هل سكت غضب الغاضبين، وهدأ سخط الساخطين، واطمأنت نفوس الثائرين، ورضي الإنجليز بهذه النتيجة أو بهذه النتائج التي انتهت إليها الأمور في مصر؟!

فما نظن أن الإنجليز يرون أننا من السذاجة والغفلة بحيث نُخدَع عن حقيقة الأمر، أو نصدق ما قيل وما سَيُقَالُ، أو نؤمن بأن تلك الوثبة التي وثبها صدقي باشا، وتلك المظالم التي صبَّها صدقي باشا، وتلك الألوان من الكَيْدِ التي كِيدَتْ لشعب هادئ وادع بريء قد جاءت عفوًا وصدرت بغير حساب وعلى غير تقدير، لم يُفَكِّرْ فيها إلا صدقي باشا وأصحابه، ولم يحتمل أوزارها إلا صدقي باشا وأصحابه.

كلا؛ فالإنجليز أعقل وأذكى من أن يظنوا بغيرهم الغفلة والغباء، والإنجليز يعلمون حق العلم أن المصريين لا يشكُّون، ولن يشكُّوا في أن هذه المحن التي أَلَمَّتْ بهم وسُلِّطَتْ عليهم وأفسدت أمورهم كلها فسادًا، لم تأتِ إلا عن علم من الإنجليز، وعن رضا وعن تقدير، وعن رغبة قوية عنيفة في عقاب هذا الشعب الذي لم يُحْسِن الطاعة ولم يعرف كيف يستكين، والذي لم يقبل ما أعطوه، ولم يتلقَّ بالحمد والشكر ما عرضوا عليه.

هذا الشعب الذي ثار بعد الحرب يطلب الاستقلال، والذي ضحى في سبيل هذا الاستقلال بما ضحى به من نفس ومنفعة ومال، هذا الشعب الذي أخذ الإنجليز يداورونه ويمكرون به، ويسلكون السبل المختلفة لخداعه عن حقه فلم يظفروا منه بالرضا ولم ينتهوا منه إلى القبول، وإنما كانوا يبذلون الجهد العنيف ويحتملون المشقة الثقيلة، ثم لا ينتهون من ذلك كله إلا إلى نفر ضِعَاف يخضعونهم لما يريدون ويسخرونهم فيما يبتغون، ثم تتصل التجربة ويطول وقت المحنة، ثم ينتهي الأمر إلى الإخفاق، وإذا الشعب كما هو، ثابت لا يريم، مستقر لا ينتقل، مؤمن لا يشك، مُصِرٌّ على حقه لا يلين فيه.

هذا الشعب الذي امْتُحِنَ مرة ومرة حتى ضاق به ممتحنوه، كان فيما يظهر خليقًا عند الإنجليز بأن يُلْقَى عليه درس قاسٍ، وتُصَبَّ عليه فتنة غليظة، وتُسَلَّطَ عليه محن ثقال، بعد أن أخفقت المفاوضات الأخيرة، وبعد أن ظهر أن المداورات والمناورات لا تغني في إغرائه ولا في خداعه شيئًا.

هنالك أقدم الإنجليز وتكلفوا الإحجام، وهنالك تحرك الإنجليز وتصنعوا السكون، وهنالك قال الإنجليز وأظهروا الصمت، وهنالك زُلْزِلَتْ مصر بالمصريين. فأُلْغِيَ نظام وأُقِيمَ نظام، وصُرِفَ برلمان ودُعِيَ برلمان، وقيل للمصريين: ذوقوا فستعرفون كيف يكون الذل، واحتملوا فستعرفون كيف يكون المكروه، واتعظوا إن كنتم قادرين على أن تفهموا العظات، واعتبروا إن كنتم قادرين على أن تنتفعوا بالعِبَر، وتبيَّنوا أن مقاومة الإنجليز ليست بالشيء السهل ولا بالأمر اليسير، وأن حرب الإنجليز ليست بهذه الحرب التي يطمع فيها أمثالكم، ويقدر عليها أشباهكم من الضعفاء! فالإنجليز قوم يحسنون الحرب الخفية أكثر مما يحسنون الحرب الظاهرة، وهم قادرون على أن يعذبوكم بأيديكم، ويؤدبوكم بأنفسكم، ويقنعوكم بأن الحمق وحده هو الذي يقفكم منهم موقف الخصم العنيد.

نعم؛ وهناك نظر المصريون فإذا الأهوال تُصَبُّ عليهم صبًّا، وإذا الخطوب تأخذهم من كل مكان، وإذا هم لا يدرون من أين يستقبلون الشر ولا كيف يدفعونه.

فأما حياتهم الخاصة، فمُنَغَّصَةٌ تفسدها الأزمة الاقتصادية التي لا تدع غنيًّا ولا فقيرًا إلا مسَّتْه بعذابها، ويفسدها التجسس الذي انتشر في الأرض، يحصي على الناس ما يقولون وما يعملون، ويرفعه إلى وزارة تأخذ بالشك وتعاقب بالريبة، ولا تكره أن تُحمِّل البريء ذنب المسيء، وتفسدها إدارة طاغية عاتية لا تريح ولا تستريح، لا تمهل الناس لأن رؤساءها لا يمهلونها، ثم يفسدها هذا الاضطراب الذي ساور النفوس وخالط القلوب، فغيَّر الضمائر وقطع الصلات، وأغرى الناس بالشر، وحملهم عليه حملًا.

وأما حياتهم العامة، فحدِّثْ عن حياتهم العامة ولا تَخْشَ بأسًا، ولا تَخَفْ أن تُتَّهَم بالإسراف أو تُرْمَى بالإغراق؛ فأنت مقصر مهما تَقُلْ، وأنت مُفرِّط مهما تطنب، وأنت دون الحق مهما تحاول أن تبلغ الحق؛ دستور يكفل الحرية، ولكن الحرية محظورة على الناس! دستور يكفل المساواة، ولكن المساواة مُحرَّمة على الناس! دستور يحظر أن يُصَادَرَ الناس في شيء إلا بحكم القانون، ولكن الناس يُصَادَرُونَ في كل شيء سواء أرضي القانون أم لم يَرْضَ! موظفون يُؤْمَرُونَ بما لا يبيح الدستور ولا القانون أن يُؤمَروا به، ويُؤخَذون بما لا يبيح العدل ولا الإنصاف أن يُؤخَذوا به؛ فمَنْ أطاع منهم أَمِنَ على منصبه وأنفه راغم، ومن غلا منهم في الطاعة فُتِحَتْ له أبواب الأمل واسعة، ومَنْ أسرف منهم في هذا الغلو وثب إلى القمة من الحضيض، ومن أبى منهم فويل له ثم ويل؛ حرمان وغضب وسخط. فإما عدلَ عن الإباء، وفرَّطَ في الأمانة؛ فاستحق الأمن والطمأنينة، وإما مضى في إبائه؛ فأُخْرِج من منصبه إخراجًا، وسُدَّتْ عليه أبواب الحياة.

أنصار يُبَاحُ لهم كل شيء، وخصوم يُحظَر عليهم كل شيء، وزراء يطوفون في الأرض كما يطوف السادة المسيطرون، يُجْمَعُ لهم الناس جمعًا، وتُحشَر لهم الألوف حشرًا، وزعماء يُحصَرون في دُورهم، فإن خرجوا منها فالشرطة تسبقهم وتلحقهم، وتحيط بهم من يمين وشمال، فإن هَمُّوا برحلة أو بدءوها، فهم يُرَدُّون عنها ردًّا، بل يُرَدُّون عنها أعنف الرد؛ تُعمَل في أجسامهم عصي الشرطة وسياطها، فإنْ أتمُّوا رحلتَهم، فالشرطة مرصدة لهم إرصادًا، والجند مُعَدٌّ لهم إعدادًا، والعصي والسياط والبنادق مستعدة للعمل في تقطيع الجلود، وتحطيم العظام وإزهاق النفوس، والأيام تمضي وتمضي والمصريون يحتملون ويحتملون، وصدقي باشا يعلن أن النظام مستقر، وأن مصر راضية وأن الإنجليز مغتبطون وأن المفاوضة آتية لا ريب فيها!

والعام يمضي ويتبعه العام، ثم يتبعه العام، والشر يتبعه الشر، والضيم يتبعه الضيم، وصدقي باشا يبتسم والإنجليز يبتسمون، وكل شيء هادئ، وكل شيء مستقر إلا قلوب هذا الشعب البائس التي حُرِّمَ عليها الهدوء والاستقرار.

نعم؛ ثم تكون الآخرة، ويا لها من آخرة! آخرة تثير الإشفاق والرحمة، لولا أن صدقي باشا لم يدع في قلوب الناس مكانًا للإشفاق والرحمة، آخرة مملوءة بالعظة والعبرة لولا أن صدقي باشا قد صَبَّ على الناس من الهم ما شغلهم عن العظة والعبرة، آخرة تُغْرِي بالرضا والابتهاج لولا أن صدقي باشا قد ملأ قلوب الناس بالحزن الذي لا يدع مكانًا للرضا ولا الابتهاج، تهوي وزارة وترقى وزارة، يذهب مندوب ويجيء مندوب، والهم متصل والكرب مستمر، والآلام التي كانت تعبث بنفوس الناس وقلوبهم وتنغص أيامهم ولياليهم، والتي كان الناس يحتملونها ولا يستطيعون أن يجهروا بشيء منها تتخذ لنفسها صورًا وأشكالًا. ثم تنتشر في الجو فضائح ومخزيات؛ لأن الأصدقاء قد اختصموا، ولأن الأولياء قد اختلفوا، ولأن الحلفاء قد أصبح بعضهم لبعض عدوًّا.

والمصريون يستطيعون أن يتكلموا بما لم يكونوا قادرين على أن يخوضوا فيه من أمر الكورنيش، والمقاولات، والاستبدالات، والبداري وأشباه البداري، والشركات وما يتصل بالشركات، والمقاولين وما يمس المقاولين، وما شئت من هذه الأحاديث التي لا تفرغ والتي ليس إلى انقضائها من سبيل.

وصدقي باشا مضطرب أول الأمر محزون بعد ذلك، ثم مداور مناور، ثم متجلد، ثم مخاصم، ثم جريء، كأنه لم يأتِ شيئًا ولم يقل شيئًا، ولم يسئ في شيء، ولم يسئ إلى إنسان. سياسته قائمة، ولكنها تنكره وهو ينكرها وتحاربه وهو يحاربها!

والمصريون حائرون في هذا كله، والإنجليز هادئون مطمئنون، ينظرون ثم ينكرون إن أعجبهم الإنكار، ويسكتون إن نفعهم السكوت.

ليت شعري! هل رضي الإنجليز وقد كانوا غضابًا؟! وهل هدأ الإنجليز وقد كانوا ثائرين؟! وهل اقتنع الإنجليز بأن العذاب الذي سُلِّطَ على مصر هذه الأعوام الأربعة يكافئ ما أظهره المصريون من العزة والإباء، ويعدل ما أظهره المصريون من الامتناع عن الرضا بما عُرِض عليهم، والإذعان لما أُرِيدوا على أن يذعنوا له؟!

ليت شعري! هل شَفَتْ هذه الأعوامُ الأربعةُ غليلَ الإنجليز، وأرضت حاجتهم إلى تأديب المصريين؟!

ولكن المصريين لم يتأدبوا؛ فما زالوا كما كانوا يوم أخفقت المفاوضات الأخيرة، يأبون أن يقبلوا ما يُعرَض عليهم إلا أن يكون محققًا للآمال، ملائمًا لما يبتغون.

كان الإنجليز يريدون أن يلقوا على المصريين درسًا قاسيًا؛ فإذا المصريون يلقون على الإنجليز درسًا عنيفًا.

كان الإنجليز يريدون أن يكرهوا المصريين على أن ينزلوا على حكمهم؛ فإذا المصريون يأبون اليوم كما كانوا يأبون بالأمس، ويعلنون اليوم كما كانوا يعلنون بالأمس أنهم لم ينهضوا عابثين ولا لاعبين حين ثاروا يطلبون الاستقلال.

لقد استيأس الإنجليز من تلاميذهم المصريين، واستيقنوا أنهم لا ينتفعون بدروس القسوة ولا يتعظون بمواعظ العنف، فهل يستيئس المصريون من أساتذتهم الإنجليز، فيستيقنوا أنهم لا ينتفعون بدروس الصبر، ولا يتعظون بمواعظ الاحتمال والثبات؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.