أدرس الآن آخِر ما توصَّلْنا إليه من تقدُّم في فهمنا للحمض النووي للنياندرتال، من أجل عمودي الذي بعنوان «ماتر» في العدد الجديد من صحيفة نيويورك تايمز. لقد حدث تهجين بين النياندرتال والبشر قبل حوالي ٤٠ ألف سنة مضت، ولا يزال الحمض النووي للنياندرتال في الجينوم البشري إلى الآن. ويعمل العلماء الآن على رسم خريطة لجينات النياندرتال تلك التي نحملها، ويكتشفون أيٌّ من هذه الجينات أفادنا وأيُّها أمرضنا.

ثَمَّةَ شيء لم تُتَحْ لي المساحةُ لمناقشته، هو سؤال لا أنفكُّ أطرحه ودائمًا ما يجيب عنه العلماء إجابات غير واضحة إلى حدٍّ مثير للفضول: هل أفراد النياندرتال ينتمون لنوعنا البيولوجي؟ هل ينتمون إلى نوع الإنسان العاقل؟ هل هم ينتمون إلى نُوَيْعٍ من الإنسان العاقل: «إنسان نياندرتال العاقل»؟ أم أنهم نوع منفصل — «إنسان نياندرتال»؟

لفترة طويلة من سنوات القرن العشرين، كان كثير من العلماء يعتبرون النياندرتال أسلافًا للأوروبيين الموجودين حاليًّا، لكن في أواخر القرن نفسه، زعم بعض الباحثين أن البشر الموجودين ينحدرون من جماعة صغيرة من الأفريقيين انتشرت في باقي أجزاء العالم. وقد قضى اكتشاف الحمض النووي للنياندرتال على هذا التقسيم الثنائي تمامًا؛ إذ يرجح الحمض النووي المكتشَف أن البشر والنياندرتال ينحدران من سلف مشترك عاش قبل ٦٠٠ ألف سنة. وبعد مئات الآلاف من السنين، اتصل النوعان معًا وتزاوجا. إن كون البشر يحملون بعضًا من الحمض النووي للنياندرتال يُظهر أن نسل النياندرتال الهجين استطاع أن ينجب أطفالًا. وقد يذهب أحدهم إلى أن هذه القدرة على التناسُل تعني أننا ننتمي إلى النوع نفسه. فربما نحن لسنا سوى نُوَيْعٍ انتهى به الأمر إلى هذا الشكل المختلف لأننا تأقلمنا على ظروف مختلفة؛ أفريقيا في مقابل أوراسيا.

لكن أحدث الأدلة أخذت منعطفًا جديدًا؛ إذ يبدو أن الجينات الكثيرة الموروثة من النياندرتال قد قلَّلَتْ عدد النسل الذي يمكن أن تُنجِبه السلالات الهجينة؛ وهذا من شأنه تفسير السبب وراء انعدام وجود الحمض النووي للنياندرتال من قطاعات كبيرة من الجينوم البشري.

والسبب وراء التأثير المضرِّ لتلك الجينات ليس بواضح بعْدُ، لكنَّ القرائنَ مدهشةٌ. خُذْ على سبيل المثال، إف أو إكس بي ٢، وهو جين يرتبط باللغة لدى البشر. يحتوي الحمض النووي للنياندرتال أيضًا على جين إف أو إكس بي ٢، لكن يبدو أن الانتخاب الطبيعي قد استأصل النسخة النياندرتالية من هذا الجين من مجموعة الجينات البشرية؛ فهل كان البشر الذين يحتوي حمضهم النووي على إف أو إكس بي ٢ يعانون مشكلات في التحدُّث؟ كذا، ثَمَّةَ قرائن أخرى على أن جينات نياندرتال كوَّنَتْ سلالات هجين ذكرية عقيمة. لم يكن بالضرورة أن تكون هذه الآثار كارثية لتؤديَ إلى اختفاء جينات النياندرتال؛ فربما تكون تلك الجينات قد بليت على مدار الأجيال الكثيرة.

لا يوجد عوائق تناسلية معروفة بين أيٍّ من البشر الموجودين حاليًّا، بصرف النظر عن مدى تباعُد العلاقة بينهم. هذه العوائق محورية بالنسبة إلى منشأ الأنواع البيولوجية الجديدة (رغم أنها لا تزال تسمح لبعض الجماعات السكانية بالتهاجن حتى بعد ملايين السنوات). ومن ثَمَّ، ربما يمكننا قول إنه رغم أن النياندرتال ليس نوعًا منفصلًا، فإنه كان قد قطع شوطًا في سبيله نحو الانفصال.

Neanderthals: Intimate Strangers by Carl Zimmer. The Loom. January 29, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.