أمَّا أنَّ وزراءنا في هذا العهد السعيد أساتذة يعلموننا الأخلاق ويأخذوننا بِحُسْنِ السِّيْرَةِ والاستقامَةِ فيما نعمل ونقول، فذلك شيء لا شك فيه، ينكره المعارضون وحدهم، ومتى اعترف المعارضون بالحق؟ ومتى أنكر المعارضون غير الحق؟ إنما هم قوم مُكابرون، لا ينبغي لك أنْ تَسْمَعَ لهم، فإن اضطررت إلى ذلك اضطرارًا؛ لأنَّهم أعلى الناس صَوتًا، وأكثر الناس لغطًا، فاسمع لهم، وصَدِّق عكس ما يقولون؛ فإنْ قالوا لك إن الحكومة مُسرفة في المال، فافهم من هذا أنها مقتِّرة، وإن قالوا لك إن الحكومة مُهْدِرة للحُرِّيات، فافهم من هذا أن الحكومة تغلو في حماية الحرية والتسامح مع الخصوم حتى تكاد تغريهم بالفوضى، لا تسلك مع المعاضرين غير هذا السبيل، اعكس كلامهم عكسًا. فأمَّا الوزَرَاء فصَدِّقْهُم، وآمن لهم؛ لأَنَّهُم لا يَقُولون غير الحق، ولا يُريدُون غير الخير، ولا يأتون غير الصواب.

وأخصُّ ما يمتاز به وزراؤنا ورئيسهم الرجل الطيب خاصة أنهم أذكياء، وأنهم لذلك مُتَوَاضِعُون، أذكياء يفهمون الأمور على وجهها، ويرون ما نَسْتَطِيعُ وما لا نستطيع، ويقدِّرُون ما نَسْتَحِقُّ وما لا نستحقُّ، وهذا الذكاء هو الذي يدفعهم إلى التواضع دفعًا، ويغرقهم فيه إغراقًا. ذكاؤهم بيَّن لهم أن الدستور القديم كان أكثر مما ينبغي، فرُدَّ الدستور إلى ما ينبغي له من الضيق، وذكاؤهم بَيَّن لهم أنَّ الاستمتاع بالحرية كما يستمتع بها الناس في غير مصر مُفْسِدٌ لأخلاقنا، ومرافقنا، فرُدَّ الاستمتاع بالحرية في مصر إلى أضيق حد ممكن، أو قل أُلْغِيَ.

وذكاؤهم بيَّن لَهُم أنَّ جامعتنا كانت أرقى مِمَّا ينبغي لبلد كهذا البلد الجَاهِل الضعيف، فردت جامعتنا إلى ما ينبغي أن تكون عليه الجامعات في شعب من الطبقة الرابعة أو الخامسة بين الشُّعوب المُتحضِّرة، وعلى هذا النَّحو جرى وُزَراؤنا في هذا العهد، إلا في بعض النواحي التي لا يحسن فيها التواضع، ولا يليق فيها الاعتدال، كالمؤتمرات والإعلان وما يُشبه ذلك؛ فهذه كلها أمور يَحْسُن فيها أن نسرف بعض الإسراف ونغلو بعض الغلوِّ، لينتفع الأجانب من ناحية ولينخدع الأجانب فينا من ناحية أخرى، وليعتقد الناس أننا أغنياء وإن كنا فقراء، وأننا راقون وإن كان عهدنا بالرُّقي بعيدًا، وأننا مستقلون وإن كان استقلالنا وهمًا من الوهم، ولونًا من ألوان الخيال.

وآخر درس ألقي علينا في التواضع، ولا بد من أن ننتفع به ونستفيد منه، هو هذا الدرس الذي ألقاه الرجل الطيب حين تحدَّث إلى بعض الكُتَّاب الإنجليز بحديث أُذيع في إنجلترا، ونقلته الأهرام صباح اليوم، في هذا الحديث يسأل رئيس وزرائنا الرجل الطيب مُحَدِّثه الإنجليزي في هدوء ودعة واستحياء: لماذا لم يأتِ الإنجليز الخطوة التي ينتظرها منهم المصريون؟ فإذا سأله مُحَدِّثه الإنجليزي عن هذه الخطوة التي ينتظرها المصريون من الإنجليز، أنبأه رئيس الوزراء بأنها إلغاء الامتيازات، ومن قبل ذلك أعلن صدقي باشا في باريس أنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز ليطلب إليهم مُسَاعدتنا في إلغاء الامتيازات؛ فقد كان صدقي باشا إذن يعلم لماذا لم يأتِ الإنجليز هذه الخطوة، كان صدقي باشا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وكان ينتظر أن يفرغوا مما يشغلهم ليعينونا على إلغاء الامتيازات.

أما عبد الفتاح باشا فإنه فيما يظهر لا يعلم أن الإنجليز مشغولون، وهو لذلك يسأل ما بالهم لا يُلغون الامتيازات، ولو كنتُ مكان هذا المحدِّث الإنجليزي لأجبتُ رئيس الوزراء، الرجل الطيب، بأن الإنجليز لم يلغوا الامتيازات إلى الآن لأن المصريين لم يدفعوا إليهم ثمن إلغاء الامتيازات، فإذا كان عبد الفتاح باشا قادرًا على إتمام الصفقة ودفع الثمن فإن الإنجليز قادرون على إتمام الصفقة، وتسليم العين، ولكن عبد الفتاح باشا مع الأسف الشديد أو مع السرور الشديد عاجز كلَّ العجز عن أن يدفع الثمن؛ لأنَّه لا يَسْتَطِيعُ أن يفاوض ولا أن يُعَاهِدَ، وإذن فلن يستطيع الإنجليز أن يسلموا له العين، ويلغوا الامتيازات.

ولكن الظريف في هذا هو تواضع رئيس الوزراء؛ فالرجل مُؤْمِنٌ بأنَّه عَاجِزٌ عن أن يُلْغِي الامتيازات وحده أو عن أن يفاوض في إلغائها وحده، وهو مؤمن بأن الإنجليز إذا لم يعينوه فليسَ إلى إلغاء الامتيازات من سبيل، وهو حريص كلَّ الحرص على أن تُلْغَى الامتيازات رحمةً بالفلاح وعطفًا عليه، وهو لذلك يسأل الإنجليز في هدوء وأناة واستحياء: لماذا لم تلغوا الامتيازات؟ أرأيت تواضعًا أحسن من هذا التواضع؟ أرأيتَ اعتدالًا أجمل من هذا الاعتدال؟ أرأيت شعورًا بالكرامة أصدق من هذا الشعور؟ أرأيت إيمانًا بالاستقلال أثبتَ من هذا الإيمان؟

أمَّا المُعَارِضُونَ فسيثورون ويثورون لهذا الكلام؛ لأنَّهم لا يَنتظرون إلغاء الامتيازات من الإنجليز، بل لا يحبون أن ينفرد الإنجليز بإلغاء الامتيازات، وإنما يريدون أن يفرغوا أولًا من الإنجليز، ليجدُّوا هم في إلغاء الامتيازات، يسلكون إليه من السبل ما يُلائم الكرامة والمنفعة والاستقلال. أرأيت إلى الفرق بين هؤلاء المُعارضين الذين تفسد الكبرياء عليهم أمورهم فلا يبلغوا شيئًا، وبين هذا المتواضع الذي يصلح التواضع له أموره، فيبلغ كل شيء؟!

وأدخل من هذا في التواضع، وأدل من هذا عليه، أن رئيس الوزراء يتحدث إلى صاحبه الإنجليزي فيُنبئه بأن الوقت قد آن لإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وكان قاضي القضاة منذ وقت غير طويل يريد ويطلب إلى حضرة صاحب الجلالة أن تُلْغَى المحاكم المختلطة، وأن تستقلَّ مصر بشئون القضاء فيها، لا أن يُعاد تنظيم هذه المحاكم؛ فانظر إلى الفَرْق بينَ رَئيس الوزَرَاء وَقَاضي القضاة! أولهما متواضع لا يسرف في الطلب، ولا يغلو في الأمل، والآخر مُتكبر شديد الطمع، لا يرضيه إلا أن تلغى المحاكم المختلطة إلغاءً، وانظر إلى النتيجة لكبرياء المتكبرين وتواضع المتواضعين؛ فأمَّا كبرياءُ قاضي القُضاة، فقد أنكرها وزراء الدول المفوضون، وسعوا بإنكارها إلى رئيس الوزراء، وأما تواضع رئيس الوزراء فقد وافق عليه مُحَدِّثه الإنجليزي، واختصَّه بشيء من الثناء، وستقول إن نتيجة الأمرين واحدة؛ فلم تُلْغَ المَحَاكِمُ المُخْتَلَطة، ولم يُعَد النظر في تنظيمها، ولكن هذه مسألة أخرى، لا تمسُّ كبرياء المُتَكَبِّرِين، ولا تَمَسُّ تَوَاضُع المُتَوَاضِعِينَ، وإنما هي رهينة بما بيننا وبين الأجانب من صلات، ورهينة بالوزارات التي تقوم على تصريف الأمور.

والغريب أنَّ البرلمان الحاضر متكبر أيضًا؛ فمَجْلِسُ الشيوخ كان يطلب فيه إلغاء المحاكم المختلطة، ومجلس النواب كان يطلب فيه إلغاء المحاكم المختلطة، وكلا المجلسين يريد إلغاء الامتيازات من طريق مِصْرِيَّة خَالِصَةٍ، ولكن رئيس الوزراء أُسْتَاذٌ، وهو أستاذ مُتْقِنٌ لِفَنِّ التعليم؛ فهو يعرف كيف يردُّ البرلمان إلى التواضع، وهو يعرف كيف يأخذ البرلمان بالاعتدال، وهو يَعْرِفُ كيف يصور مطالب البرلمان التصوير الدقيق الصادق الذي يُلائم ما يستطيع المصريون أن يطلبوه؛ فهو يكتفي بإعادة النظر في تنظيم المحاكم المختلطة، وهو يريد إلغاء الامتيازات، ولكن بشرط أن يأتي من الإنجليز لا من المصريين، وقبل المعاهدة لا بعدها.

أرأيت كيف يكون التواضع؟ أرأيت كيف يكون التوفيق؟ ثم يشكُّ المصريون بعد ذلك في كفاية الوزارة القائمة، ثم يرتاب المصريون بعد ذلك، في أنَّ الوزارة القائمة هي وحدها التي تُلائم مصر، وتقدر على أن تحقق لها الآمال وتكسب لها الاستقلال. نستغفر الله ماذا نقول، وهل لم يكسب الاستقلال إلى الآن، وإذن فماذا كان المصريون يصنعون يوم الخميس؟ ألم يكونوا يحتفلون بعيد الاستقلال؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.