إذا أقبل مساء اليوم أقبل معه المندوب السامي على مصر، تشق به طيارته الجو المصري، ثم تهبط به طيارته على النيل العظيم، وفي هذه المرة لا يستقبله المصريون راضين أو كارهين، وفي هذه المرة لا ينظر المصريون إلى هذه المظاهر الفخمة الضخمة التي يُحَاطُ بها سفر المندوب السامي وتُحَاطُ بها عودته، والتي تؤذي شعور المصريين بالكرامة والعزة، وتؤذي آمالهم في الحرية والاستقلال، ولو أننا نستطيع أن نُحْسِنَ الظن بمندوب سامٍ؛ لشكرنا للمندوب السامي الجديد ارتحاله عن مصر طائرًا، ورجوعه إلى مصر طائرًا، وتجنبه هذه المظاهر التي كان يحبها غيره من المندوبين، ويرون فيها إعلاءً لكلمة الإنجليز، في بلد ليس من الضروري ولا من الحق أن تعلو كلمتهم فيه؛ ولقَدَّرْنَا أنه رجل رقيق الشعور، دقيق الذوق، يُؤلِمه أن يُحَاطَ قدوم الممثلين السياسيين على بلده بما يحاط به قدوم المندوبين السامين على مصر من هذه المظاهر الفخمة المؤذية؛ فهو يكره أن يألم المصريون لمثل ما يألم له الإنكليز إن وقع في بلادهم، مما يؤذي الكرامة والاستقلال.

ولكنَّا نعلم أن المندوب السامي الجديد، لم يُقَدِّرْ هذا في أكبر الظن، ولم يفكر فيه، ولم يخطر له أن يُجَنِّبَ المصريين ألمًا لا يرضاه لنفسه، وإنما هو رجل حديث، يعتقد أن المَدَنِيَّة لم تنشأ عبثًا، وأن الطيَّارات إنما اخترعت ليطير بها الناس، فهو يستخدم المدنية، ويُسَخِّرُ الطيارات لما سُخِّرَتْ له، ويُؤْثِرُ السرعة ولذتها ومنافعها على القطار والسفينة وبُطئِهما، وما يحيط بالسفر فيهما من مظاهر الإكبار والإجلال، وسواء أكان المندوب السامي قد ذكر المصريين، وأشفق عليهم من مظاهر الحفاوة هذه في سفره وعودته، أم لم يذكر إلا نفسه، وحاجته إلى السرعة؛ فإن من حقه علينا أن نعرف له هذا السفر الهادئ الوديع، الذي لم يكد يحسُّه أحد، وهذه العودة الهادئة الوديعة التي لم يكد يحسها أحد.

على أن من غير الإنصاف أن نقول: إن أحدًا لم يحسَّ سفر المندوب السامي إلى إنجلترا، وعودة المندوب السامي إلى مصر؛ فقد كان سفره الهادئ الوديع موضوع الأحاديث الطوال العراض التي لم تنقضِ بعد، وهذه عودته الهادئة الوديعة موضوع أحاديث طوال عراض يعلم الله وحده متى تنقضي، والسياسة وحدها هي التي ذهبت بجمال هذا الهدوء وهذه الوداعة، وماذا تنتظر من السياسة؟! فهي لا تدخل في شيء إلا وأفسدته وذهبت بجماله ونضرته، ولأمر ما نشأت بين المندوب السامي وبين الرجل الطيب أزمة، في تلك المدة القصيرة التي أقامها السير لامبسون في القاهرة، وزادها سفر السير لامبسون تعقيدًا؛ لأنه لم يَزُرْ رئيس الوزارة، أو أن رئيس الوزارة لم يزره؛ أو لأنهما لم يلتقيا بعد التقائهما بالمحطة، فكان هذا موضوع حديث له أول ولم يعرف آخره بعد؛ أيُّ الرجلين أخطأ، وأيُّ الرجلين أصاب؟ أيُّ الرجلين ينزل على ما يريد صاحبه، بعد أن يعود المندوب السامي إلى القاهرة؟ أيذهب رئيس الوزراء إلى قصر الدوبارة؟ أم يذهب المندوب السامي إلى دار الرياسة، أم يلتقيان في وسط الطريق، في حفلة من الحفلات، أو في مأدبة من المآدب، أو عند صديق من الأصدقاء؟

وأخذ الناس يقولون فيطيلون، وأخذ بعضهم يرد على بعض، والناس معذورون، فما دامت هذه القصة قد خَلَقَتْ أزمة اتصل فيها الحديث بين القاهرة ولندرة؛ فإن من حق الناس أن يخوضوا في هذه الأزمة؛ لأن الأزمات لم تُخْلَق عبثًا، وإنما خُلِقَتْ ليخوض فيها الناس، كما خُلِقَت الطيارات ليطير بها الناس، وكذلك لجَّ الناس في الحديث، ولجُّوا في المناقشة، وقال فريق منهم: إن الأزمة قد حُلَّتْ، وقال فريق منهم: إن الأزمة لم تُحَلَّ، وقال الذين يحبون العبث: إنها محلولة معقدة في وقت واحد، وما زال الناس يتحدثون حتى يتبيَّن لهم أين كان الخطأ وأين كان الصواب، وأي الرجلين ينزل عندما يريد صاحبه.

ثم إن المندوب السامي الجديد يَرِثُ مندوبًا ساميًا قديمًا، وقد تحدَّث الناس عن المندوب السامي القديم فأطالوا الحديث، تحدثوا عنه حين كان مقيمًا وتحدثوا عنه حين كان مسافرًا، وتحدثوا عنه حين كان ثابتًا، وتحدثوا عنه حين كان قَلِقًا في مركزه، وتحدثوا عنه بعد أن نُقِلَ؛ فمن الطبيعي أن يتحدثوا عن خليفته ووارثه، وهم يتحدثون بأن المندوبين السامين لم يُخْلَقُوا عبثًا، وإنما خُلِقُوا ليتحدث عنهم الناس من جهة، وليمثِّلوا بلادهم تمثيلًا ممتازًا في بعض البلاد الأجنبية من جهة أخرى، ولا يكون المندوب السامي الجديد مندوبًا ساميًا حقًّا إلا إذا حقق هذين الشرطين. أما تحقيق الشرط الثاني فشيء لا شك فيه، والسير لامبسون يعرف منه أكثر مما نعرف، وأما تحقيق الشرط الأول فشيء يمسنا نحن ويتصل بنا، ونستطيع أن نؤكد للمندوب السامي أننا سنحقِّق له هذا الشرط على أكمل وجه وأجمله، وقد بدأنا نحققه؛ فنحن نتحدث عنه، ونطيل الحديث، نتحدث عنه في الأندية، ونتحدث عنه في الصحف، ونتحدث عنه من جميع الأنحاء، التي يتحدث منها الناس عن الناس، وَصَفَتْ لنا الصحف الإنجليزية قامته؛ فنحن نتحدث عن قامته، ووصفت لنا الصحف الإنجليزية سيرته في الصين؛ فنحن نتحدث عن سيرته في الصين، ورأينا طرفًا يسيرًا جدًّا من سيرته في مصر؛ فنحن نتحدث عن هذا الطرف اليسير، ولكننا نتحدث بنوع خاص عن سيرته التي لم نَرَهَا؛ لأنها لم تكن بعد، نتحدث ونتبارى في الحديث، نتنبَّأ بما يريد، ونتنبَّأ بما سيفعل، ونُسرِف في التنبؤ، وإذا أحاديثنا عنه تشغل أنديتنا حين نسمر فيها شطرًا غير قصير من الليل؛ فليطمئن المندوب السامي من هذه الناحية؛ فهو يشغل الأندية، ويطلق الألسنة، ويُثِير في النفوس نشاطًا إلى التفكير، وفي العقول حاجة إلى الاستطلاع، وليس هذا كله بالشيء القليل، ومع ذلك فقد نحب أن لا يتخذ المندوب السامي لنفسه صورة مخطئة من أحاديث الناس وتفكيرهم، ومما يقصدون به إلى تلك الأحاديث وهذا التفكير، فقد يصور له بعض المصوريبن اشتغال الناس به على أنه اعتماد عليه، والتجاء إليه، وانتظار الفرج على يديه؛ فنحب أن يعلم المندوب السامي أن هذه الصورة إن قُدِّمَتْ إليه كانت خليقة أن لا يعجب بها، ولا يطمئن إليها، ولا يثق بما توحي به من الخواطر والمعاني؛ لأن هذه الصورة لا تطابق الأصل، ولا تمثل الحقيقة الواقعة، ولا تعطي فكرة صحيحة صادقة عن ما يشغل الناس من أمرها، فالكثرة المطلقة من المصريين تتحدث عن المندوب السامي؛ لأنها تحب الاستطلاع قبل كل شيء؛ ولأن حب الاستطلاع طبيعة لا يستطيع الناس مقاومتها.

ثم هي تشتغل بالمندوب السامي؛ لأنها تريد أن تعرف مذهب الإنجليز فيما بينهم وبين مصر من الصلات، ألا يزال هو هذا المذهب الذي اختاروه بعد انقطاع المفاوضات الأخيرة؛ فدفعهم إلى أن يُعِينُوا الظلم ويؤيدوه، بل إلى أن يُدْفَعُوا إليه، ويرغبوا فيه بهذا الحياد الذي انتحلوه انتحالًا، وتكلفوه تكلفًا، وخَدَعُوا به قومًا ليس إلى انخداعهم من سبيل، أم هو مذهب جديد؟ وإذا كان كذلك فماذا عسى أن يكون؟ أهو مذهب القوم الذين يحبون الإنصاف، ويُؤْثِرُون العافية ويرغبون في السلم؛ فيخلون بين المصريين وبين حقوقهم ومصالحهم، ويهيئون للمفاوضة الحرة الشريفة التي يُرْجَى أن تُرْضِي الفريقين المختصمين، أم هو مذهب القوم الأقوياء الذين تغرهم قوتهم، ويطغيهم بأسهم؛ فلا يحفلون بحق ولا عدل، ولا يقدرون وفاءً بعهد، ولا إنصافًا لمظلوم، وإنما يبسطون السلطان ما وجدوا إلى بسطه سبيلًا، ويتدخلون في أمور المصريين وإن لم يرضَ المصريون؟

ونظن أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر على المصريين حقهم في أن يتحدثوا بهذا كله، وأن يتساءلوا عن هذا كله؛ فكل أمة في الأرض حرة في أن تحب الاستطلاع وتتحدث عن كبار الناس، وكل أمة في الأرض حرة في أن تسأل عما يراد بها لتلقى الخير بالخير، والشر بالشر، لتلقى الود بالود، والعداء بالعداء؛ فليس على المصريين بأس إذن من أن يتحدثوا ويطيلوا الحديث عن المندوب السامي الجديد؛ لأن المندوب السامي الجديد لم يُرْسَلْ إلى بلادهم ليستمتع فيها باعتدال الجو وصفائه، ولا بجمال النيل وما يقوم على شاطئيه، إنما أُرْسِلَ إلى مصر ليعمل في السياسة المصرية، التي تمسُّ حياة المصريين اليوم وتمس حياتهم غدًا، ولكن هذا الحديث الذي لا شك في أنه من حق المصريين لا يدل، ولا ينبغي أن يظن أنه يدل، على أن المصريين يعتمدون على المندوب السامي، أو ينتظرون الفرج على يديه.

إنما يدل — ويجب أن يُفْهَمَ أنه يدل — على أن المصريين يعرفون حقوقهم كأحسن ما يجب أن يعرف الناس حقوقهم، ويحرصون على هذه الحقوق كأحسن ما يحرص الناس على الحقوق، ويريدون لهذا أن لا يخدعوا عن شيء، وألا يُغْصَبَ منهم شيء، وأن لا تلهيهم المظاهر عن الحقائق.

وليس من شك في أن قومًا سيزعمون للمندوب السامي أن مِنَ الناس مَنْ يرجونه ويطمعون فيه، وينتظرون منه خيرًا كثيرًا، ويفكرون فيه إذا أصبحوا، ويفكرون فيه إذا أمسوا، ولكن من الخير للمندوب السامي أن لا ينخدع بما سيُنْقَلُ إليه من أمر هؤلاء الناس؛ فهم قليلون قليلون جدًّا، لا يعبرون عن رأي أحد غير أنفسهم، ولا يصورون آمال أحد غير أنفسهم، وهم قد خَدَعُوا كثيرين من الذين سبقوه، وخدعوا بذلك الحكومة الإنجليزية نفسها، خيَّلوا إلى الإنجليز أنهم شيء، فلما امتحنهم الإنجليز لم يجدوهم شيئًا، ولعل دكتاتورنا العظيم أوضح مثال لهؤلاء الناس؛ فهو قد خَيَّلَ إلى المندوب السامي القديم وخيَّل إلى الحكومة الإنجليزية أنه شيء عظيم، وأنه يستطيع أن يُتِمَّ ما عجز غيره عن إتمامه، فلما امتحنوه كان أمرهم معه كأمر المسافر الظمآن، الذي يطمعه السراب فيَجِدُّ في طلبه؛ حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه.

وكان انخداع الإنجليز بما خَيَّلَ إليهم دكتاتورنا العظيم مصدرَ شرٍّ عظيم للإنجليز وللمصريين وللدكتاتور العظيم نفسه: فأما الإنجليز ففقدوا مودة مصر فقدانًا يوشك أن يكون تامًّا، وأما المصريون ففقدوا حريتهم وضاعت عليهم منافع لا تُحْصَى، وسُفِكَتْ فيهم دماء، وأُزْهِقَتْ فيهم نفوس، وأَلَمَّتْ بهم مظالم تَسْتَخْذِي لها الحضارة الحديثة، وأما الدكتاتور ففقد حُبَّ مواطنيه وثقتهم وعطفهم، ثم فقد الحكم؛ فإذا هو يفقد حتى أقرب الناس إليه وألصقهم به، وأشدهم انتفاعًا بما جنى على بلاده من السيئات.

ويستطيع المندوب السامي ويستطيع الإنجليز أن ينظروا إلى صديقهم القديم ليروا أين هو من مصر وأين مصر منه، وهم قد نظروا بالفعل؛ فأبوا أن يفاوضوه، ثم أبوا أن يمضوا في نصره وتأييده حين كان أشدَّ الناس حاجةً إلى أن ينصروه ويؤيدوه؛ وإذن فقد يقال للمندوب السامي: إن بين المصريين قومًا ينتظرونه، ويطمعون فيه ويعرضون أنفسهم عليه، فليذكر المندوب السامي أن رجلًا كان ينتظر السير برسي لورين ويطمع فيه ويُطَمِّعُه في نفسه، فلما انخدع له السير برسي لورين، لم يُفِدْ منه لما بين مصر وإنجلترا من العلاقة شيئًا، إنما أضاع من أجله شيئًا كثيرًا، ونحب أن نؤكد للمندوب السامي أنه يريح نفسه من تعب كثير، ويقتصد لنفسه وللإنجليز جهدًا كثيرًا ووقتًا كثيرًا، إن نظر إلى المصريين على أنهم شعب راشد يعرف ما يريد، ويُقَدِّرُ ما يُرَادُ به، ولا يَرْضَى من الإنجليز ولا من غير الإنجليز إلا ما يلائم حقه وكرامته، وعزته القومية، فهو إن نظر إلى المصريين على هذا النحو؛ استطاع أن يفهمهم واستطاعوا أن يفهموه، وقد يمكنه ذلك من أن يُتِمَّ مع المصريين ما عجز عن إتمامه المندوبون السابقون، فأما إن سار سيرة السير برسي لورين؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه السير برسي لورين، وإن سار سيرة اللورد لويد أو اللورد كرومر؛ فسينتهي إلى ما انتهى إليه اللورد لويد أو اللورد كرومر.

وستظل مصر قائمة كما كانت، تطالب بالحق، وتحرص على الكرامة، وتجاهد في سبيل العزة، وتصبر على الظلم وتقاومه ما وجدت إلى هذه المقاومة سبيلًا، ولكن رضا مصر ومودتها وثقتها أمور لن تُكْتَسَبَ بقسوة ولا بظلم ولا بمكر ولا بخداع، إنما هي الصراحة والصراحة وحدها، الصراحة التي تقوم على احترام مصر، والاعتراف لها بأنها بلد كريم، هذه الصراحة وحدها هي التي تستطيع أن تريح الإنجليز من المصريين، وتريح المصريين من الإنجليز، وتحقق بين هذين الشعبين مودة من الخير لشعوب الشرق كلها أن تحقق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.