمعاهد على اختلافها، وهم قد نهضوا بأعباء الجامعة بل بأعباء الجامعات الثلاث؛ جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس، وهم قد خرَّجوا ألوفًا كثيرة من الشباب الذين ينهضون في هذه الأيام بأعباء الحياة، لا في مصر وحدها بل في غيرها من البلاد العربية، وكنت أود لو أنصفهم الرئيس شيئًا بعد أن ذكر انضمامهم إلى الأحزاب وانسياقهم معها.

هذه واحدة، أما النقطة الثانية التي وقفت عندها حين سمعت الميثاق، فهي ما ذكره الرئيس حين تحدث عن مهمة الجامعات، فأكد — وله الحق في ذلك كل الحق — أن العلم ينبغي أن يتجه إلى إصلاح الحياة وترقيتها، ولكنه قال: إن العلم للعلم في حد ذاته مسئولية لا تستطيع طاقتنا الوطنية في هذه المرحلة أن تتحمل أعباءها. وقد وقفت عند هذه الجملة؛ لأني أعتقد أن العلم للعلم تبعة نستطيع أن نحتملها في هذا الطور من أطوار حياتنا. ذلك أن على الجامعات والمعاهد العليا أن تعلم الشباب تعليمًا صحيحًا صالحًا يُمكنهم من النهوض بأعباء الحياة والنفوذ من مشكلاتها ومن إصلاح الحياة وترقيتها، فإذا وجد بين هذه الألوف الكثيرة من طلاب العلم من ملك حبُّ العلم عليه نفسَه وأراد أن يُخلص قلبَه وعقلَه للدرس وأن يقف حياتَه على البحث العلمي، فلا ينبغي أن نردَّه عن ذلك ولا أن نغريه بالانصراف إلى الخدمة العملية، بل يجب أن نشجعه كل التشجيع على أن يمضي في الدرس والتحصيل وتعمق حقائق العلم؛ لأن ذلك من خير ما تُخدم به الشعوب. فمن يدري لعل هذا الذي وقف حياته على العلم وأخلص نفسه للبحث والدرس، أن يستكشف ذات يوم حقيقة من الحقائق العلمية تملأ الحياة من حوله معرفة ونورًا، وعسى أن يكون لها الأثر كل الأثر في إصلاح الشعب وترقيته، وهي على كل حال تشرف الشعب وترفع مكانته بين الشعوب. والمواهب فضل يؤتيه الله لمن يشاء، ولا ينبغي أن يُرَدَّ أصحابُها أو يُصَدُّوا، فكلٌّ ميسر لما خُلق له.

وأنا بعد ذلك مطمئن إلى أن هؤلاء الذين قد يُخلصون أنفسَهم للعلم ويقفون حياتهم عليه، لن يكونوا إلا قِلَّة قليلة، لا في شعبنا وحده بل في شعوب الأرض كلها.

وقد ذكرت هاتين النقطتين اللتين وقفت عندهما لسبب واحد، هو أن الرئيس نفسه يؤكد في الميثاق أن النقد ضرورة من ضرورات الحياة الناهضة.

وأنا بعد ذلك لا أدري كيف أهنئ الرئيس بهذا التوفيق الرائع، وكل ما أملكه هو أن أسأل اللَّه مخلصًا أن يُتيح له أمثال هذا التوفيق في كل ما يحاول من جهد في سبيل ترقية الشعب ورفع مكانة الوطن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Selim Dawla ·٢ ديسمبر ٢٠١٣، ١٦:٤١ م

    شكرا ألف ألف شكر على هذا المحهود التنويري وأنتم سلالة " بروميثيوس العصر " طه حسين لقد اطلعت على كتاب أثناء زمني الطالبي بهذا العنوان حول الدكتور طه حسين وضاع عني .. دمتم أحرارا ووردة تليق بمقامكم .. مع الف ألف شكر مرة أخرى على الكتب والمقالات المفيدة والشيقة ..