تتفاوت العلاقات الدولية بين درجات مختلفة من الهيمنة والتوازن، فكثيرًا ما تتعارض مصالح الدول وتتصادم، وعادة ما تُحَلُّ مثل هذه المشاكل في إطار أحد نموذجين: الأول هو نموذج الهيمنة HEGEMONY، عندما تتمتع إحدى الدول الكبرى بنوع من النفوذ والتأثير على بقية أعضاء المجتمع الدولي أو مجموعة منه، والثاني هو نموذج توازن القوى BALANCE OF POWER، ويتحقق عندما تتقارب القوى دون تفوق ملحوظ لإحدى الدول. وفي الحالة الأولى يكون الحل أقرب إلى الإملاء، في حين يكون توافقيًّا وتصالحيًّا في الحالة الثانية. وبطبيعة الأحوال فإن الأمور نسبية، فقد تباشر دولة كبرى نوعًا من الهيمنة في إطار جغرافي معين في حين أنها تتعامل على أساس توازن القوى في إطار جغرافي آخر.

وقد عرف العالم أمثلة كثيرة لهذه العلاقات. فأمثلة الهيمنة متعددة، ولعل أشهرها تاريخيًّا ما عُرِفَ بالسلام الروماني PAX ROMANIA حيث خضعت مختلف بلدان الإمبراطورية لروما. وفي العصور الحديثة فإن أبرز أنواع هذه الهيمنة تحققت مع ما عُرِفَ بالسلام البريطاني PAX BRITANICA خلال القرن التاسع عشر، وأخيرًا مع السلام الأمريكي PAX AMERICANA منذ منتصف القرن العشرين وحتى نهايته. وبطبيعة الأحوال لا يمنع ذلك أن تتمتع إحدى الدول «بالهيمنة» في إطار معين، وأن تتعايش مع «توازن القوى» في مناطق أخرى. فقد تسيَّدت إنجلترا معظم دول العالم طوال القرن التاسع عشر، ولكنها كانت تتعامل داخل أوروبا، وخاصة إزاء فرنسا وألمانيا وروسيا وأحيانًا النمسا، في إطار توازن القوى. وبالمثل فإن السيطرة الأمريكية على معظم دول العالم منذ منتصف القرن العشرين لم تمتدَّ إلى الدول الاشتراكية التي خضعت بدورها لهيمنة أخرى للاتحاد السوفييتي، وذلك قبل سقوطه في العقد الأخير من القرن الماضي. ومن أشهر أمثلة توازن القوى ما عرفه العالم من توازن القطبين: أمريكا والاتحاد السوفييتي، بعد الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط الأخير.

الهيمنة بالقوة الناعمة

تناول المؤرخون بحث أسباب الهيمنة النسبية، والتي ترجع عادةً إلى التفوق العسكري أو الاقتصادي والتكنولوجي، كما تستند أحيانًا إلى الريادة المذهبية أو الدينية كما يظهر في نفوذ البابا أو الحزب الشيوعي، أو حتى قد ترجع إلى الكثرة العددية والاتساع الجغرافي كما في الدور الذي لعبته الصين في محيطها حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين قبل أن تمتلك القوة النووية، أو في دور روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر.

وفي العقد الأخير من القرن الماضي أضاف المفكر الأمريكي جوزيف ناي JOSEPH NYE ما أطلق عليه «القوة الناعمة» SOFT POWER إلى أشكال الهيمنة، وهو يقصد بذلك التأثير الثقافي والمعنوي الذي تباشره المجتمعات الرائدة على مختلف الشعوب من خلال أساليب الترغيب الناعمة. فإذا كان تعريف «القوة» أو «النفوذ» أو «السيطرة» هو القدرة على التأثير في قرارات الآخرين، فإن ذلك يمكن أن يتحقق بأحد أسلوبين: الترهيب أو الترغيب؛ أي العصا والجزرة. فالتفوق العسكري أو التكنولوجي أو حتى العددي، يفرض نفسه بنوع من أساليب التخويف والتهديد، ولكن هناك أيضًا نوع من الانصياع الطوعي والاختياري نتيجة محاولة تقليد عادات المجتمعات الأكثر تقدمًا، وهي فكرة سبق أن طرحها ابن خلدون عندما أشار إلى أن من طبائع المغلوبين التشبُّه بالغالب. وقد رأى ناي أن ريادة أمريكا للعالم ينبغي أن تعتمد على أساليب هذه القوة الناعمة؛ مثل الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية، أو الدور الذي تقوم به السينما والتلفزيون الأمريكي، والذي ربما يكون أكثر تأثيرًا في العالم من ترسانة الأسلحة التي تملكها الولايات المتحدة الأمريكية، أو حتى ما تتمتع به من تفوق تكنولوجي.

السيطرة الأمريكية على النظام النقدي الدولي

وليس غرضي هنا إعادة ترديد ما أُثِير عن «القوة الناعمة» ومختلف مظاهرها، ولكنني أود أن أشير إلى جانب من عناصر الهيمنة الأمريكية على العالم، وهو السيطرة من خلال النظام النقدي الدولي، وهو أمر يجاوز القوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية؛ فالناتج الإجمالي للاتحاد الأوروبي أكبر من الناتج الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان الناتج الإجمالي لليابان يقارب نصف الناتج الأمريكي، فإن مجموع الناتج الياباني والصيني والهندي في آسيا يكاد يعادل الناتج الأمريكي، ولكن نفوذ الولايات المتحدة يجاوز بكثير نفوذ أوروبا واليابان والصين مجتمعين. كيف؟

هناك بالطبع سبب سياسي، وهو أنه على حين أن الولايات المتحدة دولة واحدة تتمتع بإرادة سياسية ترسمها وتنفِّذها حكومة أمريكية واحدة، فإننا نجد أنفسنا إزاء سياسات متعددة لأوروبا واليابان والصين، بل إن أوروبا — ورغم الاتحاد الأوروبي — ليس لها إرادة سياسية موحدة، وإن كانت تحاول ذلك منذ فترة طويلة، ولكن الأمر لا يرجع فقط إلى وجود إرادة سياسية موحدة في أمريكا في مواجهة تعدد في الإرادات السياسية لأوروبا واليابان والصين، بل هناك عامل آخر يعمل في مصلحة أمريكا وحدها، وهو النظام النقدي العالمي؛ فهو نظام يقوم على الدولار، والدولار هو عملة أمريكية تخضع في نهاية الأمر للسياسات النقدية الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية.

فالولايات المتحدة نجحت منذ اتفاقية بريتون وودز في السيطرة على النظام النقدي العالمي القائم على الدولار، وبالتالي أصبحت تتحكم في أحد أهم مرتكزات الاقتصاد العالمي. وقد أعطى الدولار ودوره في النظام النقدي الدولي، الولاياتِ المتحدة قوةً مؤثرة على بقية العالم، وهي قوة ليست خشنة تمامًا كالقنابل الذرية أو الأساطيل والطائرات، ولكنها أيضًا ليست ناعمة كُليًّا مثل أفلام السينما أو المسلسلات التلفزيونية أو نمط الحياة الأمريكي. السطوة النقدية للولايات المتحدة — باعتبارها دولةَ عُملةِ التعامل الدولي (الدولار) — أضفت عليها قوة عالمية مؤثِّرة تتراوح بين الخشونة والنعومة وتعطيها سيطرة هائلة على مُقدَّرات العالم.

وفي مقال سابق في هذه الجريدة نشر في ٢٥ أبريل بعنوان «الورطة مع الدولار» حاولت أن أُلخِّص، في نقاط مختصرة، مراحل تطور استخدام الدولار في المعاملات الدولية حتى استقر كعملة التعامل الدولي. ويكفي فقط التأكيد هنا على أمرين مرتبطين:

الأول هو ما يعرف في الأدب الاقتصادي بحقوق الإقطاعي SEIGNEURAGE RIGHTS والذي يعطي للولايات المتحدة ما يشبه حق فرض الضرائب الضمنية على العالم لتمويل جزء من نفقاتها.

والأمر الثاني هو توريط الدائنين — وهم معظم دول العالم الحائزة لأصول دولارية — في مشكلات الدولة المدينة (الولايات المتحدة الأمريكية).

ضريبة ضمنية

نبدأ بالتذكير بالمقصود «بحقوق الإقطاعي» في صدد «سلطة إصدار النقود». فالنقود نحتاجها للتعامل في الشراء والبيع، وربما الاحتفاظ بها في شكل ثروة للمستقبل. ولكن النقود لا توزع مجانًا، وعلينا أن نكتسبها وأن نقدم مقابلًا للحصول عليها. وقد جاءت التسمية لأن الأمير الإقطاعي كان يسك النقود باسمه، ولكن بقيمة للنقود (القيمة الاسمية) أعلى مما فيها من ذهب أو فضة، وهذا الفرق بين تكلفة النقود وقيمتها الاسمية كان يقتطعه الإقطاعي لنفسه، فهو نوع من الضريبة التي يفرضها على الأفراد مقابل سك النقود، وهو يستخدم هذه الحصيلة لمنافعه الشخصية في شراء الأراضي والقصور وتسخير المواطنين للعمل في خدمته أو لتقديم مختلف الخدمات العامة. ومع ظهور «النقود الورقية» أصبح الأمر أكثر وضوحًا، فالحكومات تصدر النقود عن طريق البنك المركزي، لكنها لا تتكلف سوى مصاريف ورق الطباعة، وهي تعطي لكل ورقة قيمتها، فهذا جنيه وتلك مائة جنيه. ولكن الحكومة — أو بالأحرى البنك المركزي — لا يوزِّع هذه النقود مجانًا على المواطنين، وإنما تستخدم الحكومات ما تصدره من نقود في الإنفاق على احتياجاتها المختلفة. فإصدار النقود كذلك هو نوع من الضريبة الضمنية التي تفرضها الحكومات على الأفراد عند قيامها بالإنفاق.

ولا يختلف الأمر في المعاملات الدولية عنه في المعاملات المحلية؛ فالتعامل الدولي يحتاج إلى نقود دولية. ونظرًا لأن التعامل يتم بالدولار فإن مختلف الدول تحتاج إلى الحصول عليه لتسهيل عملياتها التجارية، كما أنها تحتفظ بجزء منها في شكل أصول لمواجهة المستقبل (الاحتياطيات). ولكن الدولة الوحيدة المخولة بإصدار الدولار هي الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق بنك الاحتياط المركزي، وهي لا توزع هذه الدولارات مجانًا على الدول الأخرى، بل على تلك الدول أن تكتسبها عن طريق تقديم سلع وخدمات (صادرات) للاقتصاد الأمريكي، أو عن طريق تمويل استثمارات ونفقات الولايات المتحدة في الخارج، فكل ما تملكه دول العالم الأخرى من أرصدة دولارية فقد تم الحصول عليها مقابل سلع وخدمات صُدِّرت إلى الولايات المتحدة أو لتغطيةٍ لاستثماراتٍ أو نفقات قامت بها الحكومة الأمريكية في الخارج، فالولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بنوع من حقوق الإقطاعي أو حق فرض ضرائب مستترة على العالم بقدر ما يحتاج العالم من دولارات لأغراض المعاملات الدولية.

العالم يدخر وأمريكا تستثمر

كان هناك تساؤل عن أسباب المعجزة الاقتصادية لكلٍّ من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وقيل وقتها إن السبب يرجع إلى ما تمتَّعت به الدولتان نتيجة للتخلُّص من عبء الإنفاق العسكري خلال العقود التالية لهذه الحرب. وقد يكون هذا صحيحًا بالنسبة لكلٍّ من ألمانيا واليابان، ولكن الصحيح أيضًا هو أن معظم الإنفاق العسكري الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية قد تم تمويله أيضًا على حساب دول العالم مقابل استخدام الدولار كعملة دولية، فالإنفاق العسكري الأمريكي، وخاصة مصاريف القواعد العسكرية في الخارج، قد تم تمويلها بشكل أساسي بما كانت تدفعه دول العالم لأمريكا للحصول على الدولارات لأغراض المعاملات الدولية. فالاقتصاد الأمريكي لم يختلف كثيرًا عن الاقتصاد الألماني والياباني في هذا الصدد.

ولنفس السبب كذلك استطاع الاقتصاد الأمريكي منذ الربع الأخير للقرن العشرين تحمُّل عجزٍ متزايدٍ في ميزان المدفوعات دون أن يترتب على ذلك أي تأثير سلبي على قيمة العملة الأمريكية، ودون نقص في الاستثمارات المحلية الأمريكية. فإذا كان من الصحيح أن الادخار المحلي قد تدهور في الولايات المتحدة بشكل كبير حتى قُدِّرَ أن ادخار القطاع العائلي قد اختفى تمامًا، فإن كل هذا لم يتسبب في إضعافٍ للاقتصاد الأمريكي. لماذا؟

لأن العجز في ميزان المدفوعات الأمريكية (الفوائض المالية) يمثِّل في الواقع مدخرات دول العالم الأخرى، والتي يعاد استثمارها في داخل الولايات المتحدة، فنقص المدخرات المحلية في أمريكا لم يترتب عليه نقص الاستثمارات الأمريكية. وهكذا تمتعت الولايات المتحدة بظاهرة فريدة هي القدرة على زيادة الاستهلاك المحلي مع استمرار نمو الاستثمارات المحلية، وبذلك استمر نمو الاقتصاد الأمريكي وزيادة إنتاجيته، وذلك بمدخرات الدول الأجنبية.

ولا يقتصر الأمر على فرض ضريبة ضمنية على العالم وتمويل الاستثمارات الأمريكية نتيجة نقص المدخرات المحلية، بل تمارس الولايات المتحدة دورًا رقابيًّا على كافة المعاملات في العالم بالدولار، فكل المدفوعات المصرفية بالدولار تُسوَّى دائمًا في نيويورك أيًّا كان وأينما كان المتعاملون.

السجين يحمي السجان

إذا كان الدولار هو العملة الدولية، فإنه لم يعد فقط وسيلة التبادل الدولي، بل أصبح أيضًا مظهر الثروة المالية بمختلف أدواتها المالية. وقد أدركت الولايات المتحدة أهمية حاجة العالم إلى الدولار فطورت قطاعها المالي حتى أصبح أكبر وأعمق وأكثر القطاعات المالية تنوعًا في العالم، وبالتالي أصبح أكبر سوق جاذبة للثروات المالية، فليس صحيحًا أن أهم صادرات أمريكا هي الطائرات أو المنتجات الترفيهية للسينما أو التلفزيون ولا حتى الإلكترونيات أو الأسلحة. الحقيقة أن أهم الصادرات الأمريكية هي الأصول المالية التي تصدرها مؤسساتها المالية المختلفة في الولايات المتحدة وفي غيرها؛ فالصادرات الأساسية للاقتصاد الأمريكي هي مديونيات هذا الاقتصاد؛ أي المطالبات على الاقتصاد الأمريكي، فالجميع يتسابق لشراء أوراق مالية بالدولار، وقد أغرى ذلك بالإفراط في إصدار مديونيات مشكوك في الوفاء بها. ومع قيام الأزمة أصبح تحصيل هذه الديون مشكلة صعبة، وهي مشكلة تواجه بالدرجة الأولى أصحاب هذه الأوراق؛ أي الدائنين، فالضحية الأولى للأزمة المالية هم أصحاب الأصول المالية بالدولار المستثمرة في الأسواق المالية، وفي مقدمتهم الصين واليابان ودول الخليج العربي. وتقدر استثمارات الصين بالدولار بحوالي تريليون ونصف التريليون دولار، وربما مثلها للدول الخليجية، فالخاسر الأكبر لأي انهيار في قيمة الدولار هم حائزو الأصول المالية الدولارية، وبذلك أصبح على هؤلاء مسئولية حماية قيمة الدولار.

وهكذا نجد أن قوة الولايات المتحدة — كقوة مهيمنة على العالم — لا تعتمد فقط على تفوقها العسكري أو تميُّزها التكنولوجي أو حتى جاذبيتها الثقافية والإعلامية، وإنما هي تمسك بتلابيب العالم لأنه يستخدم عملة دولة وطنية (الدولار) كعملة للتعامل الدولي، ومعظم ثروته المالية هي في أدوات مالية مقومة بالدولار.

الحاجة إلى نظام نقدي دولي جديد

هل آن أوان التفكير في إعادة النظر في النظام النقدي الدولي؟ وهل نحن في حاجة إلى عملة دولية حقيقية؟ لم ترد إشارة واحدة إلى ذلك في اجتماعات مجموعة العشرين، أو من خلال اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليَّيْن في اجتماعات الخريف، وإن بدأت بعض أصوات المسئولين في الصين ترتفع بهذا المعنى ولكن على حياء، وما زالت أمريكا تتمتع بأوراق عديدة من عناصر القوة سواء الخشنة أو الناعمة أو ما بينهما. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.