براءة إلى القراء وإلى رئيس الوزراء وإلى النيابة والقضاء، من المعارضة الحُرَّة، والخصومة المُرَّة، ومن الحوار والجدال فيما قِيلَ ويُقال، ومن المراء والنزاع فيما أُشِيعَ ويُشاع؛ فقد فكرت وقدرت ثم خُيِّرت فاخترت، فإذا الطاعة الدائمة للحكومة القائمة أَقْوَم وأهدى، وإذا الخضوع والإذعان لمن إليهم السلطان أنفع وأجدى. فلألزمن الطاعة ولأوثرن الخضوع، ولأدعون إليهما من يحب لنفسه العافية ويؤثرها بالسلامة، وليعلمن الناس جميعًا أني للحكومة صديق، وبها رفيق، أضمر لها النصح الخالص والولاء المتين.

ذلك أنَّا نعيش في أيام أخص ما تُوصَف به أنَّ قِيَمَ الأشياء فيها تغيرت ومقاييس الحكم فيها قد انقلبت رأسًا على عقب. فقد كنا نعلم (لأن آباءنا وأساتذتنا وأسلافنا علمونا) أن الرجل الذي يستحق هذا الاسم هو الذي يعرف لنفسه كرامتها ولشخصيته عزتها، فلا يميل مع الأهواء، ولا تتغير مذاهبه السياسية بتغير الحكومات، ولا يرتاع للقوة تنذره إذا كان يعتقد أنه على الحق، ولا يستجيب للمغريات إذا كانت هذه المغريات تكلفه ما لا يرى، وتضطره إلى ما لا يرضى، وتورطه فيما يستحي منه أمام الناس ويستخذي منه إذا خلا إلى نفسه أو استمع إلى ضميره حين يستمع الناس إلى الضمير.

كنا نعلم هذا وما زلنا نسمعه من أصحاب الأخلاق، وما زال الأساتذة يدرسونه للتلاميذ والطلاب في المدارس ومعاهد العلم. ولكن حياتنا منذ عامين قد نهجت لنا في الأخلاق نهجًا جديدًا، ونشرت بيننا آراءً طريفة في الكرامة الشخصية والعزة القومية والحرص على أن يحسن في الفرد رأي أمثاله ومواطنه، والإشفاق من أن يستخذي الإنسان أمام الضمير إذ خلا إليه، كل أولئك معانٍ إضافية مرنة تتشكل بأشكال الظروف وتمتد إذا دعت المنفعة إلى الامتداد، وتنكمش إذا دعت المنفعة إلى الانكماش، وقد قام بنك التسليف الزراعي، وقامت مناصب الدولة وقامت مساعي خاصة خفية عند المصارف الأجنبية، وقام تسلل فريق من أعضاء الأحزاب السياسية من أحزابهم دليلًا واضحًا جليًّا على تحقق هذا التطور في حياتنا الخلقية والعقلية وفي صلاتنا الاجتماعية العامة والخاصة.

ولست أدري «وما أرى أن غيري من القراء يدري» لِمَ أقاوم هذا التطور وأمتنع عليه. وهل أنا إلا فرد من الناس يجب أن يعيش كما يعيش الناس فيستقر إذا استقروا ويضطرب إذا اضطربوا، ويمعن في التطور إذا أمعنوا فيه؟!

أنا اليوم من أنصار الحكومة. فإذا أراد لها من بيدهم أمرها أن تستقيل ونهضت بالسلطان وأعباء الحكم هذه الوزارة القومية التي يطلبها الأحرار الدستوريون فأنا من أنصار هذه الوزارة، فإذا استقل الوفد بالحكم فسيجدني وفديًّا صريحًا، فإن انفرد الأحرار الدستوريون بالسلطان فسيجدونني كأحسن ما عرفوا دفاعًا عن الحرية والدستور.

وأنا أرجو حين أسلك هذه الطريق أن أُوفَّق إلى حياة راضية ناعمة بريئة مما يشقى بما أنصار المذهب القديم في السياسة والأخلاق.

أرجو ألا تُباع أرضي وإن لم أملك أرضًا، وألا تتحكَّم فيَّ المصارفُ وإن لم يكن للمصارف عليَّ سبيل، وأن لا يعبس الوزراء في وجهي وإن لم أحفل بابتسامات الوزراء. وأرجو فوق هذا وذاك ألا تدعوني النيابة بين يوم ويوم إلى التحقيق وإن كنت قد جربت تحقيق النيابة؛ فأحببته ورغبت فيه.

وقد أجد من نفسي بعض المقاومة فأحلم بمعارضة الحكومة ومخاصمتها؛ لأن الخروج على التقاليد والسنن الموروثة ليس بالأمر اليسير. يشهد بذلك وزير التقاليد الذي يشهد التمثيل ويحضر محافل لا تخلو من الرقص مجاراة للتطور، ولكنه يلغي معهد التمثيل ويحرم الرقص في قاعة التمثيل إذعانًا للتقاليد!

كلنا نتطور من ناحية ونقاوم التطور من ناحية أخرى. ولعل التطور إن سألت الفلاسفة عن حدِّه وحقيقته ليس إلا هذا الموقف الذي نقفه جميعًا وعلى رأسنا وزير التقاليد. نشهد في الأوبرا قصة الكرسي ٤٧ وبائعة الشيكولاتة. ونرى في هاتين القصتين ما يحل وما يحرم. ونشجع الممثلين بأموال الدولة ليمعنوا في التمثيل ويُجوِّدوه، وليكثر المختلفون إلى ملاعبهم ثم نعقد لهم لجان المراقبة وننشئ بينهم أنواع المسابقة ثم ننشئ المسابقات، بين الكتاب والشعراء، أيهم يضع القصة التمثيلية الرائعة!

كل ذلك مجاراة للتطور، ولكننا مع ذلك نقاوم التمثيل فنلغي معهده، ونرى الذين أنشئوه آثمين خارجين على العادات والآداب والدين. ونحن بهذا نرضي التقاليد!

أنا إذن أريد أن أرضي التطور وأجاريه وأمعن فيه، فأنصر هذه الحكومة أعظم النصر، وإن كنت لها خصمًا وأؤيدها أشد التأييد، وإن لم تعجبني أساليبها في الحكم، وأنا أريد أن أُرْضِيَ التقاليد فأحتفظ بالكرامة والعزة والأخلاق وأقاوم الحكومة وأعارضها حين أنكر من أمرها شيئًا قليلًا أو كثيرًا. ولكني أؤكد أني لن أرضي التقاليد والأخلاق على حساب الحكومة القائمة، وإنما أدخر المعارضة العنيفة والخصومة القاسية لحكومة الوفد أو الأحرار الدستوريين أو الوزارة القومية. ذلك أن في هذه الحكومات شيئًا من السذاجة والعبط إن شئت، تمكن معارضيها من أن يقولوا لها ما يريدون دون أن يخشوا عنتًا أو إحراجًا. أما الحكومة القائمة فهي أحزم وأمهر وأذكى من أن تطلق للمعارضين ألسنتهم أو تدع لهم أقلامهم تجري بغير حساب!

على أني قبل أن أعلن هذا الرأي لم أكتفِ بالتفكير والتقدير بل استشرت ألوانًا من الناس في الموقف الذي يجب أن يُتخَذ من حكومتنا هذه القائمة. وكلهم وافقني وأقرَّني على رأيي.

بدأت بجماعة من الشيوخ فسألتهم في معارضة الحكومة القائمة أحلال هي أم حرام؟ فانقسموا وتفرقت آراؤهم.

فأما المحافظون الجامدون منهم، وهم — والحمد لله — قليلون، فأباحوا معارضة هذه الحكومة إن أخطأت القصد، أو تجاوزت الحق، أو عرضت المنفعة العامة للخطر. ومن هؤلاء من غلا فأوجب هذه المعارضة محتجًّا بالحديث المأثور «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.»

وأما المجددون من الشيوخ، وهم — والحمد لله — كثيرون، فحرموا هذه المعارضة تحريمًا قاطعًا، وقالوا إن الله قد أمر بطاعة أولي الأمر ولم يقيد أمره بل أطلقه إطلاقًا.

وإذن؛ فطاعة الحكومة واجبة، جارت أو عدلت، ولها وحدها أجر عدلها وعليها وحدها إثم ما تتورط فيه من جور. قالوا: ويُستحَب أن نستغفر للحكومة إن جارت أو ندعو لها ونثني عليها إن عدلت. قالوا: ولا بأس أن نخفي جور الحكومة ونصوِّره في صورة العدل؛ حتى لا يسوء ظن الناس بحكامهم فتُشَق عصا الطاعة ويتفرق أمر المسلمين!

وأما المعتدلون من الشيوخ فأباحوا المعارضة إذا أدَّتْ إلى نفع ووَقَتْ من شر، وحرَّموها إذا عرضت صاحبها لغضب الحاكم أو سخطه.

وواضح جلي أني سأمضي مع الكثرة المطلقة فأحرم المعارضة تحريمًا قاطعًا، وأستغفر للحكومة إن أخطأت أو جارت وما عرفت لها إلى الآن خطأ أو جورًا.

فلما فرغت من الشيوخ وعرفت آراءهم عمدت إلى رجال الفقه الدستوري الحديث أستشيرهم في المعارضة: ما الحكم الدستوري فيها؟ وقد كانت هذه الاستشارة شاقة. فقد تجنبت أساتذة الحقوق ورجال أقلام القضايا لأنهم موظفون، وتجنَّب رجال النيابة والقضاء؛ لأن مناصبهم ترفعهم فوق هذه الأشياء. وهم بعد ينتظرون أنصار الحكومة وخصومها ليقضوا بينهم فيما يتعرضون له من خلاف، ونظرت في المحامين فإذا هم قد قسموا أنفسهم بين الأحزاب؛ فمنهم أولياء الحكومة ومنهم خصومها، وكل أولئك لا يُؤمَن جانبه في المشورة.

ولكنني وُفِّقْتُ إلى شيخ من شيوخ القانون وفقيه من فقهاء الدستور اعتزل الحياة العامة وآوى إلى بيته لا يجد لذة إلا في القراءة والدرس. فلما عرضت عليه قضية المعارضة وضع كتابًا كان في يده وأرسل من صدره نَفَسًا طويلًا عميقًا ومدَّ بصره كأنما يريد أن يخترق به جدران الغرفة ليرى أَخَلْفَها متسمع من الأنصار أو الخصوم، ثم قال في صوت هادئ يملؤه الاقتناع: أنا أرى أن الحكومة القائمة واسعة الصدر عريضة الحلم شديدة الصبر؛ فإن المعارضة المشروعة هي التي تكون في البرلمان أو من أعضاء الأحزاب التي تتولى الحكم، هؤلاء وحدهم يمثلون الأمة وينطقون باسمها، فهم الأمة التي تكون منها الحكومة وتكون منها المعارضة، فأما الأحزاب التي قاطعت الانتخابات أو أخفقت فيها فليست من الأمة في شيء، وهي على هامش الأمة حتى يُتاح لها السلطان؛ فيجب عليها الصمت والخضوع لا أكثر ولا أقل. قلت: فإذا كانت الانتخابات مزيفة؟ قال: هذا كلام الفلاسفة والنقاد! فأما الفقهاء فلا يعرفون إلا الواقع، وما دامت هذه الانتخابات قد انتخبت برلمانًا، وما دام هذا البرلمان قد ألف وزارة، وما دام البرلمان والوزارة قد ثبتا لصروف الدهر فهما الأمة وغيرهما على الهامش! قلت: فإذا كان غيرهم هو الأمة كلها. قال: لا بأس. الأمة كلها على هامش، الأمة يجب عليها الصمت والخضوع والطاعة حتى يُتاح لها السلطان …

وواضح جدًّا أني خرجت من عند هذا الفقيه الجليل مؤمنًا برأيه، مقتنعًا بأني على الهامش مع جميع المعارضين فيجب عليَّ الصمت أو تأييد الحكومة، ويجب عليَّ فوق هذا أن أقنع الوفد والأحرار الدستوريين والمستقلين بأننا جميعًا على الهامش؛ فيجب أن ننضم إلى رئيس الوزراء أو أن نلزم الصمت حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ولرئيس الوزراء عليَّ أن أنفق في هذا الإقناع ما أملك من جهد؛ فسأكتب وأخطب إن أباح لي الخطابة، وسأزور الزعماء وغير الزعماء وأرجو أن أُوفَّق إلى راحته من إصدار القوانين الاستثنائية الجديدة.

وبَعْدُ، فماذا ينقم خصوم الحكومة من الحكومة؟! ينكرون عليها أمرين أساسيين؛ الأول: أنها لم تحل الأزمة الاقتصادية الكبرى. ولست أدري كيف يُطلَب إلى الحكومة أن تحل الأزمة، والأزمة مصدر قوتها وحياتها؟! أليست الأزمة قد جعلت الناس جميعًا في قبضة الحكومة يرغبون إليها ويشفقون منها؟! هم مفلسون وهي غنية؛ فمن شاء منهم اتقاء الإفلاس انضمَّ إليها فنجى أو انفتح أمامه أمل في النجاة. وإذن؛ فالذين يطالبون الحكومة بحل الأزمة يطالبونها بإلقاء السلاح أو قُلْ يطالبونها بالانتحار! وما كان لحكومة عاقلة رشيدة أن تلقي بنفسها إلى التهلكة؛ فلتبقَ الأزمة إذن لتبقى الحكومة.

الثاني: أنها لم تحل المسألة المصرية. وأمر المسألة المصرية كأمر الأزمة الاقتصادية بالضبط، فهَبْ حكومتنا فاوضت الإنجليز، فإما أن تخفق في المفاوضة؛ وإذن لا بد لها من الاستقالة كما استقالت الوزارات من قبل حين أخفقت في المفاوضات، وإما أن تنجح وإذن فسنستقل، وإذن فسيصبح الحياد الإنجليزي حيادًا صحيحًا، وإذن فسيُخلَّى بين الأمة وبين الوزارة، وإذن فما أعمق الهوة التي يُخشَى أن تتردى فيها الوزارة!

فالذين يطالبون الحكومة بحل المسألة المصرية كالذين يطالبونها بحل الأزمة الاقتصادية إنما يريدونها على أن تنتحر أو تلقي السلاح.

صدِّقْني يا دولة الرئيس، إن المعارضين يمكرون بك ليخرجوك فاحذر أن تفرج الأزمة أو أن تحقق الاستقلال، وخلِّ بيني وبين المعارضين؛ فإني أرجو أن أكفهم عنك أو أن أسوقهم إليك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.