لما رَفعتُ بيدي آخر ورقة في تقويم السنة الماضية، ونظرت إلى ما وراءها فلم أر شيئًا وراءها، ولم أر صفحة في مكان صفحة، أو رقمًا في مكان رقمٍ، أو يومًا في مكان يوم، خُيِّل إليَّ أنني قد أتيت عملًا من أعمال القدر، وأني قد وضعت يدي على دولاب الزمن فأتلفتُ عدة من عدده، وأوشك ألا يدور، وشعرت في نفسي شعور الطفل الذي تسلل في سهوة من الحارس فدسَّ يده بين مفاتيح الدولاب الكبير وحرَّكهُ حرَكة خاطئة لا يعرف صوابها، ولا يقوى على إصلاحها، فوجم هنيهة في مكانه لا يدري أيسكن حيث كان، أم يلوذ بالفرار.

وَهْمٌ من أوهام الإنسان، ولكنه ألزم له من كل صواب!

وَهمٌ من أوهام الإنسان أن يحسب — فيما يسميه آخر السنة — أن عهدًا من الزمن قد أدبر وعهدًا قد أقبل، وأن الأبد قد ارتفعت منه صفحة، ونزلت في مكانها صفحة، وأن تقويم الكون قد تبدل كما نُبدِّل نحن أوراق تقويمنا نهارًا بعد نهارٍ، وعامًا بعد عام.

وهم!

ولكن ما أحوج الإنسان إلى الأوهام! وما أقل غناه عنها بالحقائق! وما أضلَّهُ في طريقه لو نظر بأعين الخالدين ولم ينظر بعيني الإنسان!

الحمد لله!

لم أُتلف دولاب الأبد إذن، ولم أختلس منه حركة خاطئة في سهوة من الحارس اليقظان، فلا يزال الأبد في طريقه ولا نزال نحن في طريقنا، ولا يزال الوقوف حرامًا في عالم الواقع وإن تخيلناه على صورة من الصور في عالم الخيال.

فلو صعدت روح إنسان في مطلع العام إلى كوكب من الكواكب لسَخرَ منها من يسمعها هناك تبشرهم بموقف جديد من مواقف الأزمان.

ولو تخطى العقل هذه الكواكب كلها لسَخرَ بما يسميه المطالع والمغارب، والأيام والليالي، والسنين والأحقاب.

لكنه يَضلُّ كل الضلال إذا نظر بعين الخلود، ولم ينظر بعين الفناء التي ركبت له، فلا تغنيه عنها أعين الخالدين.

نحن فانون، فنحن نتعب من خلود الأبد، ولا محيص لنا من الوقوف، ولا مناص لنا من راحة إلى الأوهام، وإيمان بالتبديل والانتقال.

فلنقف، ولنتدبر، ولنستقبل، ولنجعل من النقص كمالًا، ومن الواقع عبرة، ولننظر ماذا نستفيد في مطالع السنين.

في مطلع السنة الغابرة تَوَهَّمتُ أن الزمن قد وقف هنيهة، فوقفت معه أُعيد ترتيب الآمال والمخاوف، وتقدير الحقائق والظنون.

رجوت كثيرًا، وتوجست كثيرًا، فلم يتحقق كثيرٌ مما رجوت، ولم يتحقق كثيرٌ مما خشيت، وتحقق بعض الرجاء الذي لم يكن في الحسبان، وتحقق بعض الخوف الذي لم يَرِد على الخاطر، وعلمت أن الرجاء عبث، وأن الخوف عبث، وأن همومنا تضيع هباء على هذا المنوال، وأن آمالنا تجشمنا كثيرًا في غير طائل على هذه الوتيرة … فهل أقلعتُ في مطلع عامنا هذا الجديد عن الرجاء الكثير أو عن التوجس الكثير؟

لا!

ولكن هل بَقيتُ كما كنت سنة بعد سنة، وفترة بعد فترة في نظرتي إلى المخاوف والآمال؟

لا، كذلك.

إن المنظار الذي أنظر به إلى الأيام المقبلة باقٍ في مكانه، وإن الطبيعة التي تسوق أيدينا نحن بني الإنسان إلى ذلك المنظار لِنَستطلعَ به الغيب باقيةٌ في مكانها.

ولكنني إذا نظرت رأيت تبديلًا في الزجاجة، وتبديلًا في قوة النظر، وتبديلًا في الاتجاه، وعلمت أنني لا أستخدم المنظار اليوم كما كنت أستخدمه قبل سنوات.

المنظار باق.

والطبيعة التي تدعونا إلى النظر فيه باقية.

ولكننا لا نرى كما كنا نرى، ولا نحس بالمشاهد المرئية كما كنا نحس، ولا نخطئ ولا نصيب على نمط واحد من الخطأ والصواب.

وسينظر الإنسان إلى الحوادث ما عاش نظرة قبل وقوعها، ونظرة بعد وقوعها، فلا تتشابه النظرتان. فأيهما الأصوب، أو أيهما الأولى بالتصديق؟

قل ما شئت في ذلك، فالذي لا ريب فيه أن نظرتك البعيدة إلى الشيء ينبغي أن تخالف نظرتك القريبة إليه، وإلا كان بالعين مرض، وكان بالنظرة زيغ وضلال.

إن العين التي ترى الشيء قبل أميال على صورة من الصور ينبغي أن تراه على صورة أخرى قبل شبر واحد، وإن النفس التي ترى الشيء قبل حصوله على صورة من الصور ينبغي أن تراه على صورة أخرى بعد الحصول، ومن هنا يتولد الأمل والخوف، ويتولد الاستعداد والتقدير، ويتولد العمل والحركة، ويتولد العيش كله والحياة كلها، ويتولد نسيج التفكير والشعور.

أما الذي يرى المستقبل بعين الحاضر فليس هو بإنسان من أبناء الفناء، وإنما هو خالد في الخالدين، ولا طاقة لإنسان بنظرات الخلود.

لو امتنع الخطأ في الدنيا لاشتريناه، ولكنه لا يمتنع بحمد الله!

***

المنظار هناك.

والطبيعة التي تسوق يديك أن ترفعه إلى عينيك هناك.

لكن الزجاجة غير الزجاجة، والوِجهة غير الوِجهة، والنظرة غير النظرة، والشعور غير الشعور.

ولو رجعت إلى نفسي اسألها عن أساليبها المختلفة في النظر إلى الدنيا لاتَّسع أمامي مجال الاستقصاء، وكثرت المذاهب، وتعددت الأسماء، ولكنني أجتزئ منها بالإجمال في التقسيم والتسمية دون التفصيل، وأستطيع أن أجمعها كلها في ثلاث نظرات: نظرة أخلاقية، ونظرة رياضية، ونظرة فنية. وهذا هو الفارق بينها على وجه التقريب أشرحه لزميلي القارئ جهد المستطاع.

***

فالنظرة الأخلاقية تقسم الأمور كما تقسم الناس إلى صنفين متناقضين:

أحدهما خير، والآخر شر، وأحدهما إلهي مبارك، والآخر إبليسي ملعون، وأحدهما طُهر، والآخر نجاسة، وكلاهما في حرب لا هدنة لها، وليس ينبغي أن تكون لها هدنة ولا مقارنة، كما ليس ينبغي للقديس أن يسير في صحبة الشيطان، ولا للقذر أن يوضع في إناء الدواء، ولا للمسجد أن يقترن بمباءة الأدناس.

والدنيا تعمر ما دام هذان الجانبان على انفصال، وتخرب كلما آذن الجانبان باتصال أو اقتراب، ولا بد من الجهاد في هذا المعترك العنيف بغير تسليم ولا غفلة ولا كَلَلٍ ولا فتور؛ فميدان الحياة — وفاقًا لهذه النظرة — إنما هو ميدان الحرب المقدسة التي يشنها من قديم الزمن أورمزد وأهرمان، ويشنها في الزمن أجمع كل قديس وكل شيطان.

***

والنظرة الفنية تنظر إلى الدنيا وفيها المفرح والمحزن، والمُضحِكُ والمبكي، والحَسَنُ والقبيح، والمغضب والمرضي، والخير والشر، والنقائض الكثيرة في معرض الفكر ومعرض الشعور.

لكنها تنظر إليها كأنها معروضة في متحف المصورين العباقرة، أو على مسرح الأبطال الموهوبين في صناعة التمثيل.

فالذي يهمك منها أن ترى براعة الأداء في الخير والشر، وأن تلمح إتقان الصورة في الأنوار والظلال، وأن تشعر بالغضب كما تشعر بالرضى، وتتبع القبح كما تتبع الجمال، وتتأمل في المحاسن كما تتأمل في العيوب، وتخرج في آخر الأمر بين الحكمة الفنية والحكمة الصوفية فَتُحيِّي المناظر التي تعقَّبتها والأبطال الذين شهدتهم وسمعتهم تحية الإعجاب والارتياح، وتقبل على المتحف أو المسرح كما يقبل النظارة وقد أشاعوا غبطة الفن في الجميل والدميم، وفي الجائز والمحظور، وفي الحزن والسرور على حد سواء.

***

والنظرة الرياضية تجمع ما بين النظرتين من طرفين؛ ففيها من النظرة الأخلاقية الصراع والكفاح، وفيها من النظرة الفنية النشاط والارتياح.

فيها من النظرة الأخلاقية أنك تحب الانتصار والغلبة، ولكنها ليست بالغلبة على عدو أثيم، وفيها من النظرة الفنية النشاط والارتياح، ولكنه ليس بنشاط المتفرج المكتفي بالرقابة والمعزول عما يراه.

***

فنظرة تنزل بك في ميدان حرب مقدسة، ونظرة تدخل بك في متحف الفنون الجميلة، ونظرة تذهب بك إلى ميدان الفُروسةِ أو مجال الألعاب. ذلك هو إجمال ما يقال في النظرات الثلاث إلى الحوادث وإلى الحياة وإلى الناس.

ولا بد أن يقال مع هذا الإجمال: إن النظرات مفترقات كل الافتراق على صفحات القرطاس، وعند التعريف والتحليل.

أما في النفوس فهي لا تفترق هذا الافتراق، ولا تخلو إحداها أبدًا من آثار النظرتين الأُخْرَيينِ؛ فأنت في مضمار الفُروسة تستحضر المتحف والمحراب، وأنت في المحراب تستحضر المتحف والمضمار، وأنت في المتحف تستحضر نشاط اللاعب وصرامة المقاتل، ولكنها درجات وحالات تتفاوت بها أنت، أو هي تتفاوت بك على حساب الأيام والسنوات.

فانظر ما بدا لك في مطلع هذا العام، وارجع إلى المنظار في مطلع العام القابل، وأرجو أن يكون في متناول يديك، وأن تكون الزجاجة التي تنظر فيها، والوِجهة التي تنظر إليها، والشعور الذي تعقبه من هذا النظر على ما تختار وتترقب صاعدًا على سلَّم التمام والارتفاع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.