كانت حازمة صارمة هذه الإرادة التي أظهرتها الوزارة أمس، حين قدمت إلى مجلس النواب تشريعها البديع في أمر المحامين.

وإذا كانت الإرادة حازمة فلا بد من أن تنفذ، وقد نفذت إرادة الوزارة، وإذا كانت الإرادة صارمة فلا بد أن تقطع، وقد قطعت إرادة الوزارة خطابة الخطباء، وكلام المتكلمين … ونفذت إرادة الوزارة إلى ما كانت تحب، فأعلن بعض النواب أنهم موافقون على استعجال النظر في هذا التشريع قبل أن تتم الوزارة كلمتها.

ولولا أن للتقاليد وزيرًا يحميها، أو وزراء يذودون عنها، ولولا أن للمعارضة وزيرًا كان يمثلها في مجلس الشيوخ، فأصبح يمثلها في الوزارة؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يقولوا شيئًا، نستغفر اللَّه، وهل استطاعوا أن يقولوا شيئًا؟ إذا لم يكن بد من التحقيق والتدقيق، فقل لولا أن للتقاليد في الوزارة حماة، ولولا أن للمعارضة في الوزارة صديقًا؛ لما استطاع المخالفون للوزارة أن يصلوا إلى المنبر، ويقفوا موقف الخطباء.

ولكن وزير التقاليد قد حمى التقاليد، ووزير المعارضة قد ذاد عن المعارضة، فاستطاع بعض المخالفين أن يقفوا على أقدامهم، وأن يحركوا سيقانهم، وأن يرقوا درجات المنبر، وأن يحركوا شفاههم، وأن يحركوا ألسنتهم من وراء الشفاه، وأن يفتحوا أفواههم، وأن يخرجوا من هذه الأفواه أصواتًا تتموج في الهواء، وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تصل إلى الآذان؛ لأن الكثرة كانت تضج وتعج.

وليس ذنب الوزراء أن هذه الأصوات لم تحمل إلى النفوس كلامًا يستقر فيها؛ لأن الكثرة لم تكن تريد أن تسمع، ولا أن تفهم، ولا أن تجادل، وإنما كانت تريد أن توافق وخلاص. وما دامت التقاليد قد حُميت في ظاهر الأمر، وما دامت المعارضة قد صِينت في الشكل والصورة؛ فمصر بخير، والحرية بخير، والدستور بخير، وأمور التشريع تجري على خير ما تجري عليه أمور التشريع. درس هادئ للقوانين، وفهم دقيق لأغراض الشارع، وفهم دقيق للظروف التي تحيط بهذه الأغراض، وفهم دقيق لنتائج ما تشرع الوزارة والبرلمان من قوانين.

كل هذا محقق لا شك فيه ولا ريب، ما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وزراء يعرضون القوانين، ومعارضون يصعدون إلى المنبر ثم يهبطون وإن لم يقولوا شيئًا، وكثرة توافق — وكان اللَّه يحب المحسنين. ولِمَ تريدُ أن تجري الأمور في البرلمان على غير ما تجري عليه خارج البرلمان؟

إن التقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة؛ لأن وزير المالية يحرم شرب القهوة والدخان في رمضان، فأما أن يشهد الوزراء رقص الليل بعد صوم النهار، فأما أن يصطحب الموظفون زجاجات الترموس تملؤها القهوة الحارة ليقيموا بها أعصابهم رغم حظر الوزير؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه.

والتقاليد محمية مرعية، مضمونة مصونة، ما دام وزير الداخلية قد منع تمثيل بعض القصص الماجنة في بعض الملاعب، فأما أن يكون تمثيل قصص أخرى ماجنة، فأما أن يكون رقص وغناء، فأما أن يكون لهو ومجون في الأوبرا بأعين الحكومة وبأموال الدولة، وبعقود يمضيها وزير التقاليد نفسه، وبمال يأذن بإنفاقه البرلمان — وفيه رجال الدين قد مثلوا أحسن تمثيل — فذلك شيء لا ضير فيه ولا بأس به.

فأما أن يشهد الموظفون وغير الموظفين بعد الإفطار أو قبل الإفطار في دور السينما ما لا يلائم التقاليد ولا الآداب ولا الحياء؛ فذلك شيء لا بأس به ولا جناح على أحد فيه، ما دامت التقاليد مرعية في ظاهر الأمر، وما دامت الأشكال تذهب وتجيء، وما دامت الصور تروح وتغدو، وما دامت الصحف تذيع في كل يوم أن الوزارة حريصة على حماية التقاليد.

كانت التقاليد إذن محمية أمس في مجلس النواب حين صعد المعارضون على المنبر، ثم نزلوا عن المنبر، ولم تبلغ أصواتهم الآذان، ولم تصل آراؤهم إلى العقول؛ لأن خصومهم، وهم الكثرة الكثيرة الساحقة الماحقة، كانوا قد أقبلوا مؤيدين للوزارة لا يريدون أن يجادلوا، ولا أن يناضلوا، ولا أن يسمحوا لأحد بالجدال والنضال.

وما دامت التقاليد قد حميت فمصر بخير، وليس على المصريين إلا أن يناموا ملء جفونهم؛ لأن تقاليدهم آمنة لا تتعرض لمكروه. لهم وزراء يهيئون التشريع ويعرضونه على البرلمان، ولهم نواب يؤيدون وآخرون يعارضون، ولهم بعد هذا كله، وقبل هذا كله، وفوق هذا كله، سادة يأمرون فيطاعون، ويريدون فتنفذ إرادتهم، سواء أرضي الخصوم أم كانوا كارهين.

لم يكن مشكوكًا فيه هذا الفوز الذي ظفرت به الوزارة أمس، وكيف يتعرض هذا الفوز للشك وقد طلب رئيس الوزراء إلى الشعبيين أن يؤيدوا الحكومة فيما ستعرض من تشريع، وطلب وزير التقاليد إلى الاتحاديين أن يؤيدوا الحكومة أيضًا، والتقاليد هي التي حملت رئيس الوزراء على أن يطلب ما طلب، وهي التي حملت وزير التقاليد على أن يطلب ما طلب.

فلعلك تعلم أو تجهل أن لرئيس الوزراء حزبًا يُسمَّى حزب الشعب، وأن لوزير التقاليد حزبًا يُسمَّى حزب الاتحاد، وأن تقاليد الأحزاب تقضي بأن تجتمع الأحزاب إلى رؤسائها وتنظم أمورها قبل أن تدخل مجلس البرلمان.

وقد جرت هذه التقاليد، فقرر حزب الشعب وحزب الاتحاد تأييد الوزراء مساء الأحد، وأنفذ حزب الشعب وحزب الاتحاد قرار التأييد يوم الاثنين، وسلمت بذلك التقاليد كلها، فلم يمسسها ضرٌّ ولم ينلها مكروه، ونفذت مع ذلك — أو نفذت لذلك — تلك الإرادة الحازمة الصارمة أمس، كما أنها ستنفذ مساء اليوم، وستنفذ غدًا وبعد غد حتى يأتي اليوم الذي تمنع فيه الوزارة من أن تريد شيئًا؛ لأنها تنزل فيه عن مناصب الحكم.

فأما قبل هذا اليوم فستريد الوزارة أو يراد لها، فينفذ ما تريد أو ما يُراد لها، فإذا سألتني عن مصدر هذا وعن تعليله؛ ففي الأمر قولان: أحدهما قولي أنا وقولك أنت وقولنا جميعًا: وهو أن إرادة الوزارة معصومة لا تتجه إلا إلى الحق والعدل والإنصاف، والكثرة البرلمانية تعلم ذلك وتؤمن به؛ فللوزارة أن تريد، وللكثرة البرلمانية أن توافق، وعلينا نحن أن نذعن ونطيع.

والقول الثاني: قول الإنجليز أو قول الديلي تلغراف بنوع خاص، وهو أن الوزارة قابضة على أعنة الأمور؛ لأنها تعلق سيف الحل على النواب. فللوزارة أن تريد، وعلى النواب أن يوافقوا، وعلينا نحن دائمًا أن نسمع ونطيع، وأنا بريء من هذا القول، بريء منه كل البراءة، بريء منه وممن يقول به أو يصدقه أو يميل إلى تصديقه، لا لأني لا أريد أن أُدعى إلى النيابة، أو أقف بين يدي القضاء، أو أخضع لتشريع ذي أثر رجعي ينسحب على الماضي.

كلا، كلا، بل لأني مؤمن صادق الإيمان، ولأنك أنت أيضًا مؤمن صادق الإيمان بأن وزارتنا معصومة لا تخطئ، موفقة لا تنحرف عن الصواب، والنواب مؤمنون لها بذلك بالنيابة عنا فيوافقون، ونحن نسمع دائمًا ونطيع، لا عن رهبة، بل عن رغبة، ولا عن إكراه، بل عن رضًى، ولا عن خوف، بل عن ثقة.

وأي المصريين لا يثق بالوزارة؟ وأي المصريين لا يطمئن إلى النواب؟ وأي المصريين يستطيع أن يشك أو أن يسمح لنفسه بالشك في وزارة تحمي التقاليد، فتُحرِّم القهوة والدخان في رمضان، وفي نواب يحمون التقاليد فيسمحون للمعارضين بأن يصعدوا إلى المنبر ويقفوا في هيئة الخطباء؟

وكيف نشك في عصمة الوزارة وهي دقيقة الحس قوية الشعور، ولم تكد تشعر بأن المحامين الذين حكم عليهم قد رشحوا لعضوية النقابة حتى علمت أن ذلك يؤذي القضاء، وإن لم يشك إليها القضاء، فهبت لحمايته وإن لم يطلب حمايتها، فأنذرت وحذرت، ثم هيَّأت التشريع، ثم عرضته على البرلمان؟

وكيف نستطيع أن نشك في النواب وهم شركاء الوزارة في دقة الحس، ورقة الشعور، والعلم بما سيكون، بل بما هو كائن قبل أن يكون؟

كلا، كلا، ليشهد الوزراء أني أؤمن لهم بالعصمة، وليشهد النواب أني أؤمن لهم بالإصابة، وليشهد سادة هذا العصر أن المصريين جميعًا مثلي، وفيهم مكرم وأصحاب مكرم، وأننا نعارض لنداعب لا أكثر ولا أقل، فإذا خلونا إلى أنفسنا، وتفرقنا في أنديتنا، وتحدث بعضنا إلى بعض، فنحن لا نذكر الوزارة والنواب إلا بالخير، ونحن لا نهدي إلى الوزارة وإلى النواب إلا الشكر والثناء.

نحن نعارض حمايةً للتقاليد، كما تحكم الوزارة حمايةً للتقاليد، وكما يجتمع البرلمان حماية للتقاليد. نحن نحافظ على الصور والأشكال كما تحافظ الوزارة على الصور والأشكال، وكما يحافظ البرلمان على الصور والأشكال؛ فمصر جزءٌ من أوروبا، وإذن فيجب أن تكون لها وزارة تحكم، وبرلمان يشرع ويراقب الوزارة، ويجب أن يكون في هذا البرلمان كثرة وقلة؛ هذه تعارض، وتلك تؤيد، ويجب أن يكون خارج البرلمان قوم يعارضون.

يجب أن تتم هذه الأشكال كلها لتكون مصر جزءًا من أوروبا، وليقول الأجانب إذا زارونا أنَّا متحضرون غير متوحشين. فأما ما وراء هذه الأشكال والصور فشيء يعنينا نحن ولا يعني أحدًا غيرنا، ونحن — والحمد لله — مطمئنون راضون واثقون ناعمون. يكفي أن تريد الوزارة المعصومة ليوافق النواب المؤمنون بهذه العصمة، ثم لنسمع نحن ونطيع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.