بفضل الزعانف الفاتنة والألوان المبهرة التي تتمتع بها أسماك البوسيلييدي — وهي مجموعة من الأسماك الصغيرة تشمل سمك جوبي، وسمك موللي، وسمك سوردتيل — يشيع وجودها في أحواض السمك. فبعض هذه الأسماك لديه ذيل كالمروحة يشبه فساتين الفلامينكو، والبعض الآخر يبدو كأنه رسومات لكاندينسكي دبَّت فيها الحياة.

سمكة كوبرا جوبي ذهبية.
سمكة كوبرا جوبي ذهبية.

ورغم ذلك، يندُر وجود بعض أسماك البوسيلييدي في أحواض السمك؛ لأنها باهتة اللون نسبيًّا؛ فهي فِضِّية وسوداء اللون؛ ومن ثَمَّ تُعد أسماكًا غريبةً في فصيلةٍ معروفة بألوانها الزاهية المبهرة. وتشترك تلك الأسماك أيضًا في صفة أخرى غريبة وأقل وضوحًا، تتمثَّل في أن لديها مشيمة.

وعلى النقيض من معظم الأسماك التي تضع البيض، فإن كل أسماك البوسيلييدي تلد صغارها؛ فالأمهات تحتضن صغارها داخل أجسامها، وبعضها ينتج البيض لكنه يحتفظ به داخل المبايض حتى تصبح الصغار مستعدة للخروج إلى العالم، وبعض هذه الأسماك قد طور أعضاءً تقرِّب للغاية أنسجة الأم من أنسجة صغارها كي تتمكَّن من نقل المغذِّيات إليها — أي إن لديها مشيمة. ومن الناحية التشريحية، فإن هذا العضو مختلف كثيرًا عن المشيمة التي تستخدمها الأمهات من بني البشر في تغذية صغارهن، لكنه يقوم بالمهمة نفسها.

طوَّرت الثدييات المشيمة مرة واحدة فقط، أما أسماك البوسيلييدي فقد طورت هذا العضو في «ثماني» مراحل منفصلة على الأقل، وخلال فترة زمنية قصيرة جدًّا. ويقول بارت بولوكس الباحث في جامعة كاليفورنيا، بريفرسايد: «المشيمة عضو بالغ التعقيد. تخيَّلْ لو أن العين تطوَّرت عدة مرات في البشر. إنها على هذا القدر من التعقيد.»

وأوضح بولوكس أن نشأة المشيمة صاحَبَتها تغيُّرات جِذْرِيَّةٌ في أجسام أسماك البوسيلييدي وفي أنماطها المعيشية. والأنواع التي تمتلك هذا العضو تكون أقلَّ زخرفةً، كما أنها تفتقر إلى طقوس المغازلة الواضحة، وتتَّسم ذكورها بصِغَرِ الحجم، مع كِبَرِ أعضائها التناسلية. ويعتقد بولوكس أن مجموعة السمات التي تبدو غير مترابطة نشأت لأن المشيمة غَيَّرَتْ جذريًّا العلاقة بين الأمهات وصغارها النامية.

إذا أمعنَّا النظر في أنواع الأسماك الواضعة للبيض، فسنجد أن الإناث تملأ بيضها بصفار البيض الغني بالمغذِّيات قبل تخصيبه، وعند هذه المرحلة يكون استثمارها جاهزًا. أما أهم قرار ينبغي لها اتخاذه في تلك اللحظة فهو اختيار شريك جيد كي يخصِّب بيضها بأفضل حيوان منوي ممكن. وفي هذا السيناريو تدور معركة الجنسين ما بين إناث تتسم بالحكمة في الاختيار وذكور تتسم بالتنافسية. فترى الألوان الفاقعة ومظاهر الغزل الصارخة، وربما اختلافات كبيرة في الحجم بين الجنسين.

أما في أنواع الأسماك ذات المشيمة، فالأمور مختلفة؛ فالأمهات تستمر في تقديم المغذِّيات لصغارها لفترة طويلة بعد «التخصيب». وهذا يولِّد نوعًا جديدًا من الصراع بين الأم والطفل؛ فالجنين الناشئ يكون في أفضل حال إذا حصل على أكبر تغذية ممكنة من الأم، أما الأم فقد يضعف أداؤها في تربية صغارها التي ستنجبها في المستقبل إذا استثمرت قدرًا بالغ الكبر من طاقتها في تغذية صغارها الحالية؛ ومن ثَمَّ، ففي مثل هذه الأنواع من الأسماك يجب أن يدفع التطور الأجِنَّةَ إلى طلب المزيد، وأن يدفع الأمهات إلى الامتناع عن العطاء.

وماذا عن الآباء؟ نظرًا لأن نوعية الأسماك المذكورة لا تكوِّن علاقات تستمر طوال العمر، فالأب يقدم أفضل أداء إذا استثمرت شريكته في صغيرها الحالي (الذي خصَّبه) استثمارًا كبيرًا مقارنةً بالاستثمار الذي ستستثمره في صغارها المستقبلية (التي لن يخصبها). ويمكنه التأثير على استثمارها لأن «جيناته» داخل الجنين الذي ينمو داخل أحشائها. وهذه الجينات الأبوية تصارع الجينات الأمومية في حرب تطوُّرية تشبه لعبة شد الحبل، يمثل فيها الصغيرُ الحبلَ المشدود.

ومن ثَمَّ، فالصراع الذي يبدو كأنه قائم بين الأم وأبنائها هو ما زال في واقع الأمر صراعًا بين الذكر والأنثى؛ فبدلًا من معركة الطقوس الغزَلِيَّة القائمة على الاستعراض والألوان الفاقعة، تدور معركة خفيَّةٌ لكن في الرحم. إنها حرب باردة بين الجنسين؛ و«لهذا السبب» تتطور الأنواع ذات المشيمة بعيدًا عن السمات الاستعراضية المبهرة، وتتجه نحو السمات الخفية المستترة.

وكانت أول مرة صادف فيها بولوكس هذا الافتراض في ورقة بحثية قدمها ديفيد وجين تسي، نُشِرَت في عام ٢٠٠٠. يقول بولوكس: «لم يعرف أيٌّ منهما كيفية اختبار هذه التوقعات، لكننا وجدنا طريقة لذلك.» لقد أدرك أنه يحتاج إلى فصيلة كبيرة من حيوانات تتمتع بمجموعة متنوعة من السمات والسلوكيات الجنسية، وتكون قد طوَّرت المشيمة مرات عِدَّة، وكانت أسماك البوسيلييدي اختيارًا مثاليًّا.

ومن خلال دراسة ١١٠ أنواع أظهر فريقه أن الأسماك ذات المشيمة قلَّت لديها احتمالية امتلاك سمات مبالغة؛ مثل: الذيول السَّيْفِيَّة، أو الزعانف المموجة على الظهر، أو الألوان الزاهية، أو المغازلة الأنيقة. وعلى النقيض من ذلك، زاد لدى هذه الأسماك احتمالُ وجودِ ذكور أصغر حجمًا وأعضاء تناسلية أطول نسبيًّا. لقد ابتعدت عن المظاهر الواضحة التي تساعد الإناث على اختيار شركائها، واقتربت من السمات التي تجعل من اليسير على الذكور الاقتراب بهدوء من الإناث والتزاوج معها خِلْسَةً.

وأوضح الفريق أن كل أسماك البوسيلييدي تقريبًا ذات المشيمة تتمتع بقدرة غريبة تتمثَّل في إمكانية حدوث حَمْلٍ لدى السمكة «بينما هي حامل بالفعل». ويُطلق على هذه الموهبة الحمل على الحمل، وتمنع هذه الموهبة أي ذكر من احتكار بطن كامل من خلال تخصيب كل بيضة متاحة. وبدلًا من التزام الحيطة عند اختيار الشركاء، يمكن للأنثى الآن أن تتزاوج مع كثير من الذكور، وأن تدع جيناتها تتصارع؛ ليفوز الأقوى بالاستثمار الموجود في الرحم.

يقول بولوكس: «السمات كلها منطبقة مع الافتراض!» كل السمات التي رآها أشارت إلى الانتقال ذاته من الاختيار والمنافسة التي تَحْدُث «قَبْلَ» الجماع إلى المعارك الخفية التي تُشَن «بعده». وتُعْرِبُ تسي شخصيًّا عن سعادتها برؤية دليل يدعم افتراضها، وعن هذا تقول: «إن نتائج هذه الدراسة تؤدي إلى تقدُّم فهمنا للانتخاب الجنسي تقدمًا جوهريًّا.»

وبطبيعة الحال، فإن هذا الأمر يتركنا أمام معضلة الدجاجة والبيضة. فهل المشيمة هي التي أدَّت إلى تَطَوُّرِ تلك السمات الأخرى؟ أم أن السمات الأخرى هي التي أدَّت إلى تطوُّر المشيمة؟ يعتقد مؤلفو البحث أن الاحتمال الأول هو الصواب؛ فهذا بالتأكيد ما يشير إليه عنوان البحث.

ورغم ذلك، يعتقد ديفيد هيج الباحث في جامعة هارفرد — الذي درس الصراع بين الآباء والأبناء — أن العكس هو الصحيح. إنه يعتقد أن التغيُّر الأول كان الابتعاد عن المغازلة الرسمية والتوجه نحو التزاوج القسري، والآن، بدلًا من تنافس الذكور لِلَفْتِ انتباه الأنثى، أصبحت الذكور تتنافس داخلها من خلال الحيوانات المنوية. ويرى هيج الحمل فوق الحمل في سياق تنافس الحيوانات المنوية على أنه التكيُّف الذي يسمح للحيوان المنوي «بالدخول أولًا» وتخصيب البيضة «قبل» أن تصبح ممتلئةً تمامًا بصفار البيض، وتستمر الأنثى في إضافة صفار البيض الغني بالمغذيات لِمَا أصبح جنينًا الآن؛ مما يمهِّد الطريق لتطور المشيمة.

Placenta Evolution and a Sexual Cold War by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. July 9, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.