من حق الشيطان أن يأمن على وظيفته بين أبناء عدوِّه آدم أبي البشر؛ فإنهم يبحثون عنه إذا تفقدوه فلم يجدوه، ولن يطول بهم أمدُ البحث عنه حتى يهتدوا إليه بين ظهرانيهم وفي صفوف إخوانهم، ويا له من اهتداء كله ضلال.

إن الناس لا يستغنون أبدًا عن «جندي مجهول» يبرءون إليه من عيوبهم، ويحملونه تبعات أوزارهم، وينسبون إليه أسباب الكوارث التي يجهلونها، ثم يُحيلون إليه أعذارهم إذا لزمتهم المعذرة وثبتت عليهم الخطيئة، فلا فرار من الأعذار.

وإن لهم في كل عصر لشيطانًا موقوتًا أو شيطانًا «ظهورات» على حسب اصطلاح الدواوين.

ففي مطلع القرن العشرين، بعد نهاية العشرة الأولى منه، ظهر مذنَّب «هالي»، وتردَّد أيامًا ولياليَ بين المشرق والمغرب. فحمل عليه الناس ذنوب الجو وذنوب الأجواء جميعًا، ومنها أجواء السياسة العالمية، وكادوا أن يحسبوه نذيرًا من نذر القيامة كما حسبه الأقدمون على عهد أبي تمام:

وخوفوا الناس من دهياء مطبقة

إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنبِ

وصيَّروا الأبرُج العليا منكسة

ما بين منقلب أو غير منقلبِ

ثم نشبت حروب البلقان وتلتها الحرب العالمية، فقال الذاكرون منهم: إنه نذير يتحقق، وإن المذنب «المظلوم» قام بدوره على ما يرام، وأسلم الدنيا بعده للمدفع والغواصة، يتولَّيَانها بما يحلو لهما من احتراق وإغراق.

واضطرب الجو أيام الحرب العالمية الأولى، فلم يكن أسرع منهم إلى إتمامها ببرد الشتاء وحر الصيف وغبار الأرض وغيم السماء.

وجاءهم الفرج الأكبر مع القذيفة الذرية المشئومة، فلا حر ولا برد ولا اضطراب ولا سكون إلا وهي مسئولة عنه وهم مستريحون إليها من عناء البحث بعد ذلك بين الأرضين والسماوات عن علة البرد القارس والقيظ اللاذع، كأنها قد جاءت من عالم الذرة بالمعجزات وخوارق العادات، وما من إعجاز يخرق العادة كإعجاز القدرة على النقيضين.

كنت في أسوان إلى أمس الأول، فسمعت التهمة بعد التهمة تنصبُّ على القذيفة الذرية التي وصلت ببردها الخارق على خلاف العادة إلى أسوان، وهي التي قال فيها دعبل الخزاعي جزاه الله:

هبطت محلًّا يقصر البرق دونه

ويعجز عنه الطيف أن يتجسما

وعدت إلى القاهرة فوجدت القذيفة الذرية في كل «قفص اتهام» … ولا استثناء لمن كانوا يتهمونها منذ بضعة أعوام بالنار والضرام.

ولا يستحيل على هذا «الشيطان العصري» أن يُشِبَّ النيران، وأن يُسقِط الثلوج في آن؛ فقد يكون كلاهما أثرًا من آثار التخلخل والتقلقل وجريان الأمور على خلاف المعهود والمأثور.

نعم، ولا يستحيل أن تكون القذيفة الظالمة بريئة من هذه التهمة المرتجلة ومن كل تهمة «جوية» شتوية أو صيفية؛ فإن البقع التي يرصدها الفلكيون على وجه الشمس قد تفعل هذه الأفاعيل كما فعلتها من قبل. فإن كانت هي الأخرى بريئة منها، فلعلها فعلة المنظومة الشمسية بحذافيرها، وهي تنتقل بين آفاق الفضاء إلى حيث تسبق الأرصاد والأنباء وتتحدى علماء الأفلاك والأجواء.

يجوز هذا ويجوز ذاك، ويجوز غير هذا وذاك، ولكنه يجب في جميع الأحوال أن يهدئ من سَوْرة الصائحين على التجارب الذرية، وأن يدعوهم إلى شيء من الأناة وطول البال، وإلى إعادة السؤال بعد السؤال: لماذا تبطُل التجارب العلمية حول هذه الذرة إذا كان من الجائز أن تبدل لنا جو الصيف وجو الشتاء، وأن تضع أيدينا على زمام الأهوية والأنواء؟ أليست هذه القدرة كسبًا للإنسان وفتحًا جديدًا له في هذا الزمان، لعله بقية من زمان سليمان، ومن سلطان الإنس على الجان؟

إن جاز هذا — ولو بمقدار الظن العاجل والخاطر السريع — ففيه الشفاعة الكافية لتجارب العلم التي لا تحتاج في الحقيقة إلى شفيع.

أما أخطار هذا السلاح المرهوب فلتبلغ ما بلغت من الرهبة؛ فإننا لا نتقيها بالستر والمداراة، ولا نحسب أننا نبرئ النفوس من داء السرقة بربط الأيدي، أو نبرئ الرأس من داء اللغو بقطع الألسنة، أو نبرئ داءً من الأدواء بقطع الجوارح والأعضاء. ولكننا نُعالِج الأمراض جميعًا حقَّ العلاج بالقدرة على اجتنابها مع القدرة على أسبابها، وبالعزيمة التي استطاعت أن تحمي الأمم من آفات الحرب «الميكروبية»، وهي في وسع كل أمة تقدر على تزريع جرثومة من الجراثيم.

إن علاج الحرب الذرية بالعجز عنها يُبْقِي لنا العلة كامنة، ويُبْقِي لنا العجز ومعه هذا الشيطان، ولا أمان لإنسان عاجز مع شيطان خفي، كائنًا ما كان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.