وإنما يصدر المنع عن الأقوياء؛ لأن الضعفاء أصغر شأنًا، وأيسر أمرًا، وأقل خطرًا من أن يُمْنَعُوا، فإذا رأيت وزارةً تعلن أنها تريد أو لا تريد، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تأذن بهذا وتحظر ذاك، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تبيح هذا الاجتماع، وتمنع ذلك الاجتماع؛ فاعلم أنها الوزارة القوية حقًّا، الوزارة التي يحتال الضعف في أن يمسها من طرف من أطرافها، أو يصل إليها من ناحية من نواحيها فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. وقد أعلنت وزارتنا أنها تحظر على جماعة من أعلام القليوبية أن يستقبلوا رئيس الوفد وأصحابه في دورهم؛ فأثبتت بذلك في غير شك ولا ريب أنها قوية حقًّا، أقوى من كل وزارة في الأرض وأعظم سطوة وأشد بأسًا. ومن قبل ذلك بيوم أو يومين تركت وزارتنا رئيس الوفد يذهب إلى بلده سمنود وينتقل منها إلى المنصورة، ويزور عضوًا من أعضاء الوفد فيها ويعود منها إلى القاهرة؛ فأثبتت بذلك أنها من أقوى الوزارات في الأرض وأعظمها حولًا وطولًا. ثم لم تكتفِ بإثبات القوة والبأس، وإقامة الدليل على الحول والطول، بل أثبتت مع ذلك أنها ذكية القلب راجحة الحلم، واسعة العقل، نافذة البصيرة لا تقدم إلا وهي عالمة بما تقدم عليه، ولا تحجم إلا وهي عالمة بما تحجم عنه. وقد زعم الناس أن الرجل العاقل ذا النظر البعيد هو الذي لا يتناقض ولا يضطرب، ولا يأتي أمرًا من الأمور إلا لعلة من العلل وسبب من الأسباب؛ ولكن هذا النحو من التفكير سخف، فالرجل العاقل في هذه الأيام وفي عرف الوزارة بنوع خاص هو الذي يتناقض حتى يبلغ من التناقض الأعاجيب، وهو الذي يأذن لغير علة ويمنع لغير علة، ويأتي ما يأتي من الأمر لغير سبب؛ إلا لأنه يريد أو لا يريد. وقد أقامت الوزارة أوضح الأدلة على أنها قد سبقت الوزارات جميعًا إلى عظم القوة وسعة العقل؛ فخلت بين رئيس الوفد وبين المنصورة، وحالت بين رئيس الوفد وبين القليوبية غير حافلة بما دفعت إليه من التناقض، ولا معنية بما تورطت فيه من الاضطراب، حسبها أنها أرادت أمس وحسبها أنها لا تريد اليوم؛ ليعلم الناس أنها وزارة رشيدة حقًّا قد بلغت من الرشد أقصاه.

ووزير داخليتنا رجل حازم بين الرجال، ووزير طريف بين الوزراء، سمع رئيس الوزراء يخطب يوم العيد أو قرأ خطبته التي ألقاها يوم العيد، ورأى رئيس الوزراء يؤكد للناس أن وزارته قوية؛ فأراد أن يقيم الدليل على أن رئيس الوزراء لم يقل إلا الحق، وعلى أن وزارة الرجل الطيب حقًّا وصدقًا قوية حقًّا وصدقًا، وأي مظهر للقوة أبدع من التحكم في الناس والعبث بهم، والتصرف في حقوقهم إذنًا ومنعًا وإباحة وحظرًا، لا لشيء إلا لأنك تريد أو لأنك لا تريد؟! أما أنا فأُشْهِدُ المصريين جميعًا وأُشْهِدُ الأرض كلها على أني مؤمن لوزير الداخلية بقوة لا تشبهها قوة وحزم لا يشبهه حزم، وذكاء لا يقاربه ذكاء.

أنا مؤمن بهذا كله لوزير الداخلية، حتى إني واثق كل الثقة بأنه يستطيع أن يقطع على الرجل الطيب رحلته في العيد يأمره بالعودة فيعود، أو يخطفه جهرة فينخطف، أو يأمر الناس بالإعراض عنه فإذا هم عنه معرضون. كل ذلك يستطيع وزير الداخلية بأن يأتيه ومن حق وزير الداخلية أن يأتيه؛ لأن وزير الدخلية نابغة، وقد أباح الله للنابغين ما لم يُبِحْ لمثلك ومثلي من أوساط الناس. فليحكم وزير الداخلية فينا بأمره، وليمضِ وزير الداخلية فينا إرادته، فليس وزير الداخلية أقل شأنًا من غيره من أولئك الوزراء الذين تحكموا في المصريين، أو أذاقوهم ما أرادوا أن يذيقوهم من صنوف العسف وألوان الاستبداد. والله [لم] يمنح الناس إرادتهم ليضعوها في جيوبهم أو ليغلقوا من دونها الصناديق والخزائن، وإنما منحهم الإرادة ليقولوا ويعملوا وليأمروا وينهوا وليتحكموا ويستبدوا وليظهروا أنهم أقوياء، وإذا لم يظهر وزير الداخلية أنه قوي، وأنه ذكي، وأنه حليم، فلمن تكون القوة؟! ولمن يكون الحلم؟! ولمن يكون الذكاء؟! ولا تذكر الدستور، ولا تذكر القانون، ولا تذكر التقاليد؛ فكل هذه كلمات لا ينبغي أن تذكر للأقوياء الأذكياء، وإنما ينبغي أن تذكر للذين يحبون الضعف ويكلفون بالغباء.

وسيزعم الوفديون أن الدستور يكفل لهم الحريات، ويبيح لهم أن ينتقلوا في بلادهم، وأن يزور بعضهم بعضًا، وأن يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، وأن الذي يَحْظرُ عليهم من ذلك ما يكفله لهم الدستور — سواء أكان دستور أمس أم دستور اليوم — آثم ينتهك الحرمات ويعتدي على الحقوق. فليزعم الوفديون من ذلك ما شاءوا وما لم يشاءوا، فلن يحفل بهم أحد، ولن يلتفت إليهم أحد؛ لأن هذا كلام يقال للوزارات الضعيفة، التي تحترم الدستور وترعى الحرمات وتحافظ على الحقوق، فأما الوزارات القوية، فهي لا تعرف إلا أنها تريد أو لا تريد، وهي لا تعرف إلا أن الناس مأخوذون بأن يسمعوا لها ويطيعوا. وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، ومتى قال الرجل الطيب شيئًا فقد قال الحق، ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب.

وسيزعم الوفديون أن من حقهم أن يجتمعوا اجتماعاتٍ خاصة إلى الطعام وللحديث، ليس لأحد عليهم في ذلك سلطان، ليس عليهم أن ينبئوا بذلك وزارة ولا إدارة، وليس لوزارة ولا إدارة عليهم في ذلك سلطان ولا سبيل. ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون ما داموا يُذْعِنُون لأمر وزير الداخلية، فالسرائر لله وحده والظواهر للحكومة تعبث بها ما وسعها العبث وتستهزئ بها ما وسعها الاستهزاء، وويل لمن خالف عن أمر الحكومة، أو تردد في الإذعان لها! فقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، وإذا قال الرجل الطيب شيئًا فقد قال الحق، ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب. وسيزعم الوفديون أن الديمقراطية الحديثة تُقَرِّرُ منذ قرن ونصف قرن أن لا طاعة لحاكم في مخالفة القانون، وأن من حقهم بحكم الدستور المصري نفسه أن يخالفوا أمر الوزراء إذا تجاوز الوزراء أحكام القانون. ولكن الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فالديمقراطية الحديثة والقديمة وحقوق الإنسان والدستور والقانون، كل هذا كلام يقال للضعفاء لا للأقوياء، وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية؛ فلا ينبغي أن يقال لها هذا الكلام. وسيزعم الوفديون أن لمصر تقاليدها وأن رعاية الضيافة من هذه التقاليد، وأن مَنْ دعا إلى وليمة فليس له أن يَعْدِلَ عن هذه الدعوة، وأن من قبِل الدعوة فليس له أن يردها بعد قبولها؛ وإنهم لذلك سيقيمون ولائمهم وسيسعى إليها المدعوون؛ لأنهم لا يزيدون على أن يستمتعوا بحقوقهم التي ضمنها لهم الدستور، والتي قامت الوزارة لحمايتها ورعايتها وتمكينهم من الاستمتاع بها على أكمل وجه، وسَيُحَمِّلُوْنَ الحكومة وحدها تبعة ما يقع من الاعتداء عليهم، وتبعة ما يكون من شر، وتبعة ما يحدث من مخالفة الدستور وخروج على القانون وعبث بالحقوق. والوفديون أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فقد أرادت الوزارة وقد أنذرت، وويل للذين لا ينفذون إرادة الوزارة! وويل للذين لا يخافون نذيرها! والوزارة لا تحجم عن احتمال التبعات، وماذا تخاف الوزارة من احتمال التبعات؟! ومن الذي سيحاسب الوزارة عما تحمل من تبعات؟! لقد احتمل صدقي باشا تبعات البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، فماذا جَرَّتْ هذه التبعات عليه؟! وماذا أدى عنها من الحساب؟ هل سُئِلَ؟ هل دُعِيَ إلى التحقيق؟ هل وقف أمام القضاء؟ هل مرت أمام عينيه غرف السجون؟ هل صودر من ماله القليل أو الكثير؟ كلا، فما يمنع هذه الوزارة القوية أن تحتمل ما يشاء الوفد وما لا يشاء من التبعات؟! إن الوزارة لا تخاف شيئًا؛ وإذن فهي تستبيح كل شيء، فليجرؤ الوفد إذن على مخالفة أمر الوزارة، وإن كان هذا الأمر ظالمًا جائرًا مخالفًا للقانون والدستور منتهكًا حرمات التقاليد، فلن يلوم الوفد إلا نفسه.

وسيزعم الوفديون أن الوزارة تزعم أنها وزارة بلد إسلامي، دينها الرسمي هو الإسلام بنص الدستور، وأن من القضايا الإسلامية أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن الاعتداء على الحقوق إثم وانتهاك الحرمات ظلم، ومنع الناس من الاستمتاع بحريتهم معصية، وأن المصريين أحرار في أن يعصوا أمر الوزارة إذا خالف الدين كما أنهم أحرار في أن يعصوا أمر الوزارة إذا خالف القانون. ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فلن تحفل بهم الوزارة ولن تلتفت إليهم، ولن تُبِيْحَ لهم زيارة القليوبية، ولن تُخَلِّي بينهم وبين حقوقهم وحريتهم؛ لأنها قوية كما قال الرجل الطيب، وحسبها أن تكون قوية لتكره الناس على ما لا تريد.

أما بعد، فهل كان جادًّا وزير الداخلية فيما أصدر من أمر، وهل كان جادًّا مدير القليوبية فيما أنفذ من أمر الوزير؟ وهل هان المصريون على الوزير والمدير حتى أصبحت حقوقهم عرضة للعبث إلى هذا الحد؟ وهل هان المصريون على أنفسهم؛ حتى استباح الوزير والمدير أن يأخذاهم بهذا العبث ويدفعاهم إلى هذا الحرج، ويخضعاهم لهذا الاستبداد؟ وهل هان الدستور والقانون على الوزير والمدير حتى استباحا لأنفسهما أن يذهبا في تفسيرهما وتأويلهما هذا المذهب الغريب، أين نحن؟ وإلى أين نُدْفَعُ؟ وماذا يُرَادُ بنا؟ وماذا تريد الوزارة بنفسها وبالناس؟ إن الرجل الطيب خليق أن يفكر في هذا كله إن كان يستطيع أن يفكر في هذا كله. لقد أقدم صدقي باشا على مثل هذا كله؛ فلم يعاقبه القانون ولم يجنِ ثمرة ما غرس من الظلم والجور، ولكن أين صدقي باشا؟ ومَنْ يكون الآن صدقي باشا؟ وماذا جَنَى صدقي باشا من ظلمه وجوره أكثر من ثلاثة أعوام؟ أيريد الرجل الطيب أن يلم به مثل ما أَلَمَّ بصدقي باشا؛ إذن فليقدم على مثل ما أقدم عليه، إذن فليظلم كما ظلم وليَجُرْ كما جَارَ، وليتحكم في الناس كما تحكم، فهو إن فعل مُنْتَهٍ من غير شك إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا، دون أن يستمتع بقوته وقتًا طويلًا؛ لأنه أضعف وأسلم قلبًا وأطيب نفسًا من أن يقاوم الشعب كما قاومه صدقي باشا! أو يَثْبُتَ للشعب كما ثبت له صدقي باشا، ومِن المحقق الذي ليس فيه شك أن الوفد والوفديين لن يُذْعِنُوا لظلم الوزارة، ولن يطيعوا ما تصدر من الأمر في غير الْتزامٍ لحدود القانون؛ فلتفعل الوزارة بقوتها ما تشاء فسيقيم أهل القليوبية ولائمهم، وسيذهب رئيس الوفد وأصحابه لحضور هذه الولائم، وستجني الوزارة وحدها ثمرة التحكم في الناس والخروج على أبسط أصول الدستور والقانون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.