كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، وعلى أحسن ما يشتهون، نظامٌ مستقرٌّ كما تستقر الجبال، وأمنٌ شاملٌ ينعم به الأقوياء والضعفاء على السواء، واستقامةٌ في العمل لم يسجل التاريخ مثلها لأمة من الأمم في عصر من العصور، وصدقٌ في القول سيصبح مضرب الأمثال لمستقبل الأجيال، كل شيء يجري في مصر على خير ما يحب المصريون، كل شيء يجري في اطراد وانتظام كما تجري الشمس والقمر في السماء.

إذا أصبحت مصر غدا الوزراء والموظفون في دواوينهم فعملوا ما شاء الله أن يعملوا، وكسلوا ما شاء الله أن يكسلوا، وقالوا ما شاء الله أن يقولوا. فإذا انحرفت الشمس عن كبد السماء وسَعَتْ إلى مغربها شيئًا ما، راح الوزراء والموظفون إلى دُورِهم فأكلوا ما شاء الله أن يأكلوا، وناموا ما شاء الله أن يناموا، فإذا ألقت الشمس بَدًّا من كافر كما يقول الشاعر القديم، سعى الوزراء والموظفون إلى أنديتهم وقهواتهم وإلى ملاعبهم وملاهيهم، فلهوا ما شاء الله أن يلهوا، وسمروا ما شاء الله أن يسمروا، وشربوا ما شاء الله أن يشربوا، حتى إذا انتصف الليل عاد الوزراء والموظفون إلى دُورِهم، فكان النوم وكانت الأحلام، ثم إذا أصبحوا استأنفوا حياة غدٍ كما بدءوا حياة أمس، والله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.

والشعب المصري هادئ مطمئن ينظر إلى غُدُوِّ الوزراء والموظفين ورواحهم كما ينظر إلى شروق الشمس وغروبها، متفكرًا في آيات الله، متعجبًا من حكمة الله، مستيقنًا بأن كل شيء يجري كما سبق به القضاء منذ الأزل، وكما جرى به القلم في اللوح المحفوظ قبل أن يُخلَق النور والظلمة، وقبل أن تُبسَط الأرض وتُرفَع السماء، وتُنثَر بينهما الكواكب والنجوم.

وقد يوجد بين المصريين من يضيق بهذه الحياة المطردة المتشابهة التي تسعى إلى غايتها سعيًا سهلًا سواء لا عوج فيه ولا التواء، وهؤلاء المصريون هم المرضى الذين يجب أن نلتمس لهم الطب؛ لنشفي قلوبهم ونفوسهم من هذا الضيق الذي لا يدل إلا على انحراف الأمزجة، وفساد الأذواق، واعتلال الطباع.

وهم يلتمسون لضيقهم هذا عللًا يبتكرونها ابتكارًا، ويبتدعونها ابتداعًا، ويخلقونها من عند أنفسهم؛ لأنهم لا يحبون الهدوء، ولا يطمئنون إلى الاستقرار. لقد نشئوا والإنجليز مستقرون في بلادهم، مسيطرون على مصالحهم، والوزراء والموظفون يغدون ويروحون، فما بالهم يضيقون بما نشئوا عليه، ويسأمون بما كان الحق عليهم أن يألفوه؟! فما بالهم يطالبون بجلاء الإنجليز عن مصر؟! وما الذي قدَّم إليهم الإنجليز من المساءة حتى يضيقوا بهم هذا الضيق، وينكروا مكانهم هذا الإنكار، ويخرجوا على ما عُرِفَ عنهم من التقاليد؟!

فقد عُرِفَ المصريون بكرم الضيافة منذ أقدم العصور، فما تنكُّرهم للضيف؟! وما تبرُّمهم به؟! وماذا يقولون لآبائهم إن أُنْشِرَ آباؤهم من القبور؟! وماذا يقولون لأبنائهم حين يسأل أبناؤهم عن هذه العلة الطارئة، كيف طرأت؟ أو فِيمَ طرأت؟!

لقد صحبنا الإنجليز منذ نشأتنا كما صحبنا الزمان، لم نسئ إليهم ولم يسيئوا إلينا، فلِمَ نطالبهم بالجلاء عن ديارنا؟! ولِمَ نُلح في هذه المطالبة، ونسرف في الإلحاح؟!

أرأيت إلى السبب الذي ترددت الحكومة من أجله ترددًا طويلًا في المطالبة بالجلاء؛ لقد همَّتْ أن تُبصِّرنا بعواقب الأمر، وأن تنبهنا إلى مصادره وموارده، وأن تذكرنا بآدابنا التي ورثناها عن آبائنا، والتي يجب أن ننقلها إلى أبنائنا، والتي تفرض علينا أن نكرم الضيف ونهش به، ونقوم منه مقام الخادم من سيده والعبد من مولاه، أليس شاعرنا القديم هو الذي قال:

وإني لعبد الضيف ما دام حاضرًا

ولا شيء عندي غيرها يشبه العبد

وأيسر ما يجب على الحكومة الرشيدة التي تعرف الواجب وتنهض به، هو أن تهدي الشعب إذا ضل، وتؤدبه إذا انحرف عن مكارم الأخلاق، وتحمله على الجادة إن حاد عن سواء السبيل، ولكن الأمور قد فسدت في هذه الأيام حقًّا. فسدت حتى أصبح الشعب هو الذي يؤدب الحكومة، أو قُلْ حتى أصبح الشعب هو الذي يضطر الحكومة إلى أن تسيء الأدب، وتجور عن القصد، وتطلب إلى الضيف أن يرحل، وإلى الإنجليز أن يجلوا!

لقد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، فإذا الشعب المصري يضيق بضيفه من الإنجليز، ويلح عليهم في الجلاء، وإذا هو يطالب حكومته بإجلاء هؤلاء الضيف.

طلب الشعب ذلك في أحاديثه وفي صحفه، واضطر البرلمان إلى أن يطلبه كما طلبه الشعب، ووضع رئيس الوزراء أصابعه في آذانه ما استطاع أن يضع أصابعه في آذانه؛ حتى لا يسمع هذا اللفظ، ولا يؤذي نفسه الكريمة هذا الانحراف عن الأدب. ولكن الشعب ألح وأغرق في الإلحاح، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يسمع، واضطر رئيس الحكومة إلى أن يقول، فقال للبرلمان معللًا ومؤملًا ومطاولًا ومماطلًا إنه سينتهز الفرص.

ولكن الشعب ألحَّ وأغرق في الإلحاح، ولم يَرْضَ بالتعليل ولا بالتأميل، ولم يقنع بالمطاولة ولا بالمماطلة، فخطا رئيس الوزراء خطوة أخرى، وجمع الملأ، فقال له وسمع منه، وأعلن إلى الشعب في سبتمبر الماضي أن الوقت ملائم لطلب الجلاء، وكان في ذلك الوقت الملائم منكرًا لفساد الزمان، وخروج الشعب عن طبعه، وانحرافه عن أدبه القديم، ولكنه أضمر في نفسه شيئًا وأظهر لهذا الشعب الذي يشبه الأطفال شيئًا آخر يعلله ويدلِّله ويدعوه في رفق إلى الهدوء والنوم.

ولكن الشعب لم يهدأ ولم يَنَمْ، وظل يطالب بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، وقد أعاد رئيس الوزراء أصابعه إلى أذنه شهرًا وشهرًا وبعض شهر؛ حتى عمَّ الفساد، وأصبح معديًا كأنه الوباء، وإذا الوزراء أنفسهم يطالبون رئيسهم بإخراج الضيف وإجلائه عن أرض الوطن، والرئيس يُدهَش ثم ينكر ثم يثور، ثم ينظر فإذا هو بين اثنتين. فإمَّا أن يدع المنصب ويلزم داره؛ ليأتي الرئيس الذي يُخرج الضيف ويحقق الجلاء، وإمَّا أن يشارك فيما أجمع الشعب عليه من اعتلال المزاج وفساد الطبع، وانحراف الذوق عن الجادة، فيطالب بالجلاء ويتقدم في إخراج الضيف عن أرض الوطن.

وقد فكَّر رئيس الوزراء وقدَّر، ثم تروى وتدبر، ثم اضطر إلى أن يذهب مذهب الشعب، ويصير إلى ما صار إليه الشعب من الغلظة وفساد الذوق، فهمَّ ولم يكد يفعل، وأقدم ولو استطاع لآثر الإحجام، وتمثل فيما بينه وبين نفسه قول أبي العلاء:

ولما رأيت الجهل في الناس فاشيًا

تجاهلت حتى ظُنَّ أني جاهل

على أن رئيس وزرائنا لم يسرف في التجاهل، ولم يُعنِّف نفسه في مجاراة الشعب، وإنما أرخى الحبل شيئًا، وتقدَّم في استحياء إلى الضيف يسأله متلطفًا متظرفًا رقيقًا رفيقًا، أمستعد هو لا للخروج بل للمفاوضة في الخروج؟ ومن الطبيعي ألا تُؤخَذ الأشياء بالعنف، وإلا لانزعج الضيف عن مستقره قبل أن نمد له الأسباب، ونهيِّئ له الوسائل، ونتلطف له فيما نريد منه ونطلب إليه.

هذه هي قصتنا منذ استسلمت ألمانيا في شهر مايو الماضي، ومنذ استسلمت اليابان في شهر أغسطس الماضي، ومنذ قررت الهيئة السياسية أن الوقت ملائم للمفاوضات في شهر سبتمبر الماضي.

وقصتنا تُختصَر في كلمتين اثنتين، أو في كلمات ثلاث: شعب قليل الذوق يريد أن يُخْرِج الضيف من داره، ورئيس مؤدب مهذب يريد أن يكون كريمًا إلى النهاية، ثم يُضْطَر آخر الأمر إلى أن يجاري الشعب فيتلطف في ذلك إلى أقصى غايات التلطف.

والمهم هو أن رئيس الوزراء قد اضْطُر آخر الأمر أن يشارك الشعب في مرضه، ويطلب إلى الإنجليز تحديد وقت لا للجلاء كما قلت، بل للمفاوضة في الجلاء.

ولكن الحرب قد أفسدت كل شيء، فليس المضيفون وحدهم هم الذين فسدوا وساءت أذواقهم، ولكن الأضياف أنفسهم قد فسدوا وساءت أخلاقهم أيضًا. فقد كان المألوف ألا يقيم الضيف إذا نَبَتْ به الدار، وأحس من مضيفه إعراضًا عنه أو زهوًا فيه، وكان الطبيعي أن يجلو الإنجليز منذ أحسوا ضيقنا بهم وزهدنا منهم، ولكنهم أقاموا وألحُّوا في الإقامة، وضِقْنا نحن وألححنا في الضيق، وكلما أظهرنا نحن هذا الإلحاح أظهروا هم ألوانًا من التحدي والاستخفاف.

وهل كانت تصريحات المستر بيفن في مجلس العموم إلا ضروبًا من التحدي، وألوانًا من الاستخفاف؟! نطالب نحن بالجلاء ونلح في المطالبة، ويقول هو للبريطانيين أن الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا!

ومن أجل هذا لن أُدهَش إذا تلقَّى وزير الخارجية البريطانية ذلك الطلب الرقيق الرفيق الذي أرسله إليه رئيس الوزراء، فهز رأسه ورفع كتفيه ورسم على ثغره ابتسامة ساخرة، وأمر بعض أعوانه أن يرد على رئيس وزرائنا بأنه سيحدد موعد المفاوضات في الوقت الملائم؛ فالوقت الملائم يختلف بالقياس إلينا وإلى الإنجليز، بل هو يختلف بالقياس إلينا وحدنا، ألا ترى أنَّا رأينا الوقت ملائمًا في سبتمبر ولم نطلب المفاوضات إلا في ديسمبر! فما الذي يمنع الإنجليز أن يروا الوقت ملائمًا حين يشاءون هم لا حين نشاء نحن؟! وما عسى أن يصنع رئيس الوزراء إذا تلقَّى الرد بأن موعد المفاوضات سيُحدَّد في الوقت الملائم؟! أيرضى وإن غضب الشعب، أم يشارك الشعب في غضبه، وإذن فماذا يصنع؟!

وكل هذه المشكلات إنما جاءت من فساد الزمان وتغيُّر الناس، فلو أن الزمان مضى كما كان يمضي مِنْ قَبْلُ صالحًا معتدلًا، ولو أن الناس ظلُّوا كما كانوا من قبل مؤدبين مهذبين مكرمين للضيف؛ لما نشأت هذه المشكلات، ولما اضطر رئيس الوزراء إلى هذه الحياة المعقدة التي تملؤها الأحزان والهموم.

والظاهر أن حياة رئيس الوزراء قد أصبحت معقدة حقًّا لا تملؤها الأحزان والهموم وحدها، وإنما يملؤها مع الأحزان والهموم شيء آخر يوشك أن يُسمَّى إشفاقًا وخوفًا. فقد تحدثت إلينا الصحف أمس، بأن رئيس الوزراء يصطنع ألوانًا من الاحتياط لم يصطنعها أحد من قبله، حتى أستاذه العظيم صدقي باشا، فلم نعلم قط أن صدقي باشا أقام الشرطة السرية على سطوح الدُّور في غُدوِّه أو رواحه، ولكن الصحف تُنبئنا بأن النقراشي باشا قد استنفد فرقة الشرطة السرية في القاهرة، ثم رد بعض الشرطة العلنية شرطة سرية، فستر لباسها الرسمي وألبسها الجلاليب، وأقامها على سطوح الدور؛ لتحميه في ذهابه من داره إلى حفل المحمل، وفي عودته من هذا الحفل إلى داره.

أَحَقٌّ هذا؟! وإن كان حقًّا؛ فما تأويله؟ وما تعليله؟ وكيف يمكن أن يُقبَل أو يُساغ؟!

أَحَقٌّ أن النقراشي باشا لجأ إلى ما لم يلجأ إليه أستاذه صدقي باشا، فأقحم الشرطة على الناس دورهم وأقامها على سطوح الدور؛ لتحمي طريقه في الذهاب والإياب؟! لتحميه من ماذا؟! لتحميه من أنه زعيم الشعب قد آمن الشعب به إيمانًا مطلقًا كما آمن بصدقي باشا من قبله إيمانًا مطلقًا، وقد رفض الشعب من أجله زعماءه القدماء؟! فهذا رئيس الوفد لا يلتفت إليه أحد، ولا يحفل به أحد، ولا يحس وجودَه أحد. ومن أجل ذلك تُحاصَر داره، ويُحاصَر ناديه، ويُضيَّق عليه حين يذهب فيشهد الصلاة، كل ذلك رفقًا به وعطفًا عليه؛ حتى لا يشهد زهد الناس فيه، وتنكر الناس له، وإعراض الناس عنه.

لقد أخذ النقراشي باشا قلوب الشعب كله من النحاس باشا أخذ عزيز مقتدر، فمِمَّ يخاف النقراشي باشا وقلوب الشعب معه، ونفوس الشعب طوع يده؟! ومِمَّ يخاف النقراشي باشا وهو قد طلب مفاوضة الإنجليز وجارى الشعب في الحرص على الجلاء؟! ألم يأنِ لهذه المأساة المضحكة أن تنقضي؟! ألم يأنِ لهذه الغمرة المسلية أن تنجلي؟! ألم يأنِ للذين لا يؤمن بهم أحد، ولا يطمئن إليهم أحد أن يعودوا إلى دورهم، ويقنعوا بما قسم الله لهم من الحياة الهادئة الخاملة، ويتركوا للشعب حقَّه في أن يختار في حرية وصراحة مَنْ ينطقون بلسانه، ويصدرون عن أمره؛ لأنه يحبهم ويحبونه، ولأنهم إذا خرجوا لم يقيموا الشرطة السرية على السطوح، ولم يقحموا الشرطة على الناس دورهم بغير إذن من القضاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.