ذهبنا بالأمس إلى دار الأوبرا لرؤية «دزرائيلي» تعريب صديقنا الفاضل أندراوس أفندي حنا، وأخذنا مقاعدنا ونحن سكوت لا ننطق ببنت شفة، ينظر الواحد منا لصديقه نظرة حائرة، كأننا كنا نخشى أن نشاهد رواية سقيمة، أو نمضي في دار الأوبرا ساعتين نتململ فيهما فنغادر كراسينا قبل انتهاء التمثيل. خشينا ألا يقوم الممثلون بواجبهم، ولجورج في الرواية الدور المهم، وجورج مشهور «بالكلاسيك»، وليس له في الروايات العصرية قسط وافر. أجل جلسنا جِلسة الخائف إلى أن دق رئيس المسرح دقاته الثلاث، وارتفعت الستار عن السيدة ماري كفوري جالسةً على مقعد تداعب بإبرتها قطعة من القماش، ثم دخل عبد القدوس وبشارة. ولبثنا إلى نهاية الفصل معجبين بما رأيناه، ومتشوقين لرؤية الفصل الثاني. وانقلب خوفنا اطمئنانًا وحزننا فرحًا، وصفقنا تصفيق من يطير الفرح بلبه ويملك السرور عليه نفسه.

(١) الرواية

لا أقول إن الرواية من أحسن الروايات نوعًا إذا نظرنا إلى قيمتها الأدبية، وأقصد بكلمة أدب هنا Litérature؛ فما عمادها إلا حادثة سياسية وقعت في إنكلترا في عهد دزرائيلي «اللورد بيكو نسفيلد» رئيس الوزراء. أراد دزرائيلي شراء أسهم مناجم الذهب في إيران لبلاده (هكذا كما رأينا الرواية على المسرح)، ورأى أعداؤها أن يقفوا في وجهها؛ ليحولوا بينها وبين شراء هذه الأسهم ويشتروها لبلادهم؛ فدسوا حوله الجواسيس، وكادوا أن ينجحوا في مهمتهم لولا حكمة الوزير.

لم يعمد المؤلف إلى درس أخلاق أشخاص روايته درسًا دقيقًا، فكان جُلُّ مناه في هذه الرواية شرح تلك الحادثة شرحًا دقيقًا، وصبها في قالب تمثيلي محكم يوافق روح العصر الذي تدور فيه حوادث الرواية؛ أي القرن التاسع عشر. رأينا المؤلف يسير في الرواية سيرًا هادئًا لطيفًا، فلم نسمع بطلقة من طلقات الرصاص، ولم نرَ مفاجأة لا يتصورها العقل ولا تقبلها النفس، ومشتِ الحوادث في الرواية في دائرة لا تخرج عن الحقيقة. ولم يقصد المؤلف إزعاج الجمهور والتأثير على أعصابه بغير ما توافق عليه الحقيقة الناصعة؛ لهذا خشيت ألا تنجح الرواية، لأن جمهورنا لا يحب غير المغالاة في كل شيء يراه على المسرح. ولكن قدرة المؤلف كفتنا مؤنة ذلك الخوف، ونجاح جميع الممثلين في أدوارهم حبب للجمهور ذلك النوع الجديد؛ نوع الروايات العصرية التي لا تبحث إلا عن الحقيقة. كما أن الرواية جاءت محكمة الوضع، ونحن لا نأسف إلا على بتر الفصل الرابع، ولكن ما ذنب جورج إذا حتَّمت عليه الظروف أن ينتهي من التمثيل في الساعة الحادية عشرة؟ نوجه نظر ولاة الأمور لذلك، ونرجو أن يمدوا أجل التمثيل في كل ليلة إلى منتصف الليل، حتى تخرج الروايات على المسرح سليمة من كل عيب. وما عذرهم الآن وقد انتهت الحرب؟!

(٢) التمثيل

جورج أبيض

مثَّل جورج أبيض دور دزرائيلي، ودزرائيلي يهودي إنكليزي ولد في لندن عام ١٨٠٤، واشتغل بالسياسة عام ١٨٣٧، وكان من كبار رجال المحافظين. ثم تولى رياسة الوزارة عام ١٨٦٨، وما زال يتبادلها مع جلادستون عهدًا طويلًا، وعارض في معاهدة سان استيفان عام ١٨٧٧، وكان السبب في إعطاء قبرص لإنكلترا. ثم نال لقب اللورد بيكو نسفيلد، وتوفي عام ١٨٨١ بعد أن خلد له في صفحات التاريخ ذكرًا حميدًا. وكان مشهورًا بدهائه وحكمته وغيرته على أمته ونظره الثاقب في عواقب الأمور. وما أجملَ جورجَ وهو يقول على المسرح ممثلًا دور دزرائيلي: «لم أعرف النجاح في حياتي إلا بعد أن عرفت الفشل!»

أقدم جورج أفندي هذه المرة على تمثيل دور عصري خالٍ من الصرخات والاضطرابات والشهيق والأنين، لا يرفع فيه الممثل صوته عن الطبقة المعتادة غير مرات معدودة لا تزيد على عدد أصابع اليد. دور عماده الهدوء والسكينة وتلك النظرات الحادة الثاقبة التي تغور في أعماق قلوب الناس، ويستخرج منها دقائق الأسرار، وتلك المشية الهادئة التي تنم عن الحكمة والدهاء، وتلك السذاجة الكبيرة التي يعمد إليها رجال السياسة أحيانًا. مثَّل جورج هذا الدور، وجورج لم ينجح في رواية عصرية قبل الآن، اللهم إلا رواية «قلب المرأة» و«في سبيل الوطن»، وكلاهما مجموعة من التلهف والصراخ والأنين والغضب. مثَّل جورج هذا الدور فقلنا لأنفسنا: إنه سيذهب به إلى قرار الهاوية. ولكن جورج أتى في هذا الدور بالعجائب. مثَّل الدور تمثيلًا متقنًا لا غبار عليه؛ نجح فيه نجاحًا يحسده عليه عدوه ويغبطه صديقه، بلغ فيه الغاية القصوى التي ليس وراءها غاية. ومن العجيب أنه لم يرفع صوته عن الطبقة العادية إلا مرات قليلة استوجبتها مواقف دوره! وكنت تراه ثاقب النظرة هادئًا في مشيته، تارة يعمد للسذاجة وطورًا للدهاء وآنًا للسكينة. مرحى، مرحى لهذا النجاح الجديد، ولهذه القدرة الفنية التي أظهرها لنا جورج أبيض على المسرح مساء أمس! لقد نجح في دوره أكثر من نجاحه في «هملت» و«ريشليو». فعل فيه ما يفعله الممثل القادر الذي يحفظ دوره عن ظهر قلب ويدرسه حق الدرس، ثم يظهره لنا على المسرح لا تشوبه شائبة. أهنئ صديقي أبيض من أعماق قلبي لنجاحه وانتصاره في دور عصري يقول عنه الناس: إنه لا يوافق طبيعة جورج. وليس لي أن أقول بعد ذلك غير هذه الجملة: «حيَّا الله هذه القدرة وهذا النجاح الجديد!»

بشارة يواكيم

مثَّل بشارة في الرواية دور الفتى الأولى، دور اللورد العاشق ذي النفس الشريفة، والعواطف الفياضة والقلب الجريء والإخلاص الكبير والجرأة العظيمة التي تحدو به أحيانًا لإفساد مآرب رئيسه السياسية. مثل بشارة ذلك الدور وأتقنه إتقانًا كبيرًا، بل كان فيه آية في الإبداع. ومن العجيب أنني رأيت كثيرًا من أصدقائي الذين لا يعرفون بشارة يسألونني عنه، ويقولون: «من أين أتى للتمثيل هذا الشاب القادر، ومن هو؟» فكنت أجيبهم عنه وأنا باسم الثغر طروب النفس لنجاح هذا الشاب المجد.

عبد القدوس، وزكي طليمات

مثَّل الاثنان دورين صغيرين، فظهر الأول في الفصل الأول، وظهر الثاني في الفصل الثاني. مثل عبد القدوس دور الدوق، ولم يكن الدور من الأدوار الشاقة التي تظهر فيها قدرة الممثل، ولكنه أخرجه على المسرح لا تشوبه شائبة، وإني أهنئه على نجاحه. ومثل زكي دور الجاسوس، وهو دور صغير، ولكنه يحتاج لقدرة كبيرة ونجح فيه نجاحًا كبيرًا؛ فكانت إشاراته وحركاته ولفتاته توافق جميع مواقف دوره. وقد تقلب في دوره كثيرًا، وفعل ما يتطلبه منه دور جاسوس خائن ماكر، وإني أهنئه على هذا النجاح.

سارينا وإبريز

مثَّلت إبريز دور «الجاسوس» وأتقنته، بل هو من أدوارها المعدودة ونجحت فيه، ولكني ألفت نظرها لأمرين: تلك الأغلاط النحوية التي تململ منها الجمهور كثيرًا، وثانيها: برودها في نهاية الفصل الثالث، وكان من واجبها أن تظهر بمظهر المرأة الجاسوسة التي فقدت كل آمالها وأمانيها.

أما سارينا فقد نجحت في دورها أيضًا، ولكني ما زلت أوجه لها اللوم الذي وجهته لها في رواية «ريشليو»، ثم أشكرها بعد ذلك لإتقان التمثيل بالسذاجة التي يتطلبها دورها.

بقية أفراد الفرقة

أتقن بقية الأفراد أدوارهم الصغيرة، فمثلت مريم سماط دور زوجة دزرائيلي، ونجحت وإن كان الدور لا يحتاج لعناء كبير. ومثَّل منسي فهمي دور الإسرائيلي صاحب البنك ونجح فيه نجاحًا كبيرًا، فأخرج لنا صورة حقيقية لذلك الرجل، ويا حبذا لو أقدم منسي فيما بعد على مثل هذه الأدوار التي توافقه! ومثل إسكندر كافوري وعباس فارس دورين نجحا فيهما. ومثل عبد العزيز خليل دور رئيس بنك إنكلترا ولم يفعل فيه شيئًا كبيرًا.

(٣) النتيجة

ليس لي بعد ما كتبت إلا أن أقول: إن فرقة أبيض قامت بالواجب في تمثيل هذه الرواية، وإني أهنئها على نجاحها، وأنصح لها أن تتبع هذه الخطة الحميدة في كل رواية تمثلها، وكفى فخرًا أنها أصلحت في روايتي «ريشليو» و«دزرائيلي» النقص الكبير الذي حطمت به رواية «هملت».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.