في خطاب الطالب الأديب «فكري محمد حسين خليل بكلية حقوق القاهرة» أَسَفٌ شديد لتلك النزعة المادية التي تقترن بمعنى التطور في أذهان بعض الناس، ومنهم طائفة من كتاب الصحف يطالعوننا من حين إلى حين كما قال: «بعناوين ومقالات تنادي بأننا لا نريد شعراء في عصر الصواريخ …»

ويقول الطالب الأديب: «إنني مؤمن بالتطور ومُرَحِّبٌ به، ولكننا نريد التطور في مذاهب الحضارة جميعًا، وأن نرتقي بالمعنويات كما نرتقي بالماديات، فلا ننسى الروح والوجدان بجانب العقل الإلكتروني … ونطمع في معرفة الحقيقة متكاملة في هذا الصدد … عن مدى الأهمية الإيجابية للأدب والشعر بوجه خاص ومدى لزومه بين قطاعات التطور المادي في العصر الحديث …»

ولا شك أن هذا القلق على «المعنويات» الروحية — كما سماها الطالب الأديب — غَيْرَة إنسانية محمودة تدعو إلى الطمأنينة على الشباب المثقف في هذا العصر الذي وصفوه بين أوصافه الكثيرة بعصر الصاروخ.

ولكن الأمر لا يدعو إلى القلق إذا كان قصاراه أن يتصايح بعض «الأميين» من الكتاب بالاستغناء عن الشعر والأدب في عصر الصاروخ؛ فإنها صيحات لا خسارة فيها على الشعر ولا مكسب فيها للصاروخ، إذ ليس من يصيح بمثل هذا الهراء معدودًا من أهل الشعر والفن ولا من أهل الصاروخ والصناعة، وما كان هؤلاء الصائحون وأمثالهم محبين للشعر قبل اختراع الصواريخ ولا هم ممن يعرفون مكان الصواريخ من أطوار التقدم الحديث.

فليس مكان الصاروخ أن يحل محلَّ الشعر أو محل فن من أخوات الشعر كفنون الموسيقى والغناء والتمثيل والتصوير، إلى أشباه هذه المطالب الإنسانية التي وُصفت بالجمال قبل أن توصف بالفائدة.

وإنما وُجد الصاروخ ليحل محل الطيارة التي تتخلف عنه في السرعة والمضاء، وربما صح أن يقال فيه: إنه قد وجد ليغنينا بعض الغنى — أو كل الغنى — عما دون ذلك من أدوات المواصلات.

ولو قال قائل: لا نريد حميرًا في عصر الصاروخ لكان في قوله بعض المعنى المفهوم.

أما أن يكون الصاروخ بديلًا من التعبير الجميل عن النفس الإنسانية فهو قول لا معنى له في عصور الصواريخ ولا في عصور الحمير.

وليست هذه «مادية» ولا «حيوانية» كما تُنعت به في بعض الأحايين، ولكنها نقص في كل حيوية صالحة يتصف بها الأحياء الأصحاء مما دون الحيوان الناطق بكثير.

إن الحيوان يشبع فيغني ويطرب، ويعبر عن شبعه من مادة الغذاء الضروري بالشعر الذي يستطيعه: وهو شعر التغريد أو شعر الصهيل أو شعر المرح والخيلاء.

ومن حق الإنسان الحي «الناطق» أن يزيد على الحيوان الأبكم بقدرته على التعبير الجميل؛ تعبير بالغناء والكلم المنظوم.

من حقه أن يتكلم ليقول قولًا حسنًا يليق بعقله وفهمه وقدرته على البيان، ولا يقصر عن الطائر الذي يقول قوله بالتغريد، أو عن الحصان الذي يقول قوله بالصهيل.

والشعر — على هذا المعنى — ألزم للإنسان الحي الناطق من الصاروخ؛ لأنه عاش ملايين السنين بغير صواريخ ولم يعشْ قط عصرًا واحدًا بغير فن من فنون الشعر، أو فن من فنون التعبير الجميل كيف كان.

وسيعيش الإنسان دهوره المقبلة كما عاش دهوره الماضية شاعرًا معبرًا عن شعوره، حيًّا يعلق حياته بالقلب واللسان، لا بالصاروخ الحديث ولا بالمطية الأولى من الحمير والخيل والبغال، وشتى «المواصلات» وأدوات الانتقال.

فما شعر الإنسان قديمًا من قلة الحمير وأخواتها، ولا ترك الشعر بعد «اختراعه» الحمار بالترويض والتدجين.

وما كان الإنسان في هذه الألوف من السنين يَنْظِمُ الشعر لأنه كان يبحث عن الصاروخ حتى يصل إليه فيسكت ولا ينظم، ويحطم الطبول والأبواق ولا يطرب أو يتغنى.

ولكنه «شعر»؛ لأنه كائن حي ناطق، ولأن الحياة نصفان متقابلان: تأثير وتعبير.

وما دام حيًّا فهو مؤثر ومتأثر.

وما دام حيًّا فهو شاعر ومعبر.

وشِعره ألزم له من صاروخه؛ لأن الصاروخ صناعة من عمل يديه … أما التعبير فهو حياته وأثر حياته في حياة غيره، وكيف يكون إنسانًا «متطورًا» إذا وقف بالتعبير عند حظ الحيوان من الصهيل أو النداء أو التغريد؟

بل كيف يكون حيًّا متطورًا إذا وقف تعبيره عند حروف النطق ولم يتطور بها عقله ووجدانه في أطوار التحسين والتجميل، تعبيرًا يصدق عليه وصف الفن الجميل.

لا لزوم للشعر في عصر الصاروخ!

لا يا بني آدم!

أصح من ذلك أن يقول آدم من قبل ويقول بنوه من بعده إلى آخر الزمان: في عصر الصاروخ لا لزوم للحمير!

***

ومن الإنسانية التي تُحمد للإنسان أيضًا غيرته على اللغة؛ لأن اللغة الصحيحة والنطق السليم مترادفان.

والسيد «حسن بهجت» الموظف «السابق» يغار على اللغة أن يقع فيها الخطأ في كلمة يكررها المذيعون: وهي كلمة «الندوة».

ويسأل: «أهي نِدوة بكسر النون أو نَدوة بفتحها كما ينطقها المذيعون دائمًا عندما يقدمون ندواتهم؟»

يقول السيد حسن بهجت: وفيما أعلم أنها بكسر النون، ولكنني أحار في سكوت النحويين عن هذا الخطأ الشائع … إلا إذا كان رأيهم فيه أنه خير من الصواب المهجور.

ونطمئن السيد على هذه الكلمة بين كلمات اللغة التي تقبل الخطأ، فإنها معصومة من الخطأ على اختلاف حركات النون، وإن اختلفت المعاني باختلاف الحركات الثلاث.

فالنَّدوة بفتح النون تغلب على مكان الاجتماع، ما دام المجتمعون فيه.

والنِّدوة بكسر النون تغلب على الجماعة الحاضرين في المكان.

والنُّدوة بضم النون تغلب على مورد الشرب وإن خصصها المعجم بشرب الجمال.

وبين اختلاف المختلفين رحمة للناطقين والمذيعين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.