يبحث الناس عن معلومات تؤكد وجهات نظرهم عن العالم، ويتجاهلون ما لا يتفق معها.

في عالمنا غير محدد المعالم، يميل الناس لأنْ يكونوا على صواب؛ لأنَّ هذا يساعدهم في فهم معنى الأشياء. وفي الواقع، يرى بعض علماء النفس أن هذا بمنزلة دافع أساسي لديهم.

ومن الطرق التي يجاهد بها الناس ليكونوا على صوابٍ البحثُ عن دليل يؤكد صحة وجهة نظرهم، مع وجود نتائج محزنة أو مضحكة في بعض الأحيان. على سبيل المثال:

  • عَينت امرأةٌ عاملًا اتضح أنه غير كفء فيما بعد، ولم تلحظ أن كل من حوله يقومون بالعمل المُوكَل إليه بدلًا منه؛ بسبب انبهارها للغاية بحضوره إلى العمل كل يوم في الموعد المحدد.
  • يبدو أن المشجع الرياضي الذي يؤمن بأن فريقه الأفضل على الإطلاق لا يتذكر إلا المباريات التي فاز فيها الفريق، ولا يتذكر أيًّا من الهزائم المخزية التي تعرَّض لها من منافسين أقل منه.
  • إن الرجل الذي يحب حياة الريف لكنه يُضطر للانتقال إلى المدينة من أجل وظيفة جديدة يتجاهل الممر الجوي الذي يعيش أسفله، ويتغاضى عن جيرانه المزعجين، ويتحدث عن مدى استمتاعه بسوق الخضراوات والاعتناء بحوض النباتات الموجود على نافذته.

إننا نفعل ذلك تلقائيًّا وعادةً دون إدراك، ونفعله جزئيًّا لأنه من الأسهل رؤية المكان المناسب لوضع القطع الجديدة داخل صورة الأحجية الموجودة بالفعل بدلًا من تخيل صورة جديدة. كذلك يساعد فعل هذا في دعم نظرتنا لأنفسنا على أننا أشخاص نتمتع بالدقة والتفكير الصائب والاتساق، ونعرف طبيعة الأشياء.

يطلق علماء النفس على هذا الأمر التحيز التأكيدي، ويظهر هذا التحيز في كل مجالات حياتنا، وإليك بعض الأمثلة:

(١) صورة الذات

«صديقي! يبدو مظهرك رائعًا، هل فعلت شيئًا مختلفًا في شعرك؟»

مَن منا لا يحب المجاملة؟ لا أحد، حتى إنه ليس من اللازم توجيهها بصدق؛ فأنا سأتقبلها. لكن ماذا عن قول:

«مهلًا! أتعلم أنك شخص مقزز حقًّا؟»

مَن منا يحب الإهانات؟ حسنًا، إننا فعليًّا لا نحبها، لكننا أحيانًا — صدِّق أو لا تصدِّق — نبحث عنها إذا كانت تؤكد آراءنا في أنفسنا.

في إحدى الدراسات التي تناولت هذا الأمر، بحث الأفراد فعلًا عن معلومات تؤكد وجهة نظرهم بأنهم ليسوا بالضرورة مقززين، وإنما كسالى، أو متبلدو الذهن، أو حتى غير رياضيين (سوان وآخرون، ١٩٨٩).

وهذا الأمر لا يُعَدُّ نوعًا من كراهية الذات؛ ففي هذه الدراسة حتى الأشخاص الذين يتمتعون بقدر عالٍ من تقدير الذات بحثوا عن معلومات تؤكد وجهات نظرهم السلبية في أنفسهم.

فيبدو أننا نحب أن نكون على صواب، حتى وإن كان هذا على حساب صورتنا الذاتية.

(٢) الأموال

بحثت دراسةٌ أُجريت على مستثمري البورصة عبر الإنترنت في كيفية جمع هؤلاء المستثمرين لمعلومات عن أسهم متوقعة (بارك وآخرون، ٢٠١٠).

ووجد الباحثون أن التحيز التأكيدي يظهر بوضوح؛ فقد بحث المستثمرون غالبًا عن معلومات تؤكد حدْسهم بشأن سهم معين. فهؤلاء الأشخاص الذين أظهروا أقوى تحيز تأكيدي كانوا أكثر مستثمرين لديهم ثقة زائدة عن الحد؛ ومن ثَمَّ جمعوا أقل قدر من الأموال.

فيبدو أننا نحب أن نكون على صواب، حتى وإن كلفنا هذا المال.

(٣) السياسة

يرى الناس في السياسة ما يحبون أن يَرَوْهُ طوال الوقت.

ويتجسد أكثر مثال ساخر في الهجاء؛ فعادةً ما يستخدم الهجاء السخرية من أجل توضيح وجهة النظر؛ فكثيرًا ما يقول ستيفن كولبير المقدم التليفزيوني الساخر عكس رأيه الحقيقي من أجل توضيح وجهة نظره (أعتقد أن هذا يطلَق عليه «دعابات» عند الممثلين الهزليين).

وبخلاف السخرية، توجد دراسة أظهرت أن الأشخاص الذين لا يتفقون مع كولبير لا يفهمون أنه يتصرف بسخرية، فهم يظنون أن ما يقوله هو ما يعنيه بالفعل (لامار، ٢٠٠٩).

الجميل في الأمر أن كلًّا من الليبراليين والمحافظين يحصلون على مرادهم؛ ألا وهو تأكيد وجهات نظرهم.

يبدو أننا نحب أن نكون على حق، حتى وإن كان هذا يعني عدم فهم الدعابة.

إلقاء اللوم على التحيز

على مر السنين، تُلقى اللائمة على التحيز التأكيدي بسبب كل أنواع المعتقدات المحيرة. إليك بعضًا منها:

  • يتحيز الناس (جزئيًّا) بسبب انتباههم للحقائق التي تتناسب مع أفكارهم المسبقة فحسب عن دول أو أعراق أخرى.
  • يؤمن الناس بأشياء غريبة عن الصحون الطائرة، واغتيال جون إف كينيدي، وعلم التنجيم، والأهرامات المصرية، والهبوط على القمر؛ لأنهم يبحثون فحسب عن توكيد لا تفنيد.
  • في أوائل القرن التاسع عشر، كان الأطباء يعالجون أي مرض بالفصد. وأحيانًا كان مرضاهم يتحسنون؛ لذا توصل الأطباء — الذين تناسَوْا كل المرضى الذين ماتوا — إلى أن هذه الطريقة لا بد أن لها تأثيرًا ما. وفي الواقع، يتحسن بعض الأشخاص دائمًا من تلقاء أنفسهم دون أي علاج على الإطلاق عند الإصابة بكثير من الأمراض.

محاربة التحيز

إن طريقة محاربة التحيز التأكيدي يسهل شرحها لكن يصعب تنفيذها.

فيجب عليك أن تحاول وتبتكر فرضيات بديلة وتختبرها. وعلى الرغم من أن الأمر يبدو سهلًا، فإنه ليس من طبيعتنا؛ فليس من الممتع التفكير في سبب احتمال تعرضنا للتضليل أو الحصول على معلومات خاطئة؛ فهذا يتطلب بعض المجهود.

فمن غير المحبب قراءة كتاب يتحدى معتقداتنا السياسية، أو التفكير في نقد لفيلمنا المفضل، أو حتى تقبُّل كيف يختار مختلِف الأشخاص أن يعيشوا حياتهم.

إن مجرد محاولة أن تصبح أكثر انفتاحًا — ولو قليلًا — لهي جزء من التحدي الذي يفرضه هذا التحيز التأكيدي علينا. فهل يمكننا الاحتفاظ بهذه الشكوك لفترة أطول قليلًا؟ وهل يمكننا حتى ترك الحقائق تؤثر في رأينا وتصنع أروع البطولات؛ ألا وهي تغيير رأينا؟

The Confirmation Bias: Why It’s Hard to Change Your Mind by Jeremy Dean. Psyblog. June 5, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Le Loup ·١٤ نوفمبر ٢٠١٣، ١٠:٤٧ ص

    فالحقيقة بدر الى ذهني امر طريف و هو الاتفاق مع مبدأ التحيز التأكيديفالحقيقة انا شخصيا منفتح و اتقبل جميع الاراء و انصت لجميع الافكار و اقوم بتحليلها لبعض الوقتهل كوني كذلك فأنا انفي وجود هذا التحيز التأكيدي لدي ؟!

  • default avatar
    mosa eltmny ·١٤ نوفمبر ٢٠١٣، ٨:٥٩ ص

    كيف انزل هذا الكتاب لا يود رابط للتحميل