لشد ما تختلف طبائع الناس، وشد ما يختلف مسلكهم في الحياة تبعًا لاختلاف طبائعهم، فمنهم المناضلون الذين يثيرهم هجوم الغير عليهم إلى رد هذا الهجوم ردًّا عنيفًا، ومنهم المسالمون الذين يلتمسون العافية بكل ثمن، وبين هؤلاء وأولئك طوائف لا يعنيها نضال ولا تعنيها مسالمة؛ لأنها في شغل عنهما بالعمل اليومي الدائب الذي لا يدع لأصحابه الفرصة للتفكير فيما سواه، بل يمسكهم في حدوده يلتمسون تجويده واستغلاله لفائدتهم، ولا همَّ لهم فيما وراء ذلك إلا أن يدعهم الغير إلى عملهم الذي كرَّسوا له حياتهم ولم يعرفوا عنه مصرفًا.

والمناضلون والمسالمون يجرون على سليقتهم، لا يصدُّ الأولين عن النضال ضيق ذات يدهم أو قلة وسائلهم، ولا يدفع الآخرين إليه ثراء طويل عريض أو جاه يقتضيهم الدفاع عنه. عرفت فيما مضى رجلًا أنعم الله عليه بالرزق من غير حساب، وقد دفعته أحداث الحياة إلى ميادين السياسة فخاض غمارها، وبلغ منها أرفع الذُّرى — والحياة السياسية بطبعها حياة نضال لا يعرف هوادة — لكن صاحبنا الغني هذا كان شديد الكراهية للنضال، شديد الحرص على أن يكون صديق الجميع، وحبيب الجميع، وإن دلته تجارب حياته الطويلة على أن من التمس صداقة الجميع لم يصادقه أحد، ولم يصادق أحدًا، ومن التمس محبة الجميع لم يحب أحدًا ولم يحببه أحد، وإن تزلف إلى الصغير وإلى الكبير، وإن جعل خده مداسًا لكل إنسان، والتقينا يومًا وتحدثنا فذكرت له ما عرفته من أنه دفع مبلغًا غير قليل لهيئة سياسية نفاقًا وزلفَى، وقلت له: لو أن لي ربع مالك، بل عشر مالك لأنشأت هيئة سياسية أناضل بها تلك الهيئة التي تتزلف إليها، ولما عناني أن أنتصر عليها يومًا وتنتصر عليَّ آخر، فالدنيا دول، يوم لك ويوم عليك، قال: اسمع يا أخي، أنت وإن لم تكن غنيًّا فأنت رجل نضال قضيت حياتك مهاجمًا ومدافعًا، ولن ترضى المماطلة والإذعان في يوم من الأيام، أما أنا فلم أُخلق للنضال ولا طاقة لي به، وما قيمة المال الذي رزقني الله إن لم أدفعه ثمنًا لسكوت الناس عني، أو دفعًا لمضرة أخشاها؟ وعقبت على كلامه بقولي: إني أحمد صراحتك يا صديقي، فطبائع الناس تختلف، وكل امرئ مُيسر لما خُلق له.

النضال في طبيعة الحياة السياسية، لكن صورته تختلف، فالنضال الصحفي غير النضال الانتخابي وغير النضال الحزبي في الهيئات النيابية، ومن النضال ما هو مشروع ومنه ما ليس مشروعًا، فكل نضال يعتمد على القوة المادية غير مشروع أيًّا كان مصدره، وإن أدت الظروف أحيانًا إليه، فالحكومات تلجأ إليه للقضاء على كل نشاط غير مشروع، وقد تلجأ إليه جماعات غير حكومية كما حدث حين ضاق الضباط الأحرار في مصر بحكم الملك السابق فاروق فثاروا به وأزالوه عن عرشه.

وقد يكون النضال سلبيًّا كما يكون إيجابيًّا، والنضال السلبي أن تسكت عن خصمك حتى يتورط في خطأ، أو أن تسكت عنه لتخلق حوله فراغًا يشعر معه بأن كل أسباب التأييد تخلت عنه؛ أذكر موقفًا كهذا في الشهور الأخيرة من عهد فاروق، فقد رأت إحدى الوزارات أنها في غير حاجة إلى تأييد من أية طائفة من طوائف الشعب اكتفاء بتأييد الملك السابق إياها، ورأى الساسة الذين كانت تلك الوزارة تحسبهم في صفها أن يتخلوا عنها، واتخذوا النضال السلبي وسيلة إلى ذلك، فباعدوا بينهم وبينها مباعدة أشعرتها بأنهم ينكرون وجودها، وهزت تلك الوزارة كتفيها أول الأمر، ثم أدركت، ولكن بعد فوات الأوان، أنها تعيش في فراغ لا تستطيع معه أن تعتمد إلى شيء يعصمها من التخلي عن مناصبها، وكذلك فعلت.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.