ما أجمل جبل السنسير بضواحي ليون، جبل أخضر اللون تكتنفه تلال تكسوها الأشجار ومروج تقطعها الطرق، وعلى قمته بَنَتْ يد ناسك متقشِّف بيتًا صغيرًا يقضي فيه حياته، تحوطه حديقة غرس أشجارها بيده. هناك تشرق عليه الشمس، وهناك يعم الظلام بيته، وهناك اعتزل العالم، وهناك سيموت. وبين هذه الجبال نزلتُ منذ ثماني سنوات في أسرة إفرنسية لأقضي بينهم ثلاثة أشهر أدرس فيها اللغة الإفرنسية، وكان بيتهم غير بعيد عن الجبل، وكنت أشرف منه على مدينة ليون، فتتراءى لي في ظلام الليل بمصابيحها اللامعة. أيام جميلة تعيدها الذكرى لنفسي وما أجمل الذكرى والإنسان بعيد عن هذه البلاد التي قضى فيها جزءًا من عمره لاقى فيه السعادة والصفاء. قلت: إني كنت نزيل أسرة إفرنسية مكونة من رجل وزوجته وشقيقته وولدين له يذهبان صباحًا إلى المدرسة، ويعودان منها قبيل الغروب، فيلعبان ويمرحان في الحديقة إلى أن يدنو الليل، فيدخلان غرفة المطالعة، ويقضيان مع عمتهم ساعة من الزمن قبل العشاء يعيدان فيها درس اليوم، ويدرسان درس الغد. وأبيح لي أن أشهد هذه الدروس لتعتاد أذني سماع النغمة الإفرنسية، ففي ذات ليلة رأيت في يد الطفل الصغير — وكان لا يبلغ من العمر إلا ثماني سنوات — قطعًا من الحجارة يدرس أسماءها مع عمته، ورأيت الطفل الكبير — وكان يبلغ الثانية عشرة من عمره — يمسك بكتاب في يده مكتوب عليه هذا العنوان «مبادئ علم الفلسفة»، ولبثا يتناقشان مع عمتهما، ثم قمنا سويًّا للعشاء، ومكثنا نتسامر بعد ذلك، ثم دخل كُلٌّ إلى غرفته لينام.

سبحان ربي لقد كنت أبلغ التاسعة عشرة، بل كنت على أبواب العشرين، وكنت من حَمَلة الشهادة الثانوية، ولكني كنت جاهلًا بعلم طبقات الأرض ومبادئ الفلسفة.

أما الطفل الإفرنسي البالغ من العمر ثماني سنوات أو اثنتي عشرة سنة فهو خبير بعلم طبقات الأرض وبعلم الحيوان والنبات والمنطق وعلم النفس. لقد كنت أمام هذا الطفل الصغير كالتلميذ الجاهل أمام الأستاذ المتعلم.

يحمل الشاب منا الشهادة الثانوية، فإن كان من القسم العلمي جهل علمَي التاريخ والجغرافيا، وإن كان من القسم الأدبي جهل الرياضيات والكيمياء والطبيعة. أما علم طبقات الأرض والحيوان والنبات والفلسفة فلم تقرر بعدُ في برنامج المدارس الثانوية، ولا ندري السبب في ذلك. نكتب هذا لوزارة المعارف، ونحن نأمل أن تصلح في الغد ما أهملته بالأمس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.