منذ شهور تجري صحيفة «المصري للمصريين» على خطة واحدة تتواتر بها أنباؤها البرقية المفصلة على حسب الظروف، والمُنجَّمة على حسب الوقائع، والمركبة على حسب الأهواء والأغراض.

خطة فحواها أن الاحتلال باقٍ، وأن الجلاء بعيد، بل فحواها أن الاحتلال هين، وأن الجلاء غير مرغوب فيه، وأسلوبها في عرض هذه الخطة هو نشر الأحاديث والإشاعات التي تُروى عن الصحف الإنجليزية والساسة الإنجليز، وتتكفل «المصري للمصريين» بإذاعتها على المصريين — التي هي لهم — بغير تعليق ولا تفنيد ولا استنكار!

ففي أوائل أغسطس قالت بلسان مراسلها في العاصمة الإنجليزية: «إن بريطانيا ما زالت تنادي بضرورة الاحتفاظ بقواتها التي تحرس قناة السويس.»

وفي أوائل سبتمبر نقلت كلامًا لضابط إنجليزي وصفته بأنه من أكبر الكتاب العسكريين في العالم، جاء فيه توكيد لأهمية قناة السويس الكبرى، وأنها «هي ومضيق جبل طارق بمثابة صمامين متعاونين كل منهما لازم للآخر. أما مصر فهي مركز الدائرة بين القارات الثلاث في نصف الكرة الغربي، وتستطيع الدول التي تحتل هذا المركز الخطير أن تُوجِّه ضرباتها إلى جميع الجهات …»

وفي أواخر سبتمبر، قال مراسل المصري لجميع المصريين: «إن لندن سترحب بسرور وارتياح بكل مفاوضة مع الحكومة المصرية، ولكن على حكومة القاهرة أن تبدأ بالخطوة الأولى في هذا الموضوع.»

وقبل نشر هذا الكلام بيوم واحد، نشرت المصري لجميع المصريين «أن مصر ليست بالدولة الوحيدة التي تحتلها القوات الأجنبية، فبريطانيا نفسها تعاني اليوم مرارة الاحتلال، ولكنها لا تتحدث عنه إلا قليلًا، فمعظم الناس يدركون ما وراء الاحتلال الأمريكي من ضرورات الدفاع.»

وتقدمت في وصف مزايا الاحتلال خطوة أخرى فقالت: إن هناك أوجه شبه كثيرة بين مواقع الاحتلال الأمريكية في إنجلترا ومواقع الاحتلال الإنجليزية في مصر؛ «إذ يعمل عدد كبير من العمال والموظفين البريطانيين في داخل المعسكرات الأمريكية في الأعمال اليدوية، وفي الأعمال الميكانيكية البسيطة، وفي الأعمال الكتابية …»

وتكرر مثل هذا الكلام قبل ذلك وفي أثناء ذلك حتى ظهرت الخطة كل الظهور، وكشفتها صحيفة «الأساس» بالتنبيه إليها مرة بعد أخرى، فتوقفت الخطة بعض التوقف، وانقطعت السلسلة بعض الانقطاع، ووجب التحول قليلًا إلى زاوية من زوايا الطريق ولو في نفس الاتجاه، فإذا بمندوب المصري في الدوائر الدبلوماسية يقول: «إن الدوائر الأمريكية ترى أنه إذا كانت الحاجة إلى بقاء القوات البريطانية في اليونان قد تلاشت؛ فليس ثمة مبرر عسكري لبقاء القوات البريطانية في مصر إذا كان في استطاعة مصر وأمريكا أن تعملا على توثيق العلاقات بينهما بشأن المسائل الدفاعية.»

وفي اليوم نفسه يقول المندوب فوق العادة: إنه من الممكن التغلب على عوائق المعاهدة المصرية البريطانية «بعقد اتفاقية عسكرية ثلاثية تقوم على أساس مقتضيات الدفاع الحاضرة.»

وفرحنا المندوب فوق العادة وكبر جدودنا فلم ينسَ أن يقول: «على أن تعتبر فيها مصر زعيمة للدول العربية؛ فتتحمل لهذا المسئولية الرئيسية …»

وهكذا تمصَّرت المصري قليلًا …

تمصَّرت قليلًا جدًّا حين قالت بلسان الأمريكيين: إن الاحتلال البريطاني غير لازم …

ولكنها لم تصبر طويلًا على هذا العناء … لأنها عادت إلينا على الأثر باحتلالين اثنين بدلًا من احتلال واحد، فظفرنا — والحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه — باحتلال للأمريكان واحتلال للبريطان!

وكسبنا كثيرًا …!

كسبنا كثيرًا جدًّا؛ لأنها فرحتنا، وكبرت جدودنا، وحملتنا وحدنا مسئولية الزعامة الكبرى … وهي مسئولية الزعامة على جميع البلاد العربية بشهادة الأمريكيين والإنجليز.

فماذا تريدون أيها المصريون؟ أتفكرون بعد ذلك في الجلاء؟ أتنكرون مزايا الاحتلال المضاعف وهو يلقي على رءوسكم جميع تلك المسئوليات، ويُبوِّئكم منازل الفخار بجميع تلك الزعامات؟

إن المصري لتعرف كيف تتعبد كما تعرف كيف تتمصر.

ففي الوقت نفسه تخرج على المصريين — التي هي لهم — بصفحة كاملة تبشرهم «بمعجزات الصناعة والعلم والفن التي يحققها عبود باشا لتدعيم النهضة الصناعية والاقتصادية … والاستقلالية.»

ويفهم المصريون — الذين لهم المصري دون غيرهم — أنه إعلان مأجور من بطل الصناعة والعلم والفن والاستقلال والمعجزات.

ولكنهم يفهمون أيضًا أنه إعلان ولا كالإعلانات.

لأنهم يقرءون في اليوم نفسه أنها اتصلت بعبود باشا لمعرفة حقيقة خبر عن مصانع السكر، فقال لها: «إن هذا الخبر مختلق من أساسه ولا نصيب له من الصحة …»

ويقرءون في اليوم التالي عنوانًا ضخمًا تقول فيه المصري للمصريين — التي هي لهم: «إن السكر يكفي لسد حاجة البلاد … وإن مصر لا تواجه أزمة في السكر … وإنها تُكذِّب كل ما أُشيع».

فيفهم المصريون إذن أنه لا شك إعلان ولا كالإعلانات؛ لأنه لو كان إعلانًا كالإعلانات لوجب أن تسرع المصري إلى نشر كل حقيقة، ولا يكون إسراعها فقط إلى نشر الأمور التي تتعبد بها لعبود.

فالناس يعلمون أن السكر يباع بأغلى من ثمنه في كل تسعيرة، ويعلمون أن عبودًا قد أغلق مصانع «الشيخ فضل» برأيه دون رأي الحكومة، ويعلمون أن عبودًا يماطل في سداد الضريبة، ويعلمون أن مئات المخالفات تسجل عليه وعلى وكلائه، ويعلمون أنه يحتكر المولاس ويستخدمه في احتكار السبيرتو، ويعلمون أنه يعمل أعمالًا كثيرة في مصر وفي الخارج، وأنه يعملها كثيرًا في السر وفي العلانية.

كل هذا يعلمه الناس، ولكنهم لا يعلمونه من المصري التي هي لجميع المصريين، وغاية ما يعلمونه أنها هي المصري التي لعبود وأعوان عبود … وأنها لا تسرع إلى نشر خبر من الأخبار إلا إذا كان فيه دفاع عن عبود، وإنكار للوقائع في سبيل عبود، وإعلانات عبود وما يسعى إليه عبود.

وا أسفاه لمصر اليوم!

وا أسفاه لمصر غدًا ألف مرة حين ينجلي الغبار عما وراء الستار!

وحين تتمصر المصري وتتمصر، وحين تتعبد المصري وتتعبد، وحين يستيقظ هذا البلد المسكين … حماه الله غوائل الغفلة، ووقاه الله أن يستحق جزاءه بيديه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.