احتفلت البلاد — حكومة وشعبًا — في ١٠ نوفمبر من سنة ١٩٤٨م بمرور مائة عام على انتقال بطلها الخالد إبراهيم لدار البقاء، واحتفلنا بذكراه في العام الماضي مقترنًا بذكرى والده الكبير، ولعل أروع صفحة في تاريخ إبراهيم هو شعوره النبيل نحو أبيه؛ حب قوي، وإخلاص عميق، ووفاء نادر.

ولم يروِ التاريخ سيرةَ رجلين عظيمين ربطتهما أواصر الدم، وجمع بين قلبيهما الوفاء والحب، ووثَّقت من صِلاتهما الذكريات المجيدة، واقترن مجد الواحد بالآخر دون أن ينقص منه أو ينتقص من مكانته؛ مثل ما روى من سيرة محمد علي الكبير ومن سيرة إبراهيم. لقد سعى الخصوم بالقطيعة بين الولد وأبيه، ولكن حب محمد علي لولده، ووفاء إبراهيم لأبيه، كل هذا كان عاصمًا للوالد والولد؛ فبقي حب كلٍّ منهما للآخَر خالدًا مع الدهر، وبقي إخلاص كلٍّ منهما للآخَر ثابتًا لا يتزعزع، وكان هذا مثلًا فذًّا قلَّ أن ينقل التاريخ له نظيرًا. وكانت مصر تحتفل حقًّا بإبراهيم عندما احتفلت احتفالها الرائع بأبيه وأبي مصر، وها قد دار الفلك دورته وحلَّ موعد الذكرى من جديد؛ نستقبلها كما استقبلنا سابقتها، مقدمين لمقام البطل الفاتح تحيةَ الإعجاب والوفاء والتقدير، نستقبلها راضين مغتبطين أنْ قدَّمَتِ البلادُ لذكراه العطرة آيةً جديدة من آيات عرفانها لجميله وإعجابها بعبقريته؛ فقد أنشأت حكومة حضرة صاحب الجلالة في سنة ١٩٥٠م جامعةً جديدةً تحمل اسم إبراهيم الكبير، وقد استقبلت الجامعة الناشئة في الشهر الماضي الطلابَ المصريين أحفاد أولئك الفلاحين والجنود وغيرهم من المصريين الذين فاض قلب إبراهيم حبًّا لهم، والذين اعتزَّ بهم وبمصريتهم، ففاخر بأنه أتى مصر طفلًا فغيَّرت شمسها دمه فجرى مصريًّا، والذين قادهم من نصر إلى نصر، في البر والبحر، في السهل والحَزن، في السودان والجزيرة العربية والمورة والشام والأناضول. ولا بدع في هذا الحب وذلك الاعتزاز، فقد خالَطَ وعاشَرَ طول حياته أشرف ممثِّلي الشعب المصري؛ الفلاح والجندي، وخبر عن قربٍ ما يستطيعه الفلاح المصري والجندي المصري.

استقبلت جامعة إبراهيم الطلابَ أبناء ذلك الجيل من المصريين الذي بنى بقيادة محمد علي وإبراهيم صرحَ النهضة المصرية، استقبلتهم مقبلين على تلك الدراسات الأدبية والعلمية والطبية والهندسية التي عرف محمد علي للشباب المصري حقَّه فيها، والتي اتخذ منها أساسًا لخطته السياسية والحربية والاقتصادية شأن بناة النهضات في الزمن الحديث. وقد نزع ابنه إبراهيم إلى أن يتخذ من التعليم أجدى الوسائل للارتقاء بالشعب، واهتمَّ بصفة خاصة — عندما حمل عن أبيه عبء الحكم — بافتتاح مكاتب لتعليم الشعب أطلقوا عليها اسم «مكاتب الملة»، على نحو ما كان موجودًا في ذلك الوقت في فرنسا وإنجلترا لتعليم أبناء الشعب «من أقرب طريق وفي أقصر وقت»، فلمكاتب الملة غرض جديد غير غرض المدارس الابتدائية؛ فليس الغرض فيها إعداد التلاميذ للدراسة التجهيزية، بل الغرض منها توفير قسط من الثقافة لسواد الشعب، ولكن هذه الحركة الكبيرة بالخير ماتت بموت إبراهيم.

وقد اكتسب إبراهيم خبرةً بشئون الفلاحة المصرية تكاد تبلغ خبرة أبيه بها، وعمل في خدمة الزراعة المصرية في ممتلكاته الخاصة وفي مداولات مجلس الشورى التي تولَّى رياستها فيما بين فترات الجهاد؛ أعمالًا مأثورة. قال في رسالة لوالده، تاريخها غاية جمادى الآخرة سنة ١٢٥٥ﻫ /٩ سبتمبر سنة ١٨٣٩م حين فكَّرَ محمد علي في تخفيض عام في المصروفات لإيجاد الموازنة بين الإيراد والمصروفات: «وتستدعي الحالة أن يعاد النظر في شئون مصر كلها لتنظيمها من جديد، فإني وإنْ كنتُ واقفًا على أحوال المديريات من قبلُ، إلا أنني اكتسبتُ معرفةً تامة في شئون الفلاح منذ أن التزمت القرى لكي أختبر الوسائل المؤدية إلى عمار مصر بنفسي، وقد دفعت تكاليف هذه القرى التي التزمتها مما كسبته منذ خمس وثلاثين سنة، وما زال عليَّ كثير منها؛ أي إنني دفعت لأجل أموال الأطيان الكائنة في مديرية الغربية وبقاياها لسنة ٥٤ مبلغ ثلاثين مليون قرش ونصف مليون، ومع ذلك عليَّ مليونَا قرش ونصف مليون عن أموال هذه السنة وبقاياها، وكيف إذن يطيق الفلاح هذه التكاليف الباهظة وكيف يقوم بتسديدها؟ … ويظهر جليًّا مما ذكرتُ ما هو عليه الفلاح من سوء الحال، وهذا ما يجعلني أظن أن الأولى تأجيل موضوع تخفيض المصروفات إلى حين انتهاء مسألتنا (مسألة العلاقة بالدولة العثمانية)، ثم نطلب الدفاتر من الدواوين كلها ديوانًا ديوانًا، ومن المديريات مديرية مديرية، فنبحث فيها بحثًا شاملًا وننظم شئون مصر كلها على ضوء ما يُؤخَذ منها من المعلومات، ومع ذلك كله فالرأي الأعلى لمولانا؛ فإنه أدرى مني في الشئون كلها.»

أَفَلَا يحق لنا — نحن المصريين — وقد عرفنا من إبراهيم ما عرفنا، أن نأسى أنَّ القدر لم يُتِحْ له أن يخلف أباه بعد أن تشرَّب روحه وأخلاقه، وتعلَّقَ بخططه ومراميه وآماله، وعاوَنَه في بناء النهضة المصرية خمسين عامًا؟!

لقد رسمَتْ لنا الوثائقُ الرسمية وغير الرسمية صورةً جلية لشخصيته في أدوار حياته، منذ أيام الصبا عند قدومه لمصر بعد أن استتبَّ الأمرُ فيها لأبيه، فدور الشباب إلى الكهولة. وهي شخصية إنسان موهوب، تنمو وتترعرع في يد أب عبقري، وفي وطن خليق بالأبطال، وفي ساعة من الزمان حقيقة بالبطولة. وما كان إبراهيم إلا المثل الكامل لتلك الصفوة من الرجال التي عمل محمد علي عملًا متواصلًا على تنشئتها وتربيتها وتكوينها، وشاء سعد الطالع أن يحقِّق إبراهيم في نفسه وفي أعماله كلَّ ما كان أبوه يأمله ويرجوه؛ كره ما كان يكرهه أبوه، فكان يمقت الشعوذة والغفلة والرخاوة والغرض والضغينة والمحاباة، ونشأ وعاش صريحًا جادًّا مترفِّعًا عن الدنايا مقدِّسًا للنظام، لا يأنف من أن يتعلَّم ما لم يكن يعلم، فوقف وقفةَ الجندي في صفِّ التعليم، وجلس جلسة التلميذ، وخالَطَ واستعلم واستمع إلى أحاديث الكُتب وأقوال الرجال، يشارك في وضع الخطط ويقوم بالتنفيذ، لا يحاشي ولا يوافق على ما يراه غير محقِّق للمصلحة العامة، بل يقول ما يراه، وقد يتمسك برأيه ويصر إصرارًا بلغ في بعض الأحايين أن طلب الإعفاء من الرياسة مع البقاء مؤديًا للواجب في صفوف الجنود، ترك الراحة وتحمَّلَ المشاق، وتجلد لبث العدل وتشييد العمران للأعقاب والأخلاف.

ولقد تجلَّتْ عظمته في فن القيادة العسكرية، ولكن فيمَ تختلف صفات القائد الكبير وصفات الحاكم القدير؟ وإن صفات العزم والحزم والتدبير وسعة الأفق وحُسن التصرف وإدراك العواقب ولطف الحيلة ودقة فهم الطبيعة البشرية والإحسان إلى المحسن ومؤاخذة المنتصر، كل هذه من مستلزمات النبوغ في فن الحرب والحكم. ولقد تجلَّتْ هذه الصفات في إبراهيم قائدًا موفَّقًا ذائع الصيت، النصر معقود بلوائه، ولكن عاجَلَه الموتُ فحرم مصر منه ملكًا عبقريًّا، ولكنه بقي على مرِّ الأيام بطلها الفاتح.

كتب لأبيه في أثناء حصار عكا عندما أذيع أن السلطان قد جيَّش الجيوش لدفع الجيش المصري عن أسوارها: «ومهما بعثوا من القواد العظام والجيوش الجرارة، فلا يُعقل أن يرسلوا أو يستحصلوا على أقوى وأشجع من عبدكم المخلص إبراهيم، ومهما بحثوا فلا يمكنهم أن يعثروا على مثل جنود العرب الذين أقودهم أنا.»

وهذه الثقة بالنفس، وهذا الشمم العالي، وهذا الاطمئنان التام مردُّها لأمرين: للحكومة وراء ظهره، وللجندي الذي يقوده. لقد حلَّ محمد علي الكبير مشكلةَ تكوين القوة العسكرية على الوجه الذي أوجدته الديموقراطية وليدة الثورات؛ أي التجنيد العام، وكوَّن الجيش المصري المظفر دائمًا إن شاء الله، وكتب إلى ناظر الجهادية يقول: «إن مؤسسة الجهادية هذه — أعزَّها الله — لَهي في حدِّ ذاتها نعمة جليلة وأمنية بلغ من شرف قدرها أني ما زلت منذ عشر سنين متعللًا برجاء إدراكها، قائلًا: أيكون لي أنا الآخَر سعادة نيلها؟! بل ما فتئتُ أُلقِي بنفسي وأولادي وعيالي وبعرضي ومالي وبذلك العدد الكبير من أتباعي وأصدقائي الذين هم غرس يدي وثمرة تعهُّدي، أُلقِي بكل أولئك في المهالك وأعرِّضهم للمضار والأخطار آمِلًا في إحداث هذا السلك الجهادي.»

ولقد اندمج إبراهيم في هذا السلك الجهادي اندماجًا تامًّا، جسمًا وروحًا، من أول الأمر، لحق به متعلمًا وهو القائد المظفر في الجزيرة العربية، وخاضَ به تلك الحروب التي سجَّلَ بها لبلاده نصرًا عظيمًا في صفحة الخلود. ولم تكن تلك الحروب إلا وسيلة لا غاية، لم تكن إلا آلة العيش الكريم، إلا الأداة التي لم يكن منها مندوحة لإحياء العالم العثماني، لتحقيق وحدته لا لتجزئته، لإحياء قوته وبعث رفاهيته عن طريق إدارة عقل واحد لملك متنوع الموارد، متنوع السكان، يملك أقصر الطرق بين الشرق والغرب.

ولا يستطيع جيل واحد من أية أمة أن يحقِّق لها كلَّ ما تصبو إليه، ولكن إذا ورث الأعقاب عن الأسلاف آمالهم وساروا على نهجهم، فإن للأمة أن تنظر للمستقبل مطمئنة واثقة، وستبقى لمصر ذكرى إبراهيم تدفعنا إلى الأمام وتقوي فينا روحَ العمل والأمل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.