كانت جائزة نوبل الأخيرة من نصيب «بار فابيان لاجر كفيت»، وهو شاعر قصاص أديب ومؤلف روايات مسرحية من أبناء السويد.

ويخطر على البال أن اللجنة السويدية قد تعمَّدَتْ في هذه المرة أن تجعل «زيتها في دقيقها»، وأن تأخذ بسنة «الأقربون أولى بالمعروف»، فنظرت إلى جوارها قبل أن تنظر إلى الآفاق البعيدة، واختارت صاحب الجائزة الأدبية من أبناء وطنها بدلًا من التفتيش عنه في الأوطان الأخرى بين مختلف القارات.

ولكن الواقع أن اللجنة لم تفكر هذا التفكير، وأن الترشيح للجائزة لم يأتِ من قِبَلِها ولا من قِبَل هيئة سويدية. وإنما أتى من قِبَل أديبين كبيرين نالَا الجائزة في السنين الماضية؛ وهما: أندريه جيد صاحب الجائزة منذ ثلاث سنوات، وروجر مارتان دي جار صاحبها في سنة سبع وثلاثين.

ويظهر من مقدمة الطبعة الفرنسية أن «أندريه جيد» لم يطَّلِع على شيء للكاتب السويدي قبل اطلاعه على روايته «القزم» و«باراباس» اللتين أطلعه عليهما صديقه «لوسيان موري»، وهداه بهما إلى مكان ذلك الكاتب المطبوع الذي جهله القراء الأوروبيون إلى ما قبل سنتين، ولم يعرفه قراء اللغة الإنجليزية إلا مرة منذ بضع عشرة سنة حين مُثِّلت له في لندن رواية الجلاد، ثم طواه النسيان فلم يجرِ ذِكْره في البيئات الأدبية منذ تلك السنة.

ولم يكن عجيبًا أن يخفى مكان «لاجر كفيت» على القراء في خارج بلاده؛ لأنه في بلاده نفسها ينتزع الشهرة انتزاعًا من أقلام النقاد بفضل قدرته العاتية التي لا يسهل التواطؤ على إنكارها إلى زمن طويل، فهو من أولئك الأدباء الذين يعافون الاحتيال للشهرة ولا يزدلفون إلى أحد في السعي وراءها. بل لعلهم يغضبون أكثر ممن يرضون، ويروقهم التحدي أكثر مما تروقهم المجاملة وانتظار الإنصاف.

وظلَّ إلى زمنٍ قريبٍ معروفَ القَدْر بين الخاصة المخلصين للأدب، مجهولَ القَدْر بين عشاق اللغط الأجوف من سواد القراء؛ فوقع الاختيار عليه لكرسي الأكاديمية السويدية بعد وفاة «هدنستان» في سنة ١٩٤٠.

وكان هدنستان أيضًا من أصحاب الشهرة الخاصة ومن أصحاب جائزة نوبل الأدبية في إحدى السنوات الماضية؛ إذ نالها سنة ١٩١٦، فكان ثاني أديب سويدي ينالها منذ إنشائها. وقد نالها بعده كارفيلد سنة ١٩٣١ وهو ثالث أصحابها من أدباء السويد. أما الأول — أو الأولى — فهي سلمى لاجرلوف التي مُنِحَتْ الجائزة سنة ١٩٠٩، فكانت أول امرأة ظفرت بها من جميع الأمم. ولا تزال بين صواحب هذه الجائزة قليلة النظيرات.

ونعود فنقول إن توجيه هذه الجائزة إلى أحد الأدباء لا يعني أنه أعظم الأدباء فنًّا وبلاغةً في حكم اللجنة السويدية، ولكنه يعني أن الأديب المختار قد توافرت فيه شروط نوبل حين رَشَّحَ جوائزَه للسلم والعلم والأدب، وخلاصتها: أن يخدم قضية السلم بقلمه، وأن يكون من المؤمنين بالمثل الأعلى وبجهاد الروح في سبيل الفضيلة والسكينة؛ فلا تصطبغ كتابته باليأس والإنكار.

وقد نوه وليم فولكنر بهذه المزية في خطابه الذي ألقاه في الاحتفال بتسليمه شهادة الجائزة منذ سنتين. فقال مُوجِّهًا الخطاب إلى الكتاب الناشئين الذين يعالجون الشهرة من طريق إثارة الشهوات وتحريض لواعج الحس وغرائز الحيوانية: «لا يتركنَّ أحدُكم في مكتبه محلًّا لغير تلك الحقائق الخالدة؛ حقائق القلب الإنساني العتيقة. تلك الحقائق الشائعة التي بغيرها تصبح كلُّ قصة لغوًا من سقط المتاع! حقائق الحب والشرف والرحمة والإشفاق والعطف عامة والفداء، وما لم يصنع ذلك فليعلم أنه يعمل واللعنة مُسلَّطة عليه؛ فهو لا يكتب عن الحب، بل عن اللذة وعن الهزائم التي لا يخسر فيها أحد شيئًا له قيمة، وعن الفتوح التي لا أمل فيها. وشرٌّ من ذلك أنها لا إشفاق فيها ولا عاطفة؛ فأحزانه لا تقوم على عظام راسخة ولا تترك وراءها ندبة باقية، وكتابته عن الغدد لا عن القلوب.»

والكاتب السويدي لاجر كفيت تتوافر فيه هذه المزايا وزيادة، فهو نفسه مصارع روحي يكفيه أن يُسجِّل معاركَ ضميره في الحضارة الحديثة؛ ليخرج منها بفتوح تستحق النظر وتستعيد لطلاب المثل الأعلى صورةً جديدةً من الكفاح الخالد في سبيل العقيدة والإيمان.

غرَّته بهارجُ المدارس الفنية المعاصرة، فخبط فيها زمنًا مع الخابطين، واقتدى حقبة بجماعة «المستقبلين» وما وراء الواقع وما إلى ذلك من الهراء، ثم ثَابَتْ نَفْسُه إلى طبيعتها، أو إلى الطبيعة السويدية من باب أولى، وهي طبيعة لا تصبر طويلًا على الإنكار والجموح في طريق الحس والحيوانية، ولا تغفل عن الباطن طويلًا في هيامها بالظواهر والبهارج والألاعيب.

فإذا نحَّيْنا محاولاتِه الأولى وتجارِبَه في مطلع شبابه، مثلت لنا نفس تؤمن بالقيم العليا في الحياة وتستهين من أجلها بالجهاد، وتراها جديرةً بطول الصبر على نتائجها البعيدة، وإن طال بها انتظارها، وتُجدِّد اشتياقها إلى الختام مرحلة بعد مرحلة؛ لأنه المسعى الذي لا يُختَم في زمن، وليس من طبيعته أن يقبل الختام ويغلق الباب آخر المطاف.

وقد خيَّبت الحريةُ الشعبيةُ أَمَلَه، ولكن «الدكتاتورية» قد واجهته بخيبة أفشل وأقبح، فآمن بأن الرجاء كله منعقد بالبطولة الروحية في خدمة الإنسانية الباقية، وأن الخير منتصر لأن عوامله في الدنيا أكبر وأقوى من العوامل العاجلة مهما يكن من طغيان هذه العوامل العاجلة على حياة كل جيل.

ورواياته التي تتمثَّل فيها هذه المقاصد متعدِّدة؛ منها: رواية الرجل الذي حيي مرتين، ورواية الجلاد، ورواية الانتصار في الظلام. وخير ما يُوصَف به مذهبُه في جهاد الحياة أنه معركة من معارك الانتصار في الظلام.

وروايته الأخيرة نموذج جامع للمعركة الباطنية في نفس الفرد وفي نفوس الجماعات، وهي رواية «باراباس».

فالمعلوم أن «باراباس» هذا هو قاطع الطريق الذي طلب أحبارُ اليهودِ العفوَ عنه ليلة العيد حين كان محكومًا عليه بالموت مع السيد المسيح.

وكان من التقاليد المرعية عند الحكومة الرومانية التي كانت تحكم فلسطين أن يقبل الحاكمُ الرومانيُّ شفاعةَ الأحبارِ في واحد من المحكوم عليهم بالموت ليلة عيد الفصح أو عيد النجاة كما يسمونه في بعض الأحيان. فلما خيَّرهم الحاكم بيلاطس فيمن يطلبون العفو عنه، ظن أنهم سيختارون السيد المسيح، فإذا هم يتعمَّدون السكوت عنه ويهتفون باسم «باراباس» قاطع الطريق!

والرواية كما ألَّفها الكاتب السويدي في هذا الموضوع وَصْفٌ لشعور اللصِّ بهذا الحادث الذي ظلَّ يساوره مدى الحياة، ووَصْفٌ من الجانب الآخر لشعور الذين كان يعاشرهم ويتردد عليهم ليتسمع أخبار الرسول العظيم من أفواههم، ومعه وصف طبيعي سهل أمين لما يفهمونه عن المعجزات والبشائر وما يُفسِّرون به النبوءات والوعود.

فجملة الرواية أنها وَصْفٌ لجهاد النفوس «البسيطة» في سبيل عقائدها أيام البعثة المسيحية، ولا نحسب أن التاريخ يُصوِّر لنا هذه الفترة تصويرًا أدق ولا أوضح من تصويرها بقلم الفنان الذي عاش بها في عالم الخيال، فعرف كيف يعيش بها في بساطة، وكيف يشف عن الأعماق من وراء تلك البساطة لعين الناظر الخبير بعناصر الإيمان.

قُلْنا إن «لاجر كفيت» انْتُخِب لكرسي الأكاديمية الذي خلا بوفاة هدنستان سنة ١٩٤٠، فلو أننا اتخذنا هذين الأديبين مثالًا للطبيعة السويدية لصحَّ القولُ إنها — كما أسلفنا — طبيعة لا تغيب عن «الباطن» طويلًا مهما تبلغ بها غواية الظاهر البراق. وإن الخصلة الملازمة لتلك الطبيعة أن مشكلة الروح أو مشكلة الفرد في حياته الباطنية مُقدَّمَة عندها على مشكلات المجتمع التي تتبدل حقبة بعد حقبة، وأن «الإنسان» في شعوره الوجداني ومعالمه الشخصية هو محور البحث فيها، ومناط الرجاء، ومرجع التفاؤل والتشاؤم على اختلاف الأسباب.

هذه الطبيعة السويدية تتجلى في الأديبين اللذين شغلَا كرسيًّا واحدًا بمجمع الخالدين: لاجر كفيت، ومن قبله هدنستان.

ولكننا لو عرضنا عليها كل أديب عرفناه من أدباء تلك الأمة، لخرجنا من المعارضة بهذه الطبيعة نفسها على جانب من جوانبها، فإن لم تكن هذه الطبيعة السويدية ثابتة للقوم من آثار أدبائهم، فقد يُثبِتها لهم أن شروط الجائزة كلها قائمة عليها، وأن تكفير نوبل قد هداه إلى تخليد الجائزة بتلك الشروط، تكفيرًا — بخدمة السلام — عن اختراعٍ دَخَل على الرغم منه في أسلحة الحروب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.