بين القاهرة ولندرة في هذه الأيام أخذٌ وردٌّ ودفعٌ وشدٌّ، ووصلٌ وصدٌّ، وقربٌ وبعدٌ، تدنوان حتى يخيل إليك أن قد بلغ الحب بينهما أقصاه، وانتهى إلى غايته. وتبعدان حتى يخيل إليه أن قد قام الجفاء مقام الصفاء، واختصم المُحِبَّان؛ فلا مودة ولا ولاء. تقضي القاهرة للندرة كل حاجة وتحقق لها كل أمل. وتمنح لندرة القاهرة ما تحتاج إليه من نصر وتأييد، ومن عطف ومَوَدَّة. حتى إذا كان حديث المفاوضات عبست لندرة، ووجمت القاهرة، وتساءل الناس عن مصدر ذلك العبوس وهذا الوجوم. ومصدرهما في حقيقة الأمر يسير سهل. فلندرة فطنة ماهرة، وفي القاهرة سذاجة وسلامة نية، إذا خطت لندرة عرفت أين تضع قدمها، وقدرت لرجلها قبل الخطو موضعها. أما القاهرة فلا تخطو وإنما تجري ولا تقدر، وإنما تندفع. والعجب أن يكون على رأس حكومة القاهرة رئيس الوزراء، وهو أكفأ الأكْفاء، وأذكى الأذكياء، وأمهر المهرة، وأمكر المكرة. وأن تتورط القاهرة بعد ذلك فيما تتورط فيه، فتعتقد أن المَوَدَّةَ بينها وبين لندرة صادقة صافية، لا يشوبها كدر، ولا يعتريها فساد. ومع ذلك فأيسر حَظٍّ من الفطنة السياسية والفهم لحقائق الأشياء، يظهر حكومتنا على أن الإنجليز أمهر وأذكى من أن تخدعهم ظواهر الأمور، أو أن يخيل إليهم أن الأمر في مصر مستقر، وأن الظروف ملائمة لتصفية ما بين البلدين من الحساب؛ كما يقول أصحاب السياسة أو أصحاب المال.

إنما يريد الإنجليز أن تتحقق أغراضهم وتقضى حاجاتهم المستعجلة، ويتم لهم في ظل هذه الوزارة القائمة ما لم يكن سبيل إلى إتمامه في ظل الأحرار الدستوريين أو الوفديين، فإذا قَضَوْا أوطارهم هذه ضحِكوا من أصدقائهم الذين قضوا هذه الأوطار، وأعرضوا عنهم إعراض الزاهد فيهم المزدري لهم. ثم استقبلوا الوفد والأحرار الدستوريين مبتهجين مبتسمين، يقسمون بالله جَهد أيمانهم ما أَكرهوا مصر على شيء، ولا أخذوا منها غير ما أعطتهم. كذلك فعلوا مع صاحب الدولة يحيى باشا إبراهيم فأبلغوه قانون التعويضات، وقانون التضمينات، بعد أن يئسوا من ثروت رحمه الله. وعجزوا عن أن يُبلغوه إحدى هاتين اللقمتين. فلما قضوا من ذلك وطرًا، تجافَوْا عن الحكومة القائمة، واستقبلوا وزارة سعد رحمه الله مبتهجين مبتسمين، كأنهم لم يُكرهوا يحيى على شيء ولم يظفروا منه بشيء.

هذه سيرة الإنجليز إذا أيسوا من الوزارات القوية، اصطنعوا الوزارات الضعيفة. فركِبوها مطية يبلغون بها أغراضهم العزيزة العاجلة. وغريب أن رئيس الوزراء على ذكائه وفطنته، وعلى مهارته وكفايته، لم يفطن لهذا يوم تولَّى الحكم، ولم يقدر أن تأييد الإنجليز لوزارته، يجب أن يكون محدودًا بما لهؤلاء الإنجليز من منافعَ مستعجَلة. فأما تسوية العلاقات بين مصر وإنجلترا فلا سبيل إليها إلا أن تقوم بها عن مصر حكومة تعرفها مصر وتؤمن لها بالقوة والسلطان؛ لأنها هي التي تمنحها القوة والسلطان، حكومة تصور البرلمان تصويرًا صحيحًا، على أن يكون هذا البرلمان صورة صادقة، ومرآة صافية لإرادة الأمة وميولها وأهوائها وآمالها. حكومة كتلك الحكومات التي أقامها الدستور الذي دفنه رئيس الوزراء، وأقسم جَهد أيمانه في الإسكندرية أن لن يُنْشَر ولن يعود إلى الحياة.

أعلن الإنجليزُ هذا مرة ومرة. وسمع رئيس الوزراء هذا الإعلان وقرأه وفهمه. ولكنه لم يكَد يصل إلى الحاكم حتى نسي ما قرأ وما سمع، وما فهم. وظن أنه ما دام يستطيع أن يتَّفق مع الإنجليز فيقضي لهم حاجاتهم، ويحقق لهم مآربهم المُستعجَلة فهو يستطيع أن يتفق معهم على حل المسائل المعلقة بين البلدين.

ومضى رئيس الوزراء في سبيله هذه؛ فألغى دستورًا وأقام دستورًا، وأعرض عن كثرة ومال إلى قِلة، وأهمل أمة واعتز بأجنبي، وتقرب إلى الإنجليز ما استطاع أن يتقرَّب، وتحبب إليهم ما استطاع أن يتحبب. وضحَّى في سبيل ذلك ما استطاع أن يضحي حتى إذا بلغ من هذا كله أقصاه، قال للإنجليز: والآن فلنتفاوض. فابتسمت لندرة ابتسامتها الصفراء، وقالت: دون هذا وتستقيل الوزارة. والخير أن تقنع بما قسم الله لك، وتكتفي بتصريف الأمور في مصر، فما أقمناك لتفاوض ولا لتعاهد! وإنما أقمناك وأيدناك لترغم المصريين على الهدوء والسكون وتريحنا من مصر حتى نفرغ من مشاكلنا الأخرى ويومئذٍ نشكر لك ما قدمت إلينا من خدمة، ثم نتقدم إلى هؤلاء المصريين فنصلح ما بيننا وبينهم من فساد، ونصفي ما بيننا وبينهم من حساب.

قال الإنجليز ذلك لرئيس الوزراء، يبسمون فيه حينًا، ويعبسون فيه حينًا آخر. أفتراه فَهِمَ عنهم ما يريدون؟ أفتراه انصرف عن المفاوضة وأعرض عن المعاهدة؟ وقنع بما أراد الله له منذ اليوم وهو أن تكون وزارته وزارة إدارية تصرف الشئون اليومية ولا تعرض للمسائل السياسية الكبرى.

قال قوم: نعم، وقال قوم: لا. فأما الأولون فزعموا أن رئيس الوزراء لا يحب أن يخالف عن أمر الإنجليز، فإذا قالوا له أقدِمْ على المفاوضة أقدَمَ. وإذا قالوا له أحجِمْ عنها أحجَمَ. وقد طلبوا إليه الإحجام فهو مُحجِم من غير شك. وأما الآخرون فزعموا أن رئيس الوزراء أشجع من أن يتهيب أمر الإنجليز أو وعيدهم، وأحرص على استقلال مصر من أن يمضي فيه على هوى لندرة.

قالوا وقد وقف رئيس الوزراء مع المستر مكدونلد موقفًا خطيرًا في أول عهده بالحكم، فطلب إليه — في لهجة حازمة عنيفة لم يتعود أحد أن يخاطب بها الإنجليز — ألا يعرض لشئون مصر الداخلية.

قالوا: ومهما يقل الأحرار الدستوريون من أن كتاب رئيس الوزراء هذا إلى الحكومة البريطانية، قد كان متفقًا عليه مع دار المندوب السامي في شكله وموضوعه؛ فقد صدر الكتاب عن رئيس الوزراء وتلقته الحكومة الإنجليزية وسكتت عليه. والذي يخاطب رئيس الوزارة الإنجليزية بتلك اللهجة منذ سنتين يستطيع أن يكتب إليه الآن كتابًا يقول فيه:

بلغني أن حكومتك تتلكأ في قبول ما أعرض عليها من المفاوضة. ولما كان طلب المفاوضة حقًّا من حقوق مصر الثابتة فأنت بين اثنتين: إما أن تفاوض وإما أن أعلن استقلال مصر التام. وأُكْرِهَ جنودك على أن تنسحب إلى حيث أريد لها من غرب القناة أو شرقها. وأحتل السودان وألغي الامتيازات وأسرح المستشارين وأقضي في مصر بما أريد في غير خضوع لمراقبة أو محاسبة.

قالوا: ولن تستطيع الوزارة الإنجليزية أمام هذا الكتاب أن تجيب إلا بقبول وجهة النظر المصرية فتدخل في المفاوضات مع رئيس الوزراء. وأنا أوافق هؤلاء الناس على كل ما قالوا، وأعتقد موقنًا أن رئيس الوزراء يستطيع أن يُكْرِهَ الإنجليز على المفاوضة إذا عجز عن أن يستدرجهم إليها. ولكن من حق الإنجليز أن يصارحوه بعد هذه المفاوضة، وأن يرفضوا إبرام المعاهدة حتى يبرمها الشعب المصري. فالإنجليز لا يعاهدون رئيس الوزراء وإنما يعاهدون الشعب المصري. فإذا قال الإنجليز هذا لرئيس الوزراء وسيقولونه. وقد قالوه ألف مرة ومرة فكيف يجيبهم رئيس الوزراء؟ وهو يعلم والإنجليز يعلمون معه، أن الشعب لا يسنده ولا يؤيِّده ولا يطمئن إليه ولا إلى ما يأتي به مهما يكُن، وهو يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن الوفديين والأحرار الدستوريين والمستقلين لم يلعبوا يوم قاطعوا الانتخابات، ويوم نبذوا الوزارة القائمة، ويوم أعلنوا أن مصر لا تتقيد بشيء ما ممَّا تتقيد به هذه الوزارة. وهو يعلم والإنجليز يعلمون معه حق العلم أن كثرة الأمة لم تشترك في الانتخابات وأنها لا تشترك في الحكم، وأنها إذن لن تفاوض الإنجليز معه، وأنها إذن لن تعاهدهم، وأنها إذن ستكون حرة يوم تتم المعاهدة في أن تنكرها وتهز لها كتفيها سخريةً منها واستهزاءً بها. ماذا يصنع رئيس الوزراء؟ وماذا يصنع الإنجليز معه يومئذٍ؟ إن رئيس الوزراء والإنجليز لَيعلمون حق العلم أن الشعب المصري مغلول لا يستطيع أن يتحرك، معقود اللسان لا يستطيع أن يتكلم، وإذن فهل إذا أُمْضِيَتِ المعاهدة، وأقرها البرلمان القائم وزالت عن الجيش البريطاني صفة الاحتلال، وأصبح الشعب المصري مستقلًّا حقًّا، ثم طالب بالدستور القديم، وبأن تعود إلى الأمة حقوقها كاملة، وحرياتها موفورة، وبأن تؤدي الحكومة حسابًا عن حكمها. هل إذا كان هذا كله — ولا بد من أن يكون — يخلي الإنجليز بين الشعب ورئيس الوزراء؟ أم هل يقوم الإنجليز دون رئيس الوزراء كما يقومون دونه اليوم؟ فإن تكن الأولى فليسرع رئيس الوزارة إلى المفاوضة، وإن كنت أكره أن أكون مكانه. وإن تكن الثانية فَلْيُنْبِئْنَا رئيس الوزراء: أيريد أن يأتينا بالاستقلال أم بالاستعباد؟

الحق أنها مشكلة عسيرة، وأن حلها يسير، إن شاء رئيس الوزراء وشاء الإنجليز. وهذا الحل إنما يكون حين يتنحى رئيس الوزراء عن الحكم ويحل البرلمان، وتُجرى الانتخابات الحرة المطلقة. وأنا واثق بأن المعارضة كلها لن تفكر، في حين أَعِدُ رئيس الوزراء وأَعِدُ أصدقاءه من الإنجليز بأنه إن فاز في هذه الانتخابات بالزعامة أو فاز بالعضوية في أحد المجلسين ليس غير؛ فله أن يفاوض الإنجليز، وله أن يعاهدهم، وعلينا نحن أن ننظر إلى معاهدته منصفين فنقبلها إن أرضتنا.

فأما قبل ذلك فرئيس الوزراء يعلم والإنجليز يعلمون معه أن الشعب المصري يريد أن يفاوض الإنجليز ويعاهدهم، مفاوضة الحر للحر ومعاهدة الشعب الكريم للشعب الكريم. لقد قلنا ذلك للإنجليز والأحكامُ العرفية معلَنة، والحماية قائمة والإنجليز منتصرون، يحكمون فلا يُرَدُّ لهم حكم ويأمرون فلا يُعصى لهم أمر. أفترانا وقد زالت الحماية، وزالت الأحكام العرفية، وأُعْلِنَ الاستقلال، لا نستطيع أن نقول ما كنا نقوله منذُ ثلاث عشرة سنة؟ كلا يا صاحب الدولة. تستطيع أن تفاوض الإنجليز وأن تعاهدهم وأن تبلغ منهم فوق ما بلغ محمد محمود والنحاس أو دونه، فأنت واثق والإنجليز واثقون منك بأن نتيجة هذا كله مرفوضة منبوذة؛ لأنك قد أقدمت على المفاوضات وأمتك ذليلة مغلولة. أَعِدْ إليها عزتها وفك عنها أغلالها. ثم فكر بعد ذلك في المفاوضة إن كان لك إليها سبيل، فأما قبل ذلك فاقنع بالوزارة الإدارية وصرف الشئون اليومية، حتى يقضي الله بينك وبين الشعب وإنه ليوم قريب، وإن رأيته بعيدًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.