فصل (١): بين العبرات والزَّفرات

يقضي ساعات الليل ومُعظم النهار بين قلب يجف، ودمع يكف، وجسم يرتجف، شهيق وحريق زفير، وسعير وجيب، ولهيب عين ساهرة، وهموم ثائرة، ونفس حائرة، بين ماضٍ مؤلم ومُستقبل مُظلم، صَامِتًا إلَّا من كلمات مُتفرقات يَسْبِقْنَ إلى قلبي فيُثرنَ كمينه، ويُهجن دفينه، يتلجلج بهن لسان لا يكاد يقوى على النطق … أواه! ويلاه! ليتني! لكنني …

على أنه منذ أيام قد كان يستطيع أن يخرج إلى ظاهر القاهرة، أو شاطئ النيل فيُسرِّي همَّه، ويُسلِّي حُزنه، أمَّا الآن فقد لزم الفراش؛ فما يستطيع الحركة ولا يقوى على النهوض.

وأصبح مثل النَّسْر طارت فراخه

إذا رام تطيارًا يقال له: قع

رحماك اللهم بهذا الشاب! ماذا جنى؟ وما عسى أن يكون ذنبه؟ إنه لم يبلغ الثالثة والعشرين من عمره، ولم يحمل من أعباء الحياة ما يكل متنه، أو يثقل كاهله. لم يشفَّه عشق ولم يستخفه غرام، لم يشك علة بعينها على أنه قد أعيا الأطباء.

رحماك اللهم! إنه يعول أبوين وأخوين، فمن لهم إذا اختطفته المنية من بينهم بعد حين، رحماك اللهم! أيذوي هذا الغصن اللدن، وتذبل هذه الزهرة الناضرة، ويستأثر القبر بهذا السيد، وتضم الأرض هذا الشخص الكريم، بعد أن كان مثال الكمال في الخَلْق والخُلُق؟ كان بديع الصورة، جميل الطلعة، وضيء المنظر، حسن المخبر، طاهر النفس، طيب السيرة، لا يعرف الشر ولا يميل إليه؛ اللهم إلا زلة هي أصل نكبته، ومصدر محنته، ذلة إلا تكن صغيرة فقد كانت حداثة سنه فيها خير شفيع.

ذنب إلا يكن مغفورًا فإنه لم يرغب فيه ولم يأته طائعًا، جناية إنْ تكن فظيعة؛ فإنما جناها عليه حسنه وخبث النساء. يا لله وللمُحدثين! عقول ناشئة، ونفوس ضعيفة إلى خفة الروح، وجمال الطلعة، وتهافت الباغيات عليهم، وتغافل الآباء عنهم، فماذا يصنعون؟ يسأل القارئ عن هذا الشاب الذي صفت نفسه من الدنس، وطهرتْ من كواذب الأخلاق: كيف يعثر أو يذل؟ ولكنه إذا التفت إلى أنَّ قوة من الشرِّ تكمُن في كل نفس مهما كانت خيرة، وتُهِيجها المُؤثرات الخارجية إذا لم يتغلب عليهن حب الخير، بلغ من الشاب عُذرًا، وسأل عن هذه المؤثرات، وأنا بالإنابة له عنهن زعيم.

فصل (٢): الفجور بعد العفة

نَشَأ هذا الفتى في قرى الرِّيف نشأة الفُقراء، ولم يخطر لأبيه الجاهل أنْ يذهب به إلى مكتب أو مدرسة ليثقف عقله؛ فكان كأترابه لا يعرف له حقًّا أكثر من أنْ يملأ بطنه طعامًا، وجفنيه نومًا، ولا يشعر عليه بواجب أكثرَ مِنْ أنْ يغدُو بالثاغية إلى حقل أبيه، ثم يروح بها بعد ذلك إلى الرَّبض، فلمَّا راهق لم يرقه هذا الشظف، ولم تُوافقه هذه الخُشونة، فشخص إلى القاهرة، واتصل فيها بخدمة كبيرٍ تبناه وأكرم مثواه، وأباح بعد الابتلاء حجاب حُرَمِهِ؛ فكان يدخل ويخرج وكأنه قسيم أهل القصر في عيشهم، ولم يكن ذلك الإكرام ليُبطره أو ليميل به إلى الكسل؛ فقد كان يقوم بالخِدْمَة خير قيامٍ قادح العزيمة مؤتنف النَّشاط.

ولم يخطر له يَومًا ما أنَّ عينًا في القصر تنظر إليه، ولكن نظرًا غير الذي يعلمه، لم يخطر له أنَّ قلبًا في القصر يعطف عليه، ولكن عطفًا غير الذي يَعهدُه، بل لم يخطر له أنَّ نفسًا في القصر تَكلَفُ به يقظة، وتحلمُ به نائمة، بل لولا الحياء لقُلتُ: لم يخطر له أن سيدة القصر تهواه.

لم يشعر بكل ذلك؛ لأنَّه خادِمٌ لنْ يُفكر في أنْ يَسمو إلى هذه المنزلة، فكان لا يَمضِي هزيعٌ من الليل إلا وهو على سريره مُستغرقًا في نوم لذيذ، على أنه لو عرف شيئًا من ذلك لأنكره كل الإنكار؛ لأنَّه أعلم الناس بمكان السيدة من السيد، ولأنَّه يحفظ للرجل حسن صنيعه معه، وثقته به، وائتمانه إياه، ولكنْ للشرِّ تأثيرًا في النفس أسْرَع من تأثير الخير، وللنفس تأثر بالشر على بُغضها إياه أكثر من تأثرها بالخير على حُبِّها له، فلم تلبث أنْ بدرت للفتى من سيدته بادِرَة فعبثت بقلبه دواعي الفجور، وما هي إلا أن اتصلت الأسباب وتوثقت العرى.

وكان ما كان مما سوف أذكره

فظُنَّ شرًّا وقِفْ مني على الخبر

في ذات ليلة لبثَ الفتى في خدمة مولاه كعادته حتى فرغ من طعامه وشرابه، وركب إلى حيث يقضي الليل، وكان من الذين لا يألفون البيت إلا نهارًا؛ فبينا الفتى راجعٌ إلى حيث يطعم اعترضته جارية تقول همسًا: أجبْ مولاتك؛ فإنها تدعوك. ولمَّا وقف بين يديها سألته مُبتسمة: هل طعم مولاك؟ أجاب: نعم وخرَج، قالت: فأنت إذن تُريد أنْ تأكل؟ أجاب: إذا لم تكن لمولاتي إلي حاجة، قالت: لتجلس على المائدة كعادتك، ولكن في غير طعام؛ لأنَّك ستأكل معي الليلة بعد ساعتين.

وهنا أظهر الفتى بعض الحيرة، وتغافلت عنه السيدة، فخرج بين الجذل والوجل. وبعد حين، دُعي إلى سيدته، فلما رأته قالت مُبتسمة: قد مضى أكثر من ساعتين، أجاب: نعم، قالت: فلماذا لم تأتِ؟ فهمَّ بالجواب ولكنَّ الحياء عقل لِسَانه، وإذ ذاك خفَّت إليه فأخذته بذراعه وأجلسته بجانبها إلى المائدة، ولم ينصرف عنها إلا مُنصرف الليل.

وعلى هذه الحال استَمَرَّ أشهرًا إلى أنْ كانت تلك الليلة التي لم ير الفاجران أحسن منها، كما أنهما لم يريا أشأم منها: جلسا في هناء يتنازعان أكؤسه، وإذا بالزَّوج قد توسط الغُرْفَة، ووقفت امرأته بين يديه، فلما رأى ذلك ولى مُدبرًا وتبعه الرَّجل عدوًا بمُدْيَةٍ صَادَفها؛ فلما استيقن أنَّ الفتى سابقه لا محالة رماه بالمُدية؛ فغارت في فخذه، ومضى الفتى في سبيله حتى بلغ مأمنه؛ فسقط إلى الأرض مغشيًا عليه.

أما الرَّجل فرَجع إلى زوجه؛ فإذا هي واقفة وقد اكتست ثوبًا من الرزانة، وظهرت على وجهها أمارة الغيظ، فما كاد يُكلمها حتى أوجعته تأنيبًا وتعنيفًا تقول: الآن دأبُك هتك الأعراض، تتهم الناس بهتك عرضك، ألم يكفك صبري على غلوك في الفجور، وتماديك في الغواية حتى جئت تتهمني في خادم؟ و«رأس أبي» ما دعوته إلا ليكون مُؤنسي ريثما تأذن لك صاحبتُك الباغية بالمجيء.

أمَا وَقَدْ بَلَغَ سوء ظنك بي هذا المبلغ، فلأذهبن إلى بيت أبي مذ الغد. وبهذا الكلام استطاعتْ أنْ تُطْفِئ غَيْرَته؛ فكَأنما صبتْ عليه جرة من الماء البارد؛ فجلس يعبث بشاربه ويقول: وأنت ممَّ تغضبين؟ إنَّ هذا عرَضٌ من الغيرة يعرض لكل إنسان إذا رأى عند امرأته شخصًا، ومعاذ الله أن أتهمك بسوء! ولكني شنئت هذا الخادم، ولا أُحِبُّ أن يبقى في القصر بعد الليلة.

قالت: شأنكَ به، ولكن ثقْ بأنك قد تجنيت على بريء، وثأرتَ من غير واترٍ إن كانت مُديتُك قد أصابته بسوء، قال: إني قد رميته بالمدية فأصابت فخذه، وما أظنها إلا مستوية، على أنه من الميسور أن يُداوَى في غير هذا القصر، ويُرشى بشيء من المال فينقطع لسانه عنا.

وبعد حين، أفاق الفتى من غشيته؛ فإذا هو في غرفة لا عهد له بها، وإذا الطبيب إلى جانبه يُدني من أنفه النشادر، فسأله: ما اسمك؟ أجابه: فلان، قال: ومن جنى عليك هذه الجناية؟ أجابه: أنا. فقهقه الطبيب وأخذ في عمله، ولما فرغ منه انصرف، ودخلت على الفتى امرأة قد نضت ثوب الخمسين، فأبلغته سلام السيدة وجلست إليه تُسليه.

وعلى هذه الحال بقي أيامًا، وما هي إلَّا أنْ التأمَ جرحه، واستأنف قوته، وجاءه رسول السيدة ومعه كسوة من فاخر اللباس، وقبضة من الدنانير: أنْ انتظرني، أيها الحبيب، بموضع كذا في الجزيرة. وفي المساء كانا في عربة واحدة؛ فأفضى بعضهما إلى بعض، وأصبح الفتى أحسن الناس حظًّا يأخذ أجره مُضاعفًا، ويأتيه رزقه رغدًا في كل يوم، ويلقى السيدة في كل مساء. وعلى هذا النظام الجديد أتركهما الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.